العنوان المجتمع الثقافي (1557 )
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 60
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 50
السبت 28-يونيو-2003
ماهية العقل ووظيفته؟
د. الشفيع الماحي أحمد (*)
أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن الدماغ مركز النظام العصبي، وفيه أنواع من الخلايا منها الخلايا العصبية الأصلية، وهي المختصة بتحويل التأثيرات الكيماوية إلى شحنات كهربائية، والشحنات الكهربائية إلى تأثيرات كيماوية ولا تنشغل بأي شيء آخر.
ويستند عمل الدماغ في الأساس إلى الكيمياء الكهربائية، إذ تقوم الأعصاب عند نقل تأثير أو تنبيه من جانب في الجسم إلى جانب آخر منه، أو من موضع في الجسم إلى الدماغ، باستعمال المواد الكيماوية على الدوام، ثم تقوم بتحويل هذه المواد الكيماوية إلى طاقة كهربائية، ويكون انتقال التأثيرات كهربائيًا ويختم التأثير كيماويًا فمثلًا الإحساس بالألم ينتقل كهربائيًا إلى الدماغ، ولكنه عندما يصل هناك تفرز مواد كيماوية، لذا يعطى المتألم حبة أسبرين تقوم بإزالة تأثير هذه المواد الكيماوية، فيشعر بالراحة.
لنفرض أن المدرك -وليكن صورة ما- وصل إلى الخلية الدماغية والتصق بها، وتحول إلى تأثير كيماوي وإلى تأثير كهربائي، ولكن الانطباع والتأثير -الكيماوي الكهربائي- الذي تم ليس إلا عبارة عن هيئة وترتيب وشكل، وليس صورة أو شكلًا لأحد الأشياء، وكذلك التحول الكهربائي ليس شكلًا أو صورة.
وذلك لأن زيادة الكهرباء في مناطق معينة في الخلية وقلتها في مناطق أخرى تنتج ما يشبه تحلل الفضة على بطاقة فيلم التصوير ليس إلا، ولكن هذا التحلل ليس شكلًا ولا صورة.
نظام للتقييم
إذن فهناك حاجة إلى نظام يقيم هذا التحلل، وبالتالي فهناك حاجة إلى تجميع الانطباعات التي يعطيها الدماغ، وفي مكان واحد، ولكن مما يستدعي التأمل هنا أن الدماغ لا يملك مثل هذا المركز وزيادة في الإيضاح لنفرض أن العين قدمت صورة الشيء المرئي، وقدمت الأذن صوته، والأنف رائحته كل هذه الأشياء أتت إلى الدماغ، ولنفرض أن الصورة الحديقة، فمن الذي يخبرنا أو يعطينا الإحساس بأن صورة الحديقة جميلة أو قبيحة، ومن الذي يقيمها وما الشيء الذي يجعلنا مبهورين بسحر الجمال؟ إن التأثيرات الكيماوية أو الكهربائية في خلايا الدماغ لا يمكن أن تعطينا مثل هذه الأحاسيس.
إذًا فنحن نحتاج إلى مركز يستطيع أن يقيم كل هذه المعلومات المختلفة، ويعطيها حكمًا موحدًا أي أننا في حاجة إلى مركز يعطي كل المدركات أحكامًا تميزها عن غيرها.
ولكن مثل هذا المركز لا وجود له في الدماغ، فما الموجود إذن؟ إن ذلك المركز بلا أدنى شك هو العقل، ولكن ما هذا العقل؟
ماهية العقل
إن صعوبة تحديد ماهية العقل تكمن في أنه آلة نورانية متولدة من الروح والنفس معًا، وذلك لأن دخول الروح على مادة الإنسان الطينية قد أعطى الإنسان قوة باطنية هي سبب للإدراك من جهة، وسبب للحركة الذاتية من جهة أخرى، وهي القوة المسماة بالنفس وبها صار الإنسان كالشيء الواحد في تعلق الصفات به بيد أن اكتمال معنى الإنسان لم يتحقق فيه إلا بعد أن تأصلت علاقة النفس بالروح لتصبح النفس فوق كونها مدبرة للبدن، مستعدة ومؤهلة للتلقي من الله، أو بمعنى أن تعقل وتفهم معاني الأشياء، ومنبع ذلك الاستعداد وتلك الأهلية هو العنصر الروحي، الذي هو بلا جدال نور الروح، ولذلك اتصف بالعلم والمعرفة.
فالعقل إذن قوة نورية تجمع بين صفاء نور الروح وصفاء نور النفس، في وحدة واحدة ليست مادية، ولا تحل بحكم نوريتها في الجسم، فهي أقرب إلى النور المقدس الذي ينأى بوجوده عن المادة، وأهم ما تتميز به هذه القوة أنها تعقل، ومعنى تعقل أنها مستعدة للعلم والإدراك، فسميت عقلًا، وجعلت دليلًا وشاهدًا على وجود الروح والنفس معًا، ولذلك قيل إن العقل هو الإنسان على الحقيقة، وهو الذي يشير إليه كل أحد بقوله: «أنا»، فمن حيث هي قوة مدركة تسمى عقلًا، ومن حيث هي حياة في البدن تسمى روحًا ومن حيث هي مشتهية ونافرة تسمى نفسًا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة الاعتبار.
اجتماع نور الروح ونور النفس
وعلى أي حال فإن العقل هو الناتج الطبيعي لاجتماع نور الروح مع نور النفس، وهذا يؤدي بلا أدنى شك إلى الحركة على المستويين الظاهري والباطني، ومن تلك الحركة حركة التأثيرات ذات الطابع الكيماوي الكهربائي والتي لولا وجود العنصر النوري لما أمكن لها الحركة، مما يصح معه القول إن التأثير الكيماوي الكهربائي هو في الأصل ناتج من التركيبة النورية لتأصل علاقة النفس بالروح، فهي التي أعطت لهما الحركة، وبنوريتها جعلت تأثيرهما يعقل، أي يحبس ما يرد عليها من إدراكات عن طريق الحواس.
فمهمة العقل إذن تنحصر في أنه يكشف عن تلك المدركات، ولكنه لا يحكم عليها، بمعنى أنه لا يعطيها معانيها، ولذا عرف بأنه أداة من أدوات القلب، وتحدد دوره بأنه يبدأ من حيث ينتهي إدراك الحواس، أي بداية عمل العقل هي وصول تلك المدركات إلى العقل، فيقوم بقوته النورية على إضاءتها أو الكشف عنها، ويقوم القلب بإدراكها، مما يعني أن دور العقل، أو أن نور العقل قاصر على أنه ينقل للقلب ما يكشفه من مدركات، فيحكم القلب عليها، أو يعطيها ما تستحقه من معان.
ومهما يكن من أمر ذلك الحكم فهو في النهاية معنى يتحصل عليه القلب بعد تأمل والتفات إلى المدرك، ولكن بتوفيق الله تعالى، لا بتأثير النفس، إذ إن تلك الأحكام وفيضانها المتدفق إنما هي إلهام من الله، وذلك لأن الإدراك في حقيقة أمره ليس انطباع صورة الشيء المدرك في الحاسة أو في الدماغ، ولا خروج شيء منها أو منه، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب.
إن حصيلة ذلك كله أن محل العقل هو محل القلب، وأن العقل نور متصل بالدماغ، ولا يقصد بالعقل هنا مجرد الإدراك فقط، بل إن التعقل بمفهومه الجامع يسري في الإنسان سريان الروح في البدن، ليعطي له تلك الشحنة النورية التي يعبر عنها بالشعور تارة وبالإحساس تارة، وبالعلم تارة ثالثة، وتبلغ درجة من البساطة والوضوح، بحيث يستحيل البرهنة عليها، لا بمعنى تنفرد به على غيرها، وإنما لكونها كاشفة لغيرها.
الوعي
ولعل كلمة الوعي هي المعبرة تمامًا عن ذلك المعنى إذ فيها تتلاشى معاني العقل والنفس والروح، ويتجلى ذلك الانكشاف الفريد للذات والوجود الخارجي، بحيث تتضح الأشياء وتتميز الموجودات بعضها عن بعض، وفي وسط ذلك تظهر «إنية» الإنسان كنقطة لا تغفل عن ذاتها ولا تغيب عن الوجود الخارجي، ولذلك امتاز الوعي بعمومية ليست للعقل، إذ قد استمد كل ما ناله من نورية من المعاني الجامعة للإنسان، فاستهل أن يكون ينبوع كل علم ومعرفة.
الصاقل والمرآة
قد تصقل المرآة على عدة أوجه فتنقل لنا أشكالًا جميلة ومناظر رائعة لم يكن الناظر يلقي لها بالًا ولا اهتمامًا وقد ينزعج منها في بعض الأحيان.
فالقمر مثلًا يتسامر تحت شعاعه السمار ويستلهم الشعراء تحت رونق جماله شعرهم فإذا اكتمل بدرًا كاملًا وأرسل وميضة الفضي على الكثبان أصبح دواء لأصحاب الهموم والأحزان، وهم جميعًا ينزعجون من ضوء الشمس التي ما أرسلت إلا بعض شعاعها إلى ذلك الجرم المليء بالحفر، أعني القمر.
وذلك اللؤلؤ الذي تزدان به الحسناوات ليزدين حسنًا وجمالًا، وترصع به المزهريات لتصبح ذات منظر جذاب ما خرج إلينا إلا بعدما عاش سنين في ظلمات البحر المالح الأجاج الذي لا نستطيع أن نرتشف منه رشفة واحدة.
ذلك الينبوع الذي خرج إلينا من تلك العين نتلذذ بمائه الزلال، وتزداد طربًا عندما نسمع خريره الأخاذ ما انبجس إلينا إلا من تلك الصخرة الصماء التي ليس فيها معنى للحياة.
إن ذلك الحجر الذي يرمي به طفل الانتفاضة في وجه ذلك الخنزير اليهودي تبنى على غراره مساجد تصدح بالتكبير في شرق آسيا وغرب أوروبا لأنهم علموا أنه ما رمى بذلك الحجر إلا عن عقيدة عظيمة تتفجر في روحه.
وتلك الدماء التي تراق من أولئك الاستشهاديين في فلسطين دفاعًا عن دين الإسلام ومقدساته ترتوي بها قلوب ماتت فتحيا بالإيمان ويرجع الغافل عن غفلته فيعترف بالبطلان.
إنني لا أروي هذه الكلمات للاستشهاديين هناك فهم قد عرفوا طريقهم ومنهجهم، ولكنني أرويها لنا نحن لنكون مرايا تعكس عن أولئك معنى العقيدة التي باعوا الروح من أجلها نعم فما أرسل البدر وميضه الفضي إلا بعدما احترق من ضوء الشمس، وما ازدان لنا اللؤلؤ إلا بعدما عاش السنين في ظلمات البحر، وما شربنا الماء الزلال من ذلك الينبوع إلا بعدما انحبس الأعوام داخل الصخر.
فلنخرج من تلك الدماء عمر في شدته على الحق، وصلاحًا في إقدامه على النصر فلعل المرآة تدحر الظلم.
عبد الرحمن محمد علا لله حكمي
(1) الطخياء: الظلمة
في استطلاع أدبي:
أيهما ترك السبق للآخر: «الشعر أم الرواية»؟
الرياض: محمد شلال الحناحنة
د. عدنان النحوي: ما زال الشعر هو الرائد الأول والأسبق في ميدان الأدب.. إنه فاكهة كل ندوة أدبية
الشاعر فيصل الحجي: القضية ليست سبق الشعر أو الرواية، ولكنها سبق التقنيات الحديثة من إنترنت وفضائيات!
القاص عبد الناصر محمد مغنم: ربما تراجع الشعر في رصانته وقوته وأصالته لانتشار الشعر الحداثي الغامض والبعيد عن هموم الجمهور!
أيهما سبق الآخر: «الشعر أم الرواية»؟ أم ترى سيظل الشعر ديوان العرب على مر العصور؟ بل قد بالغ بعضهم فقال: «إن كل عربي يستطيع أن يكون شاعرًا إذا أراد» أما ظل الشعراء لعدة أزمان في الصفوف الأولى من قبائلهم، فهم فرسان القلم والإعلام تمامًا كفرسان المعارك؟ أما كان المجتمع يتقي صولاتهم وجولاتهم في كثير من الأحيان ولكن ألم تتبدل الأمور اليوم فغدت الرواية الفن العصري الأول، فهي الأقدر على تصوير معاناة المجتمعات الحديثة، والأصدق في التعبير عن آلامها وآمالها؟ ألا يرنو الكثيرون إلى أن يعيشوا مع رواية مسلسلة في فضائية أو تمثيلية إذاعية أو فيلم سينمائي بدل ضجيج الشعر وخطابيته الجهيرة؟ ألا تنهض هذه التساؤلات في أذهاننا؟ ولذا تناولنا هذه القضية بأبعادها المتنوعة.
الشعر فاكهة الندوات
طرحنا هذه التساؤلات على الأديب الإسلامي د. عدنان النحوي فأجاب قائلًا: من حيث المبدأ لا أعتقد أن الشعر تراجع أمام الرواية في عصرنا، ولكن أرى أن الشعر العربي الأصيل في خصائصه الفنية والشعر الإسلامي في خصائصه الإيمانية تراجع عن مستواه الذي شهدته بعض العصور السابقة، وذلك حين مسته لوثة الحداثة، فهبطت به معنى ومبنى، وشكلًا ومضمونًا، والمؤسف أن اللوثة الحداثية مست بعض صفوف المسلمين حتى أصبح منهم من هو داعية لها، ويعدها تطورًا وتجديدًا، وتراجع حين ضعفت اللغة العربية بين أبنائها، وحين هجر الكثيرون كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي هو أفصح البشر وأبلغهم.
ومع هذا الهبوط والتراجع للشعر، فلا أرى أن الرواية في عصرنا الحديث أحدثت زخمًا أكثر من زخم الشعر، فما زال الشعر -مهما اختلف مستواه- هو الرائد الأول في ميدان الأدب، فلا تخلو ندوة أدبية من الشعر كأنه فاكهتها ولا يقوم احتفال إلا والقصائد تتزاحم، ولا تثور قضية تمس الأمة إلا والشعر له الدور الأول، والشعر أسرع إلى حاجات الناس، فهو باب الرثاء والمديح والجهاد، وهو سلاح من أسلحة الدعوة الإسلامية.
ولنأخذ مثلًا قضية فلسطين، ولننظر زخم المادة الشعرية فيها خلال قرن، ولننظر زخم الرواية فالشعر زخمه كبير، ومادته كثيرة، فشغلت معظم الشعراء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولعل قبول الشعر لعنصري التنغيم والإنشاد ساعد على انتشاره.
ومهما يكن فإن هناك من يرى أن هذه المكانة للشعر هي مكانة قديمة، وأن الرواية أصبح لها حضورها وتأثيرها في جوانب الحياة الثقافية والمعرفية، وإن لم تبلغ قيمة الشعر ودوره.
الرواية تشق طريقها
وكان لقاؤنا الثاني بالروائي د. عبد الله بن صالح العريني الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذي أثار أكثر من جانب في هذه القضية فقال: في ماضي العرب استأثر الشعر وحده بالاهتمام وغدا ديوان العرب الحافظ لآثارهم، المخلد لفضائلهم، ومآثرهم، وتعودت الذائقة العربية هذا الفن الجميل فلم تر له ندًا في الجمال حتى إن أحدهم إذا أعجبه كلام قال: إنه شعر أو يوشك أن يكون شعرًا، أما في العصر الحاضر فقد بدأت الرواية تشق طريقها واضعة نفسها في صدارة الحياة الأدبية في الغرب، ولأن الغرب أضحى هو المعلم الأول للبلدان النامية بمختلف ألوانها وأجناسها إلا من رحم الله، فإن ذلك الذوق الغربي الذي يعلي من شأن الرواية ويجعلها الفن الأول، قد أصبح له حضوره وتأثيره في مختلف جوانب الثقافة والمعرفة، ومن الأسباب سهولة طباعة الكتب ومنها الروايات مقارنة بالماضي، ولأنها كذلك تمثل نوعًا من أنواع القراءة المسلية والممتعة والشائقة، وغالب الناس لم تعد لهم سعة صدر للقراءة العميقة، ثم الإمكان تحويل النص الروائي إلى تمثيلية تلفازية أو إذاعية أو فيلم سينمائي، لذلك كان للرواية هذا الانتشار، وبدت الرواية العربية تسير في اتجاه منافس للشعر، ومع ذلك ففي تصوري أن الشعر سيظل رغم كل شيء هو الفن الأدبي الأول للعرب، لأنهم أمة الذوق الشعري المرهف.
وإذا كان ثمة صدود عنه لضعف بعض الشعراء وعبثية كثير منهم وغموضهم وفساد ذوقهم، ومتى يأت الشاعر المبدع حقًا ستتجدد من خلاله روح الحياة والثقة بالشعر وقيمته، ويمكن تمثيل ذلك من خلال نموذجين متضادين في اتجاههما متفقين على علو شاعريتهما: عبد الرحمن العشماوي، ونزار قباني.
ولنا هنا وقفة: إذن يفرق الروائي العريني بين الرواية في الغرب والرواية لدينا، ففي الغرب لهم الصدارة في الحياة الأدبية وقد تأثر العرب بهذا الذوق، وساعد على ذلك سهولة تحويل النص الروائي إلى تمثيلية مرئية أو مسموعة بطريقة ممتعة سهلة مسلية، أما لدينا فرغم تقدم الرواية وانتشارها إذا قيست بعصور سابقة، إلا أن للشعر مكانته الأولى في أمتنا العربية، لأن ذائقتها ذائقة شعرية مرهفة، ولعل بعض ما يواجهه الشعر من صدود يعود لضعف في الموهبة، وعبثية فكرية، وغموض وفساد ذوق عند بعض الشعراء.
ولكن ماذا عن الروايات المسترخية على مكاتب النقاد؟
كان لا بد أن نصغي لرأي النقاد، فلديهم من الحس النقدي، ونفاذ البصيرة ما يجعلنا نعيد حساباتنا، لذا جاء لقاؤنا بالناقد الأستاذ د. محمد صالح الشنطي رئيس قسم اللغة العربية في كلية حائل، والذي له عدة كتب في نقد الشعر والرواية فيقول:
من المعروف أن نشأة الأجناس الأدبية تخضه لضرورات اجتماعية، وربما تنقرض لأسباب مماثلة كما حدث بالنسبة للملحمة التي تمثل مرحلة في حياة البشرية، ولكن لم يعد لها وجود، إذ حلت الرواية مكانها كما يرى مؤرخو الأدب في غالبيتهم، من هنا كانت نشأة الرواية في القرن الثامن عشر الميلادي بعد أن إنهار نظام الطوائف الحرفية وتبدت ملامح الطبقة الوسطى بهمومها ومشكلاتها الاجتماعية في أعقاب الثورة الصناعية «ثورة جيسمس واط البخارية» فكانت الرواية هي الفن الأقدر على مقاربة معاناتها، وتصوير طموحاتها وتطلعاتها، ولم يكن ذلك يعني بحال من الأحوال تهميش دور الشعر، بل ظل صوت المعاناة الذاتية يجسد آلامها بعد أن خدعته الفلسفة الليبرالية، وبشرته بالحرية، وأعلت من شأنه، في الوقت الذي قذفت به في ضرام المنافسة الضروس التي جعلت منه وقودًا لذلك الوهم المستحيل.
وفي هذا العصر بدت الرواية وكأنها ديوان العرب، في الوقت الذي امتلأت فيه الرفوف بعشرات الروايات المسترخية على مكاتب النقاد، وكأنها لم تكتب إلا لهذه الطائفة المحدودة من القراء يكتبون عنها ويملؤون الدنيا ضجيجًا حولها، في زمن ضاق فيه الوقت عن القراءة بشكل عام، فما بالك بمطالعة مئات الصفحات، بل ألوفها؟ لقد روجت ملخصات النقاد ومقارباتهم لهذا الفن، ولكن مساحة القراءة تقلصت في حين اكتظت شاشات الفضائيات بالمسلسلات التي أدمنت شريحة كبيرة على انتظارها.
من هنا أرى أن الشعر ظل محافظًا على مكانته، على الرغم من وقوع العديد من شعرائه في شراك الإبهام والتعقيد، فما زالت طائفة من الشعراء تلبي الحاجات الوجدانية والنفسية لجمهور المتلقين.
وأما النماذج التي تراجع قراؤها فهي تلك التي انفصلت عن الحياة والأحياء، وغرقت في بحر من التيه الدلالي.
لقد ازدادت الطاقة الإبداعية للشعر والرواية والقصة القصيرة، ولكن المتلقين ملوا وانصرفوا إلى ما هو استهلاكي وسهل، بعد أن وجدوا من يقدم لهم هذا الزاد الثقافي دون عناء عبر وسائط ميسورة، لا تكلفهم مشقة الذهاب إلى الندوات أو المكتبات أو حتى باعة الصحف، لقد ضاقت الأرض بما رحبت وانحسرت في الشاشة الفضية التي تختزل العالم في دقائق معدودة، وانحسر شوق الإنسان المعاصر إلى منابع الفكر والوجدان بعد أن كبلته قيود السعي من أجل الرزق، غير أن ثمة زاوية أخرى يمكن النظر من خلالها إلى الرواية باعتبارها الأقدر على استيعاب مستجدات العصر، وبلورة همومه وإشكالاته.
وعلى الرغم من وجاهة بعض ما قيل بشأن الرواية، فإننا نرى أن الإنتاج الكمي ليس فيصلًا في الحكم على مكانة الفن الأدبي حتى مع الجودة النوعية، فلا بد من متلق يقظ يستوعب هذا النتاج ويتمثله بحيث لا يظل دولة بين النخبة المثقفة فحسب.
أزهار الدهشة
ترى لم يُصر الناقد د. الشنطي على أن يشعل أزهار الدهشة في نفوسنا؟ أليس الذي صنع الهالة حول بعض الروايات التي تغفو مسترخية على مكاتب النقاد هم النقاد أنفسهم؟ ألا يحمل ذلك في طياته مفارقة موجعة للنقد الموضوعي؟ أم أن خطاب د. الشنطي ينهض من رؤية نقد النقد؟ ومع هذا كله يودعنا الناقد الشنطي وهو مع ريادة الشعر الأصيل القادر على شحننا بأشجان الأمة وأفراحها.
حين تخذلنا السياسة
ثم نمضي إلى إيقاع الشعر وتوهجه، نمضي إلى الشاعر الإسلامي فيصل الحجي الذي حاورنا بإيجاز قبل أن نحاوره فقال: القضية ليست سبق الشعر أو الرواية، ولكنها سبق التقنيات الحديثة الطارئة من إنترنت وفضائيات، فتراجعت القراءة أو قل تراجع الكتاب بل تراجع الإنسان بوجدانه وأشواقه الروحية أمام صخب الآلة وقسوتها وغرورها لكن ستظل رؤيتي أن شعرنا الإسلامي طاقة جهادية إبداعية رائدة في الأمة لن يخفت صوته، فهو الذي يحرك الضمائر والشعوب والجيوش حين تخذلنا السياسة، بل تقمعنا في كثير من الأحيان.
أني نحفز الطاقات الإبداعية الكامنة؟
أما القاص عبد الناصر محمد مغنم فحين التقيناه تساءل بدوره هل للرواية في العصر الحاضر زخم وحضور حقًا؟
ثم قال: بتأمل الساحة الأدبية المعاصرة نرى أن الرواية تراجعت كما تراجع الشعر، إذ يفتقر سوق الكتاب اليوم إلى الروايات الأدبية القوية المؤثرة، ويندر فيه وجود رواية يشار إليها بالبنان، ونقصد من قبل القراء محبي الرواية، وربما دل على ذلك تلك المسابقة التي طرحتها مجلة المجتمع لإكمال رواية «ثمانون عامًا بحثًا عن مخرج» لمؤلفها صلاح حسن -رحمه الله، إذ لم يتقدم أحد من الأدباء لخوض هذا المضمار، ولعل وفاة عدد من الشعراء والروائيين في السنوات الأخيرة، أدى إلى بروز التراجع الأدبي بشكل عام، ومهما يكن يظل الأدب العربي أشبه بشجرة باسقة لها فروع عديدة مثقلة بالثمار اليانعة ذات المذاقات المتباينة، والألوان الزاهية المختلفة، وكل ثمرة لها عشاقها ومريدوها، ربما تراجع الشعر في رصانته وقوته وأصالته لانتشار الشعر الحداثي الغامض البعيد عن هموم الجمهور، ولكن الطاقة الشعرية والأدبية كامنة في الأمة تحتاج إلى من يبعثها ويحفزها بالتشجيع وشحذ الهمم.
أين تمضي قافلة الشعر العربي الحديث؟
محطتنا الأخيرة كانت مع الباحث أحمد المحمود الذي يرى أن الرواية قد رجحت كفتها على حساب الشعر، والسبب أن شعرنا العربي الحديث يغرق في الغموض والذاتية، والرمز مما صنع فجوة بينه وبين المتلقي، كما أن تقليده للحداثة الغربية أفقده التواصل مع مجتمعه الذي لم يتخل عن قميصه المشرقي. مما يجعل بعض المتلقين يبتعدون عن الشعر ثقافتهم العامة والشعرية على وجه الخصوص، فقد يألفون شكلًا ومضمونًا للشعر لا يستطيعون التألف مع غيرهما، كما أن بعض الدراسات الأدبية والنظريات النقدية التي تلوي عنق النص الشعري، من شأنها أن تفسد الشعر من جهة، وذوق المتلقي من جهة أخرى، أما السر في نجاح الرواية فيرجع إلى طبيعة الفن الروائي التي تتسم بالانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى، فقد يشم المتلقي في الرواية رائحة الشعر ويحس إيقاعه، ويشاهد المسرح من خلال حوار، ويقرأ مشاهد من قصص قصيرة، وكذلك الانسيابية في أسلوب الرواية مكنها من التواصل مع متلق لم يجد في الشعر ضآلته.
وماذا بعد؟
فإن كنا نقدر وجاهة ما يطرحه الباحث أحمد المحمود إلا أننا نتساءل:
هل يتسع وقت القارئ اليوم لاستيعاب مئات الصفحات الرواية ما؟ أليست الروايات المعبرة عن هموم الأمة وقضاياها المصيرية شبه غائبة أمام الكم الهائل من القصائد التي تخاطب وجداننا وذاكرتنا وتهزنا من الداخل؟ ألا يظل الشعر الأسرع والأقدر على استنهاض الهمم وحفزها لمقاومة أعداء الأمة ورد كيدهم؟ ولسنا ننكر هنا تطور الرواية في هذا العصر، وأن لدينا نماذج راقية في فكرها وفنيتها، لكنها لم تقارب زخم الشعر ودوره العظيم.
ثم أليس شعرنا عبق الماضي وإشراقه الحاضر؟ ألا تنهل ريادته في الحاضر من قبس الماضي؟
فهذا سيد البشرية -صلى الله عليه وسلم- يشهد للشعر فيقول: «إن من الشعر حكمة» (۱)، وقيل عن عائشة -رضي الله عنها- أنها: «ما كان ينزل بها شيء إلا انشدت فيه شعرًا» (۲).
وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبي موسى الأشعري «مر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب» (۳)، ويرفع علي بن طالب -رضي الله عنه- من قدر الشعر فيقول «الشعر ميزان القول» (٤)
ويكتب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- إلى زياد يسأله: لم لم يرو ولده الشعر؟ ما منعك أن ترويه الشعر؟
«فوالله إن كان العاق ليرويه فيبر، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل» (٥)
ويروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «الشعر علم العرب وديوانها، فتعلموه» (٦)، وهو سلاح عظيم من أسلحة الإسلام ومجاهدة المشركين فقال صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (۷).
وموقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شعراء الإسلام معروف وبين، وأقوال الصحابة وبلغاء العرب كثيرة ومتعددة، وسيظل الشعر رائد الأدب العربي، والفطرة التي غذتها اللغة العربية مهما تباينت الآراء في دوره أو مكانته اليوم.
الهوامش
1- البخاري -باب ۹۰
2- الإصابة في تمييز الصحابة -ج ۸/ ص ۲۳۳.
3- أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني، ص ۷۱.
4- العمدة ج ۱ ص ۲۸.
5- العقد الفريد ج 6/ ص ۱۰۸.
6- العقد الفريد ج ٢/ ص ١١٥.
7- أبو داود رقم (٢٥٠٤) وصححه ابن حبان والحاكم.