; مافيا تتاجر بأحلام التعساء | مجلة المجتمع

العنوان مافيا تتاجر بأحلام التعساء

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 72

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 18

الجمعة 20-أغسطس-2004

أرباحها بلغت (5) مليارات دولار سنويًا

• موسكو والمغرب ولبنان محطات رئيسة لنقل اللاجئين إلى أوروبا.

• كوارث راح ضحيتها متسللون لا يجيدون السباحة أو بسبب برودة الطقس والبعض خسر أطرافه بسبب الجليد.

•المافيا الروسية تقوم بتهريب مليون لاجئ إلى دول أوروبا الغربية، والمافيا الفيتنامية برعت في تهريب الناقمين على الدول الشيوعية.

•الاستخبارات الألمانية وسائل دموية تستخدمها المافيات الدولية في عمليات التهريب.

•ألمانيا محطة اللاجئين الأكراد المركزية، بينما يتوجه السريان إلى السويد بسبب تسهيلات تقدمها للكنيسة السريانية.

•الإسلاموفوبيا منعت أوروبا من استقدام (١٣) مليون مهاجر تحتاجهم لسد العجز السكاني

ستوكهولم.

yahya.b@comhem.se

 أوضاع صعبة تلك التي يعانيها المضطرون والحالمون بالهجرة إلى أوروبا، فمن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة التي يعيشونها في بلدانهم إلى تشديد الإجراءات في بلدان اللجوء أو الهجرة يضطر هؤلاء الراغبون في الهجرة إلى البحث عن الوسائل أيًا كانت عواقبها، لتحقيق هدفهم، وهنا تبدأ مافيا الهجرة أو ما يطلق عليها مافيا المتاجرة بالبشر في اصطيادهم واستغلال ظروفهم بالوعد بتحقيق رغباتهم، وإن كان التقرير التالي يلقي الضوء على تلك المافيا التي تسببت وسائلها -في أحيان كثيرة- في وقوع ماس للمهاجرين كالغرق في البحار والمحيطات، أو إلقاء السلطات القبض على هؤلاء المهاجرين وإعادتهم من حيث أتوا في أفضل الأحيان، إن لم تتركهم في عرض البحر مشردين، لا هم عادوا إلى بلادهم ولا هم هاجروا إلى تلك البلدان رغم كل ذلك، إلا أن هناك أطرافًا أخرى تشترك في تلك المأساة التي يواجهها هؤلاء اللاجئون والمهاجرون الباحثون عن حياة كريمة افتقدوها في أوطانهم، أول هذه الأطراف البلدان التي لم توفر لأبنائها حياة كريمة بسبب الاستبداد أو الفساد، مما دفعهم إلى البحث عن كل الوسائل للهجرة -إن لم يكن الهرب- منها بحثًا عن حياة أفضل، وإن كلفه ذلك ماله بل حياته، أما الطرف الثاني فهو الظلم الأوروبي الجديد الواقع على هؤلاء اللاجئين والمهاجرين سواء كانت وسائل ذلك الظلم في إصدار قوانين جديدة أو تعطيل قوانين عادلة كانت موجودة أو العنف -بجميع أشكاله- غير المبرر غالبًا ضد هؤلاء الباحثين عن حياة كريمة في أوروبا، وهي في النهاية إجراءات ناتجة عن عقدة الإسلاموفوبيا التي أضحت تسيطر على عقلية صناع القرار في كثير من البلدان الأوروبية، الطرف الثالث هو اللاجئ أو المهاجر الذي سعى إلى الهجرة بأي طريقة، حتى لو كان ذلك بوسائل غير مشروعة تكلفه ماله وحريته بل حياته وحياة أسرته، فأصبح هذا المهاجر ضحية ومسؤولًا في الوقت ذاته.

•مافيا البشر:

      أما مافيا البشر فهي الرابح الوحيد من مجمل هذه الأوضاع، والتي غالبًا ما تنتهي مسؤوليتها عن المهاجر في إلقائه عند أقرب شاطئ أوروبي ترسو عليه قواربها المتهالكة إن وصلت.

      فقد نشرت مجلة «دير شبيجل» الألمانية تقريرًا تلقته الحكومة من جهاز مخابراتها يفيد بأن طالبي اللجوء باتوا يتسللون إلى ألمانيا عبر دول الاتحاد الأوروبي، والذين يقومون بإيصالهم إلى ألمانيا هم رجال المافيا الروسية الذين باتوا يتمتعون بأساليب مبتكرة لتهريب البشر إلى الدول الأوروبية، ويقدر التقرير أرباح تجارة تهريب البشر إلى أوروبا بخمسة مليارات دولار سنويًا، يذهب نصفها تقريبًا لصالح المافيا الفيتنامية التي برعت هي الأخرى في تهريب البشر حسب التقرير الألماني، وتخصصت هذه المافيا في تهريب الناقمين على الدول الشيوعية والاشتراكية في آسيا ومنها الصين وغيرها، حيث يجري تهريب الصينيين إلى دول مثل الترويج والسويد والدانمارك وفنلندا وغيرها من الدول، ويشير تقرير الاستخبارات الألمانية إلى وسائل قاسية ودموية تستخدمها المافيات الدولية في عمليات تهريب البشر إلى أوروبا، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى خسائر في الأرواح من قبيل غرق السفن التي تستخدم في نقل اللاجئين حيث تقوم المافيات الروسية على سبيل المثال بشراء سفن متهالكة تحتاج إلى صيانة وتهرب فيها البشر إلى شواطئ الدانمارك والترويج؛ حيث مات المئات في البحار القاسية البرودة قبل وصولهم إلى مواقع اللجوء، وحسب الدوائر الأمنية الأوروبية التي تعمل على ملاحقة مهربي البشر فإن المافيا الروسية تقوم بتهريب مليون لاجئ إلى دول أوروبا الغربية، والمعروف أن كل لاجئ يهرب يدفع بين خمسة آلاف دولار وعشرة آلاف دولار للمهربين، ويصل الرقم -أحيانًا- إلى عشرين ألف دولار في بعض الحالات الخاصة التي يحسن رجال المافيا استغلالها، ورغم القيود الأمنية الصعبة التي وضعتها الشرطة في العديد من الدول الأوروبية لمنع الهجرة إليها إلا أن مافيا التهريب نجحت في اختراق العديد من الخطط الأمنية، وتحديدًا بعد إلغاء الحدود بين الدول الأوروبية، ويملك رجال مافيا التهريب أجهزة حديثة ومتطورة لطبع الجوازات الأوروبية وتزويرها وطباعة التأشيرات وتزويرها، وهم الذين يحددون الطريق التي يجب أن يسلكها اللاجئون، فإذا كانت الحراسة مشددة في المطارات لجئوا إلى الحدود البرية واستخدام شاحنات خاصة في تهريب البشر، وإذا كانت الحراسة في الحدود البرية مكثفة، لجأ المهربون إلى البحر حيث السفن القديمة التي يغرق معظمها، وقد أحصت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة لجمعية الأمم المتحدة آلاف الضحايا في وسط البحار من بينهم نساء حوامل وأطفال، كما حدث في الدانمارك وإيطاليا.

     وتجدر الإشارة إلى أن معظم رجال المافيا الروسية ينتمون إلى الاستخبارات الروسية السابقة، وتربطهم بعناصر الاستخبارات القديمة في أوروبا الشرقية علاقات وطيدة تسهل لهم مهامهم من خلال الرشاوى التي يدفعونها على الحدود. 

● خط المغرب:

      وغير خط موسكو الذي بات مشهورًا وذائعًا لكل طالبي اللجوء فإن تهريب البشر له خطوط أخرى أغلبها يمر عبر شمال إفريقيا والشرق الأوسط -طبقًا للتقرير- عبر مركزين رئيسين هما المغرب ولبنان، المهربون المغاربة -طبقًا للتقرير- أقاموا قاعدة لهم في المغرب لتهريب البشر إلى إسبانيا وبقية الدول الأوروبية عبر مضيق جبل طارق، ويتم التهريب من المغرب إلى الشواطئ الإسبانية بقوارب متهالكة، وطالبو اللجوء السياسي والاقتصادي عبر هذا الخط هم من بلدان شمال وغرب إفريقيا، وقد مات عبر مضيق جبل طارق مئات الفارين من بلادهم، كما أن الكثير منهم تم اعتقالهم من قبل شرطة الشواطئ الإسبانية، ويعمد الواصلون إلى إسبانيا إلى التسلل منها إلى بقية الدول الأوروبية كفرنسا وإيطاليا وألمانيا.

      أما المافيا اللبنانية فهي تنشط تحديدًا -طبقًا للتقرير أيضًا- في مناطق الجنوب والبقاع والشمال اللبناني، ومعظم زبائنها من الشباب الذين يعانون من البطالة، وغالبًا ما تكون محطة اللاجئين الأكراد المركزية هي ألمانيا، بينما يتوجه اللاجئون السريان إلى السويد بسبب تسهيلات تقدمها للكنيسة السريانية، وتعتبر الحدود التشيكية الألمانية مكانًا مناسبًا لعبور المتسللين العرب ليلًا بمساعدة دليل تشيكي أو فيتنامي يعرف جيدًا مسالك العبور الجبلي والنهري، لكن كثيرًا ما أدت هذه المسالك إلى كوارث راح ضحيتها متسللون لا يجيدون السباحة لاقوا حتفهم أثناء عبور النهر أو متسللون قضوا بسبب برودة الطقس في فصل الشتاء، والبعض خسر بعض أطرافه بسبب الثلج والجليد.

      والخطير في موضوع مافيا التهريب اللبنانية ضياع جوازات سفر اللبنانيين الذين يضطرون إلى تسليمها إلى المافيات الروسية والتشيكية قبل دخول أوروبا، وهذا الأمر لا يمنع من استخدام هذه الجوازات لاحقًا في أمور مخالفة للقانون أو حتى تسهيل وصولها ربما إلى الأجهزة الصهيونية.

• تضييقات جديدة:

     منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانتشار الإسلاموفوبيا، وتصاعد هاجس الأمن لدى أوروبا- اتبعت أوروبا سياسات مضادة للمهاجرين لم تكن تتبعها من قبل، وأصبحت سياساتها أقرب لليمين في النظرة للقادمين الجدد، ومواقفها أكثر ميلًا للتعامل بعنف معهم،

يقول «توم جينكينز» كبير مستشاري مؤتمر اتحاد نقابات أوروبا: أعتقد أن بعض الحكومات تتصرف كرد فعل لليمين المتطرف في بعض البلدان، وبالتالي تعمد لإظهار نفسها أكثر تشددًا إزاء الهجرة.

      وأضاف: غير أن الواقع أن الناس سيهاجرون، ومن الأفضل أن يهاجروا بشكل قانوني حتى يمكن تطبيق معايير مناسبة عليهم، ورغم أن معاهدة توسيع الاتحاد الأوروبي أعلنت التزامها بمواثيق حقوق الإنسان فيما يخص التعامل مع اللاجئ، إلا أن المعاهدة منحت الأعضاء الحاليين بالاتحاد حق تحرير أسواق العمالة لديهم بالكامل أو فرض ما يرونه من قيود عليها حتى سبع سنوات قادمة، وهي الفترة الكافية لإفراغ أوروبا من غير المرغوب فيهم، خاصة إن كانوا مسلمين، واتباع إجراءات أشد عنفًا لمنع الهجرة إليها، أما المقيمون بصورة شرعية فهذه الفترة كافية لإعادة النظر في أوضاعهم طبقًا لمعاهدات التعاون الأمني وقوانين الإرهاب الجديدة التي وسعت من دائرة الاشتباه، هذا الخوف الشديد من الإسلام -الإسلاموفوبيا- جعل دولة مثل اليونان لا تمنح تأشيرة دخول للألبان المسلمين إلا بعد تغيير أسمائهم، أما الإيطاليون فيفضلون هجرة الكاثوليك من دول البلقان إليها بدلًا من المسلمين، وهو ما دفع أيضًا دانيال بايبس أن يقول: إن أوروبا تصبح يومًا بعد يوم إقليمًا من أقاليم الإسلام، أو مستعمرة إسلامية وفقًا لما قالته أوريانا فلاتشي في كتابها الجديد «قوة المنطق».

      حيث ترى أن عدد المسيحيين الملتزمين يتناقص مقابل تزايد عدد عمار المساجد ففي بريطانيا، على سبيل المثال عدد الذين يذهبون إلى المساجد أكبر من عدد الذين يذهبون إلى الكنيسة الإنجيلية، وتضيف فلاتشي أن السبب الآخر هو أن سكان أوروبا الأصليين يتضاءل عددهم يومًا بعد يوم، فالنسبة المطلوبة رسميًا للحفاظ على عدد سكان أوروبا الحالي يتطلب نسبة ولادة تبلغ (۲۰۱) للمرأة الواحدة، في حين أن النسبة الحالية هي (١.٥) قابلة للنقصان لا للزيادة، ومن ثم فإن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى (١.٦) مليون مهاجر سنويًا ليحافظ على التوازن بين المواطنين العاملين والمتقاعدين، إضافة إلى إنه يحتاج بالأساس (١٣.٥) مليون مهاجر لتسوية النقص الحاصل من قبل، وتضيف الكاتبة أنه في الوقت الذي يتناقص فيه عدد الأوروبيين بسبب الشيخوخة، يتكاثر المسلمون الذين يتزوجون في أعمار مبكرة حيث ستصل نسبتهم إلى (١٠%) من سكان أوروبا عام ٢٠٢٠.

      حسب معلومات المنظمة الدولية للهجرة فإن عدد من تمكن من عبور الحدود الأوروبية بطرق غير قانونية يقدر بحوالي (٢٥٠ إلى ٣٠٠) ألف شخص في التسعينيات. وفي عام ۲۰۰۰ تقدم حسب معلومات وكالة الغوث الدولية (٣٩٠) ألف شخص بطلب لجوء إلى الدول الأوروبية، ومعظم تلك الطلبات كان في بريطانيا (۹۷۹۰۰) طلب، ثم في ألمانيا (۷۸۰۰۰ طلب).

     وفق الإحصاءات الرسمية للاتحاد الأوروبي يبلغ عدد المهاجرين بطرق غير شرعية إلى أوروبا سنويًا (٤٠٠) ألف أجنبي معظمهم من أوروبا الشرقية، ففي إيطاليا يوجد قرابة (٥.١) مليون مهاجر، منهم (٤٠٠) ألف مسلم من شمال إفريقيا ومسلمي البلقان. في فرنسا قرابة (100) ألف مهاجر غير شرعي سنويًا، من بينهم (٢٢٣٧٥) طالبًا للجوء السياسي. في إسبانيا حوالي (٧٥٠) ألف مهاجر غير شرعي من (90) دولة. في سويسرا التي تضم ثاني أكبر جالية البانية في أوروبا بعد ألمانيا ينتظر (٢٠٠) ألف مهاجر غير شرعي قرارات بقبولهم كلاجئين سياسيين. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى (١.٦) مليون مهاجر سنويًا ليحافظ على التوازن بين المواطنين العاملين والمتقاعدين. أما الآن فإنه يحتاج إلى (13.5) مليون مهاجر لتسوية النقص الحاصل من قبل.

كشفت صحيفة (الاتحاد الاشتراكية) المغربية الرسمية أن السلطات احتجزت نحو تسعة آلآف من المهاجرين غير الشرعيين باتجاه إسبانيا، منهم (٧٦٨٠) مغربيًا والباقي من دول مختلفة، مثل: الجزائر، ونيجيريا، وأنجولا، وليبيريا، وموريتانيا، وباكستان، وبنجلاديش.

      المبدأ الحاكم الذي تقوم عليه المعايير الدولية لحماية اللاجئين هو حظر الطرد أو الرد بمقتضى المادة (٣٣) من اتفاقية اللاجئين العام ١٩٥١، التي تنص على أنه لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئًا أو ترده بأي صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه، أو جنسيته، أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة، أو بسبب آرائه السياسية، وينطبق مبدأ حظر الطرد أو الرد على الإرجاع القسري المباشر إلى دولة معينة مثلما ينطبق على الإجراءات غير المباشرة التي قد تؤدي في واقع الحال إلى إرجاع اللاجئ إلى دولة قد تتعرض فيها حياته أو حريته للخطر.

الرابط المختصر :