العنوان مالي بين دوامة الانقلاب وهواجس الصوملة
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 40
السبت 30-يونيو-2012
توالت الأحداث العاصفة في جمهورية مالي، كما اتسمت بقدر كبير من الشدة، فبعد فترة من اجتياح حركات التمرد المناطق الشمالية والشرقية وإعلان استقلالها، فوجئ المراقبون بدخول الحركات الجهادية على الخط، ثم سمع وقع أقدام العسكر بقيادة القائد آمد هيا سونغو ليطيحوا بحكم الجنرال الديمقراطي أحمد تمان توري، الذي خرج من قصر «كلوبا، في مشهد مهين حيث هرب مشياً على الأقدام حيناً ومحمولاً حيناً آخر لثقل السن ووعورة الجبل، قبل أن يلجأ إلى دكار بعد أن أرغم على التوقيع على وثيقة التنازل عن الحكم.
من بين الآلاف من «الطوارق» الذين كانوا يعيشون في مدينة بمكو لم يعد فيها اليوم سوى بضعة أفراد لا يتجاوزون المائة
بلغت أعداد المهاجرين واللاجئين الماليين 268 ألف نسمة يتوزعون في البلدان المجاورة للمناطق الشمالية والشرقية لمالي
منظمات تنصيرية معروفة باستهدافها الأطفال المسلمين وجدت في هذه الأزمة فرصة لم تكن تحلم بها لتنفيذ توصيات مؤتمر كولورادو الخاصة بتنصير المسلمين
وحين ظن الناس أن الوضع مقبل على الانفراج بتعيين رئيس مؤقت ورئيس وزراء بحجم شيخ مودبو جار»، عاد إلى المربع الأول بالاعتداء الذي تعرض له الرئيس المؤقت في مشهد درامي حزين، وما تلا ذلك من تطورات على الأرض، كل هذا دعانا إلى العودة إلى إلقاء نظرة أخرى على أزمة مالي بعد أن تناولناها على صفحات المجتمع» في مقال سابق.
عندما ندرس عن كثب، ما يجري اليوم في مالي من تطورات، وما سبقها من أحداث مشابهة في مواقع أخرى من القارة، يساورنا القلق في أن كل هذه التحولات العاصفة والمباغتة يمكن أن تتدرج في مخطط وضع بعناية لإعادة تفكيك الدول الأفريقية في إطار ما يصفه البعض بتجزئة المجزأ، وهو المشروع الذي بدأ بالسودان.
مواقف الجوار
كما يكاد المحللون والمتابعون للشأن المالي يجمعون على أن بعض جيرانها من الشمال والشرق، وتحديدا جمهورية الجزائر وموريتانيا، لا يقومون بدور إيجابي بل وربما يضمر بعضهم لجارتهم نوايا غير حسنة.
وتتقوى هذه التهمة بما ذهبت إليه منسقية المعارضة الموريتانية التي اتهمت الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بالضلوع في أحداث مالي، بالإضافة إلى سعيه من أجل توتير العلاقات مع النظام السياسي الجديد في السنغال.
في مقابل هذا، نسجل ازدياد بروز الدور الأمريكي، الذي ظل مرفوضا طيلة السنوات الأخيرة وخاصة من الجزائر، لكن يبدو اليوم أن الموقف آخذ في التبدل حيث تأكد وجود عناصر أمريكية إلى جانب الدور المخابراتي البارز الذي يقومون به في مختلف الدول المعنية بما يسمى به الإرهاب الإسلامي»، حتى شاع الحديث عن تمركز عناصر أمريكية داخل النيجر رغم نفي رئيس النيجر لتلك التقارير.
الموقف الأفريقي
وعلى الصعيد الأفريقي، تكررت في الآونة الأخيرة اجتماعات وزراء الدفاع والقيادات العسكرية العليا لدول المنطقة الوضع اللمسات الأخيرة على مشروع إرسال قوات إلى شمالي مالي لطرد حركات التمرد وحلفائها من الحركات الإسلامية الجهادية في غمرة هذه الجهود تعقد الملف، كما كان متوقعا في مثل هذه الظروف، بازدياد عدد ودور الحركات الجهادية التي لها ارتباطات وثيقة مع بعض مكونات الحركة الطوارقية تبلور هذا العنصر في نزول أبرز القيادات الجهادية إلى شمالي مالي أمثال مختار بن المختار، وأبو زيد وغيرهما في إستراتيجية مدروسة لاستثمار الظروف التي أوجدها الطوارق، كما تنادى غيرهم من الجهاديين إلى شمال مالي، وفي هذا الإطار تحدثت التقارير الاستخباراتية عن وجود عناصر من جماعة بوكو حرام» النيجرية وغيرها .
حركات التمرد
من الطبيعي أن يفضي هذا الوجود إلى إرباك خطط حركات التمرد ما جعلها تتوعد الجهاديين بأنها ستخرجهم من بلاد أزواد، إلا أن ميزان القوى على الأرض لا يزال ماثلاً الجانب الجهاديين الذين يملون اليوم إرادتهم كما تناقلت الأخبار الواردة من المنطقة.
ومن الواضح أن التباين في الانتماءات الفكرية والخلفيات الاجتماعية سيكون السبب في الصراع القادم بين الفرقاء، والذي بدأ يلوح في الأفق بفشل محاولات الاندماج حين دخلت «حركة تحرير أزواد، في مفاوضات مع جماعة أنصار الدين» التي تملك اليوم كثيرا من أوراق اللعبة، وهو ما جعل موقف الطرف الآخر يتسم بالتذبذب الشديد.
كما برز تباين آخر في المواقف بين حركات تحرير أزواد وبين كبرى الجماعات الإسلامية المتحركة في شمالي وشرقي مالي والمتمثلة في جماعة أنصار الدين». حين قال رئيسها: إن جماعته ترفض تقسيم البلاد لأن مشروعها هو تطبيق الشريعة على كافة أنحاء الجمهورية التي لا تزال علمانية وفقا للنظام السياسي القائم اليوم، ويبدو أن الجماعة قد أخذت تطرق أبوبا أخرى في محاولة للظهور بمظهر المقبول للجلوس على مائدة المفاوضات السياسية، وما يمكن استخلاصه باجتماعها برئيس بوركينا فاسو بليز كمبا ورى الذي اشترط عليها فك الارتباط مع «القاعدة».
من صور التباين اختلاف الطرح فيما يتعلق بالدعوة إلى الاستقلال مع وجود فارق أساسي بين الرؤى التي يطرحها بعض قيادات حركات التمرد، فحين ينادي البعض بالاستقلال النسبي، بمعني وجود قدر من الحكم الذاتي اقتصاديا وثقافيا، أمثال القائد إبراهيم أغ»، «محمد أسلي»، يتطرف جناح آخر ويرفع سقف مطالبه السياسية إلى مستوى الاستقلال التام وإنشاء دولة في الشمال والشمال الشرقي يتكون من الأقاليم الثلاثة التي هي غاو، ومويتي، وتومبكتو .
موقف هش
من مصادر القلق فيما يتعلق بالطريقة التي يدار بها ملف الأزمة المالية الموقف الهش للرئيس الجديد «جوكندا تراوري» الذي استلم الرئاسة المؤقتة ريثما يتم تنظيم انتخابات رئاسية، رغم ذلك يتجلى بأن قائد الانقلاب لا يزال يحتفظ بالأوراق المهمة وهي الحقيقة التي جاءت التطورات الأخيرة لتؤكدها حينما قامت مجموعات مشاغبة باقتحام القصر الرئاسي والاعتداء على الرئيس المؤقت في مشهد درامي نادراً ما يقع، وقد تم تهريب الرجل إلى فرنسا للعلاج ويتنبأ بعض المراقبين بأن رحلة العلاج قد تتحول إلى منفى طويل إذا لم تتخذ من التدابير السياسية والأمنية ما يكفي لإقناعه بالعودة إلى البلاد بعد ضمان سلامته.
من أخطر النتائج التي يمكن أن تترتب على ما يحدث اليوم في شمالي وشرقي جمهورية مالي، أنه سيفضي لا محالة إلى وقوع كسر (شرخ) عميق في صفوف الأمة، وهو الموقف الذي بدأ يتبلور تجاه الانقلاب ورجالاته وذلك بالنسبة للقضيتين الأخريين، وهما مصير الرئيس السابق «آمد تمان توري والوضع الاقتصادي والإنساني في المناطق التي تشهد حالة التمرد، من بين أقوى المؤشرات على ذلك نزوح الطوارق من كثير من الأماكن التي كانوا يتعايشون فيها مع غيرهم من المكونات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال فمن بين الآلاف من الطوارق الذين كانوا يعيشون في مدينة بمكو لم يعد فيها اليوم سوى بضعة أفراد لا يتجاوزون المائة.
وأخيرا، فحين نعالج الأزمة التي تعصف بمالي من الصعب أن نتجاهل البعد الإنساني فيها والتي تتمثل أساسا في أعداد المهجرين واللاجئين الذين قدرت الأرقام التي نشرتها أجهزة الأمم المتحدة المتخصصة، بما لا يقل عن (٢٦٨) ألف نسمة ويتوزعون في البلدان المجاورة للمناطق الشمالية والشرقية المالي لكن الجانب الأخطر في هذه الأزمة يتعلق بالأطفال حيث تقول التقارير الواردة من تلك المناطق، بأن ما لا يقل عن (۲۸) ألف طفل في بوركينا فاسو قد يخرجون من سلك التعليم بصورة نهائية ما لم تبذل جهود كافية لاحتواء هذا الجانب من الأزمة.
هنا نلفت نظر المؤسسات الإسلامية المعنية إلى أن أطفال مالي من أكثر أطفال المسلمين استهدافا حتى قبل اندلاع الأزمة الحالية، حيث ثبت انتشار ظاهرة المتاجرة بالأطفال وتهريبهم إلى بلدان أخرى مثل ساحل العاج، حيث يعملون في مزارع البن فضلا عن أولئك الذين ينقلون إلى خارج القارة لاستغلالهم في أعمال أشد قذارة فضلا عمن يوظفون في مشاريع ذات أبعاد تنصيرية مستقبلية، وهذا ما تأكد في الدور النشط الذي تقوم به اليوم منظمات تنصيرية معروفة باستهدافها الأطفال المسلمين مثل )Terre des Homes( »أرض الرجال و«أطفال العالم» «رؤية العالم» (World Vision) وغيرها، والتي تجد في هذه الأزمة فرصة نادرة لم تكن تحلم بها كي تنفذ إحدى نظریات مؤتمر «كولورادو الخاصة بتنصير المسلمين وفي غيبة شبه كلية للمؤسسات الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل