; ما رأي الشرع في زرع الأعضاء؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما رأي الشرع في زرع الأعضاء؟

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990

مشاهدات 44

نشر في العدد 970

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-يونيو-1990


 

تعتبر المملكة بحق من الدول الرائدة في العالم الثالث في مجال زرع الأعضاء وخاصة زرع الكلى، وقد حقق الأطباء السعوديون مستوى رفيعًا في تقنية هذه العمليات، وأصبحت درجة النجاح تصل إلى ٩٠ بالمئة للكلى التي تزرع من متبرعين أحياء أقارب للمريض. وهي نفس النسبة التي وصلت إليها الدول المتقدمة في هذا المجال. وقد تم حتى العام الماضي إجراء ستمائة عملية زرع للكلى داخل المملكة وحوالي نفس الرقم في الخارج.

وقد تحملت الدولة في كثير من هذه الحالات التي تم معالجتها في الخارج، النفقات الباهظة التي تزيد عن مليون ريال لكل مريض.

ونتيجة نقص المتبرعين بالكلى يضطر بعض المرضى للذهاب إلى الهند حيث يشترون الكلى من متبرعين.. وللأسف فإن هذه العمليات تعاني من نسبة كبيرة من الفشل، كما أن عددًا من هؤلاء المرضى عادوا بأمراض خطيرة ليس أقلها مرض الإيدز!

الفقه وزرع الأعضاء

والعجيب حقًّا أن موقف الفقهاء من زرع الأعضاء كان موقفًا متفتحًا يدل على سماحة الإسلام ويسره بينما نرى في موقف الأديان الأخرى معارضات مختلفة لموضوع زرع الأعضاء.

وأول إعادة زرع للأعضاء هي عين قتادة بن النعمان التي ندرت في موقعة بدر (وقيل في موقعة أحد) والتي أعادها له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت أحدَّ العينين وأقواهما بصرًا.

وقد تحدث فقهاء الإسلام الأجلاء منذ مئات السنين عن زرع الأعضاء.. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع شرح المهذب وفي كتاب منهاج الطالبين هذا الموضوع حيث قال: 

«يجوز أن يصل عظمه بنجس لفقد طاهر فمعذور وإلا وجب نزعه».

وذكر الخطيب الشربيني في مغني المحتاج «شرح منهاج الطالبين» جواز وصل العظم المكسور بعظم آدمي متى قال بذلك أهل الخبرة والاختصاص، وكذلك جواز وصل العظم المكسور بعظم حيوان طاهر «مذکى» أو نجس «غير مذكى أو خنزیر» متى ما قرر ذلك أهل الخبرة (أي أن الفقهاء الإجلاء أباحوا زرع العظام والأسنان التي برع فيها الأطباء المسلمون).

وظهرت في العصر الحديث فتاوى كثيرة في موضوع زرع الأعضاء نذكر منها فتوى الشيخ حسن مأمون مفتي الديار المصرية (6 شوال ۱۳۷۸هـ/ ١٩٥٩م) في إباحة نقل عيون الموتى إلى الأحياء، ثم تلاها فتوى الشيخ أحمد هريدي سنة ١٩٦٦، وفتوى الشيخ محمد خاطر ۱۹۷۳، ثم فتوى الشيخ جاد الحق في عام ۱۹۷۹. وكلها صادرة من دار الإفتاء المصرية وظهرت فتوى وزارة الأوقاف في الكويت في نفس العام. ثم فتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بقرار رقم 99 في 6/11/1402 (١٩٨٢) ثم فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ١٤٠٥هـ / ١٩٨٥. 

وكان من آخر هذه الفتاوى وأوسعها فتوى مجمع الفقه الإسلامي الذي يمثل جميع الدول الإسلامية «الدورة الرابعة المنعقدة في جدة في ۱۸ - ۲۳ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ/ ٦ - ١١ فبراير ۱۹۸۸».

وقد فتحت هذه الفتاوى المتعددة المجال على مصراعيه لاستخدام هذه التقنية البارعة لإنقاذ آلاف المرضى الذين يعانون من الفشل الكلوي ومشاكل الديلزة «الكلى الصناعية» المتعددة.

الفقهاء والتبرع بالأعضاء

ومن المعلوم أن هناك مصدرين للكلى لهؤلاء المرضى:

المصدر الأول هو المتبرعون من الأحياء والمصدر الثاني هو المتبرعون من الأموات ولكل من هذين المصدرين مشاكله كالآتي:

1- المتبرعون من الأحياء: لقد سمح الفقهاء لمن شاء أن يتبرع بإحدى كليتيه أن يفعل ذلك بشرط ألّا يضر بصحته ضررًا بالغًا وأن يكون المتبرع كامل الأهلية أي عاقلًا بالغًا رشيدًا دون إکراه وأن يكون البذل احتسابًا وطلبًا للمثوبة من الله تعالى دون عوض مالي.

ولكن الأطباء خوفًا من أن يكون هناك اتفاق سري وعمليات بيع وشراء يقصرون عملية زرع الأعضاء من الأحياء على الأقارب.. ويقبلون أيضًا تبرع الزوج لزوجته أو العكس نتيجة الارتباط الحميم بينهما، بل لقد أجريت عمليات كانت المتبرعة فيها هي الحماة أم الزوجة، تتبرع بكليتها لزوج ابنتها.. وهي مواقف مشرفة لهذه الحماة التي ضحت بحياتها الزوجية حيث كان زوجها يعارض بشدة تبرعها بالكلى لزوج ابنتها مما أدى لطلاقها منه.

كذلك يجادل الأطباء بأن المتبرعين من غير الأقرباء، يتعرضون لضغوط نفسية وربما ندموا على تبرعهم أو قد تكون هناك عوامل بيع أو ابتزاز.

كما أن الكلى من غير الأقرباء تتعرض لنسبة رفض من الجسم المتلقي أكبر بكثير مما تتعرض له الكلى المأخوذة من قريب.

2- المتبرعون من الأموات: لقد سمح أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء في الفتاوى المتعددة الكثيرة بأخذ الأعضاء من الموتى لزرعها فيمن يحتاج لها من الأحياء بشروط أهمها أن يكون الميت قد وافق قبل موته على ذلك وأن يكون أقاربه قد وافقوا على ذلك أيضًا.

ولن ندخل في الجدل الطويل الذي أثاره بعض الفقهاء هل يملك الإنسان جسمه؟ وهل يحق له التبرع بذلك؟ لأن تلك المناقشات قد دارت بالفعل في المجامع الفقهية وقد احتوت مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة الرابعة، على خمسمائة صفحة تسجل هذه الآراء والأبحاث والمناقشات التي دارت حولها.

 وقد حسمها أصحاب الفضيلة الفقهاء.. وأباحوا في قراراتهم المجمعية نزع الأعضاء من الموتى بالشروط المذكورة. 

ولكن هذه النقطة المهمة تحتاج إلى مزيد من التوضيح، فأعضاء الميت تموت أيضًا بعد دقائق معدودة من وفاته، ولا يمكن الاستفادة إلا من الجلد أو القرنية أو العظام التي تستطيع البقاء لعدة ساعات بعد وفاة الإنسان وتوقف الدورة الدموية والقلب توقفًا كاملًا. 

ولابد إذن للاستفادة من الكلى أو الكبد أو الرئتين أو غيرها من الأعضاء المهمة أن تؤخذ وهي لا تزال تتمتع بالتروية الدموية.

ومنذ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين ظهر مفهوم موت الدماغ.. وهو مفهوم مقصور على عدد من الأشخاص الذين تتهشم أدمغتهم أو تموت أدمغتهم نتيجة الحوادث أو النزف، ومع هذا يستطيع الأطباء بواسطة الأجهزة الحديثة أن يبقوا القلب ينبض والدم يتدفق في الأوردة والشرايين والرئتين تتحرك في شهيق وزفير بواسطة المنفسة.

وقد أباح مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة بعمان ١٤٠٧هـ/ ۱۹۸۷ نزع الأجهزة ممن ينطبق عليهم تعريف موت الدماغ بشروطه الطبية، كما اعتبروا موت الدماغ مساويًا لموت القلب.

وقد أدى هذا القرار التاريخي إلى فتح الباب على مصراعيه للأطباء لإجراء عمليات زرع الأعضاء مثل الكلى أو القلب أو الرئتين... إلخ.

  وتمت بالفعل عمليات زرع الكلى على نطاق واسع نسبيًّا في المملكة العربية السعودية.

ولكن بقيت هناك مشكلتان:

الأولى: متعلقة بقلة عدد المتبرعين رغم كثرة من يموتون بسبب الحوادث، حيث تعتبر المملكة ودول الخليج على رأس قائمة الدول التي تكثر بها حوادث السيارات وتبلغ قرابة ضعف الحوادث في بعض الدول الأخرى، وهذه تحتاج إلى مزيد من نشر الوعي بهذه القضية الهامة التي تنقذ آلاف البشر. 

والثانية: متعلقة بموقف المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (الدورة العاشرة صفر ١٤٠٨هـ/ ۱۹۸۷) الذي لم يعترف بمفهوم موت الدماغ، حيث قرر أنه لا يحكم بموت الشخص شرعًا إلا إذا توقف التنفس والقلب توقفًا تامًا، مع أنه أجاز نزع الأجهزة. 

وبطبيعة الحال لا يستطيع الأطباء الاستفادة من الكلى أو الأعضاء المهمة الأخرى إذا انتظروا حتى يتوقف القلب والتنفس توقفًا تامًّا.

لهذا فإن موقف المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي رغم موافقته على موضوع زرع الأعضاء إلا أنه بعدم الاعتراف بموت الدماغ، يمنع في الواقع الاستفادة من أعضاء الموتى (ما عدا القرنية والجلد والعظام التي يمكن أن يستفاد منها حتى بعد توقف القلب والتنفس توقفًا تامًّا لعدة ساعات).

إن مشاريع زرع الأعضاء، التي تعتبر المملكة رائدة فيها ستتوقف إذا تم الالتزام بقرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (الدورة العاشرة)، وخاصة تلك المتعلقة بالقلب أو الكبد، كما أن مشاريع زرع الكلى ستبقى مقصورة على المتبرعين من الأحياء. 

وفي هذه الحالة أرى أن يقبل الأطباء المتبرعين من الأحياء ولو لم يكونوا أقارب للمريض، مادام التبرع من شخص كامل الأهلية ودون عوض.

ولابد أيضًا من التنسيق بين المجامع الفقهية، بحيث لا تتكرر الفتاوى أو تتعارض، خاصة وأن أكبر مجمعين عالميين هما مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة العالم الإسلامي والذي يمثل جميع الدول الإسلامية، ومجمع رابطة العالم الإسلامي الذي يشترك فيه كثير من جهابذة فقهاء العالم الإسلامي، موجودان في المملكة، أحدهما في جدة والآخر في مكة المكرمة.

زرع الأعضاء في المستشفى الخاص

بقيت نقطة أخيرة ولكنها مهمة وهو ما ذكرته ندوة «الرياض» عن زرع الأعضاء ووجود اتجاه لإيجاد هذه العمليات في المستشفيات الخاصة.

ونحن نعتقد أن موقف دولة الكويت الشقيقة الذي يمنع إجراء زرع الأعضاء في المستشفيات الخاصة إجراء سليم ويبعدنا تمامًا عن مزالق التجارة في الأعضاء الإنسانية وتحويل الإنسان إلى سلعة.

إن السياسة الحالية في قصر عمليات زرع الأعضاء على المستشفيات الحكومية هي سياسة حكيمة يجب الاستمرار فيها وعدم التخلي عنها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 33

151

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

هذا الأسبوع (33)

نشر في العدد 35

82

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

هذا الأسبوع (35)