; ما قل وكفى خير مما كثر وألهي - القناعة | مجلة المجتمع

العنوان ما قل وكفى خير مما كثر وألهي - القناعة

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1776

نشر في الصفحة 50

السبت 10-نوفمبر-2007

(*) أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر- يرحمه الله

قبل وفاته -يرحمه الله- أرسل الدكتور حمدي شلبي عدة مقالات لـ «المجتمع» ووفاء لفضيلته نواصل نشرها

القناعة ليست رضا بالواقع بكل ما فيه.. إنما رضا بعطاء الله 

جمع الإنسان ما لا ينتفع به تعب من غير طائل 

القعود عن تحصيل الرزق أو إصلاح الفساد وتقويم العوج.. من السلبية 

نحن ضيوف في هذه الدنيا.. والضيف لا يتعلق بدار الضيافة 

القناعة سمة من سمات المسلم المؤمن الراضي بما آتاه الله تبارك وتعالى.. المدرك لحقيقة أن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.

وهي صفة من صفات المفلحين الذين هدوا إلى الإسلام، وأتاهم الله تبارك وتعالى من الرزق ما يكفيهم ولا يلهيهم، وقد قنعوا بعطاء الله تبارك وتعالى.

فقد أخرج الإمام الترمذي وصححه في سننه عن فضالة بن عبيد أنه سمع النبي  يقول: قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به، وفي رواية «وقنعه الله بما آتاه».

والقناعة معناها الرضا بما قسم الله تبارك وتعالى.

دعاء الرسول بالقناعة

كان رسول الله  يدعو ربه بأن يرزقه القناعة، وكان قائمًا بكل ما آتاه الله عز وجل، وعود أصحابه ذلك، يقول أبو هريرة: «قسم رسول الله  بيننا تسع تمرات، وكنا تسعًا، فأعطى تمرة تمرة».

هذا العطاء اليسير الذي قد تزهد فيه النفوس.. يبين لنا أبو هريرة أن أصحاب رسول الله فنعوا به ورضوا به ورضوا بما آتاهم الله ورسوله من فضله.

يقول ابن عمر: قال رسول الله  عن رب العزة: «ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع ابن آدم إذا أصبحت معافي في جسدك، آمنًا في سريك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء».

هذه هي الحقيقة إذا أصبح الإنسان آمنًا معافى سليم الجسد، مطمئنًا غير خائف، وعنده ما يكفيه في يومه فما قيمة الزيادة في هذا!

فقد كان الحبيب المصطفى يدعو ويعلم أصحابه، ويعلمنا أن ندعو كذلك بأن يرزقنا الله تبارك وتعالى القناعة، ففيما أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله  كان يدعو: «اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير».

وجاء رجل إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، علمني دعاء انتفع به، قال: قل: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع في خُلقي وبارك لي في كسبي، وقنعني بما رزقتني، ولا تفتني بما زويت عني»؛ أي لا تعلق قلبي بما أخفيت عني حتى لا أفتن وأتعلق بما لم تقدره لي.

من الأسباب المعينة على القناعة: 

1- أن تدرك أنك في هذه الدنيا ضيف لا يلبث أن يرحل، كما كان رسول الله يقول: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب».

فإذا تيقنا بما عند الله تبارك وتعالى من الخير الكبير، أدركنا أن حياتنا الدنيا كلها بمثابة نزل الضيف، والضيف لا يتعلق بما في دار الضيافة، إنما يأخذ ما يكفيه في أدب وفي قناعة، لإدراكه أنه راحل عن هذا وذلك يعينه على تحصيل القناعة.

كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- من خيار أصحاب النبي وقال فيه رسول الله: «سلمان منا أهل البيت»، وتولى الولايات المختلفة للخلفاء الراشدين وغيرهم، ومع ذلك لما نزل به الموت بكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أخشى ألا تكون حفظنا وصية رسول الله ، إنه كان يقول: «ليكن بلاغكم من الدنيا كزاد الراكب» «أي ليكن ما تأخذونه من الدنيا بلاغًا لكم فيها، مثل الزاد الذي يأخذه الراكب الراحل لا يحمل معه إلا ما يلزمه، ولا يتعلق بما يزيد على حاجته».

ولما مات سلمان نظروا في متعته فوجدوا ما عنده لا يساوي قيمة ثلاثين درهما، ولكنه يخشى أن يكون قد فوت وصية رسول الله ، وبهذا يعطينا صورة تطبيقية لما كان يربي عليه النبي أصحابه، 

2- أن تدرك أنه لا فائدة من جمع ما لا تنتفع به: لقد خلق الإنسان جموعًا منوعًا، والعاقل إذا تأمل سأل نفسه ما قيمة الجمع الكثير الذي لا أكله ولا أشربه ولا أتمتع به ولا يكون لي فيه فائدة عملية؟ 

يقول الحبيب المصطفي: «ما طلعت الشمس قط إلا وبجبتيها ملكان يناديان يسمعان كل ما على الأرض إلا الثقلين: أيها الناس هلموا إلى ربكم ما قل وكفى خير مما كثر وإلهي ليس لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو ليست فأبليت أو تصدقت فأمضيت كل ما سوى ذلك هو زاد تتعب في جمعه وتحاسب على منعه وتسأل عنه بين يدي الله تبارك وتعالى».

إن مما يملأ القلب قناعة أن يدرك الإنسان أن جمع ما لا فائدة فيه، وجمع ما لا ينتفع به هو تعب من غير طائل ومن ثم برضى بما أتاه الله تبارك وتعالى ويقنع به.

فوائدها:

أما فوائد القناعة، فهي عظيمة جليلة: 

1- فأقنع الناس هم أغنى الناس؛ لأن الفني كما قال النبي  ليس عن كثرة العرض، ولكن الغني على النفس.

الغنى: أن تدرك أنك لست في حاجة إلى غير الله تبارك وتعالى، وأن تستغني عن الناس وعما في أيديهم، هذا هو الغنى الحقيقي فالقانع هو أغنى الناس.

وقد ورد أن موسى سأل ربه: إي رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرًا، قال: يا رب فأي عبادك أغنى؟ قال عز وجل أقنعهم بما أعطيته، قال يا رب فأي عبادك أعدل؟ قال من دان نفسه.

2- أنها تغني صاحبها عن الوقوف على أصحاب المال، أو التذلل لذوي الجاه والسلطان، وهذا هو عز النفس الذي تحققه القناعة للقانع.

وقد كتب أحد أبناء بني أمية للرجل العابد الزاهد أبي حاتم يعزم عليه أن يرفع إليه حاجته فكتب أبو حاتم إليه يقول: أما صالحون أن يرزق الإنسان الحرية، فإن فقد جاءني كتابك تعزم علي أن أرفع إليك حوائجي، وهيهات، فقد رفعت حوائجي إلى ربي فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك على منها قنعت.. هكذا كان الصالحون.

3- أن يرزق الإنسان الحرية، فإن العبد يكون حرًا متي قنع، عبدًا متى طمع، فهو عبد للدينار، عبد للدرهم، عبد للقطيفة، عبد لمن احسن إليه عبد لمن كان بيده أن يعطيه أو يمنعه.

فإذا تخلص الإنسان من كل هذه أسياد رزق القناعة، ولم يكن عبدًا إلا لله تبارك وتعالى.

قناعة مذمومة

وإني أشير في نهاية المطاف إلى معنى خاطئ من معاني القناعة عند بعض ناس.. يفهم بعض الناس القناعة أنها رضا بالواقع وعدم تغييره، وعدم السعي في تحسينه، وهذا غاية الخطأ فالقناعة ليست رضا بالواقع بكل ما فيه، إنما رضا طاء الله، رضا بقدر الله وأما الواقع الفاسد، فالقناعة تعني السعي في تغييره.

- فليس من القناعة أن ترى المنكر سكت وترى أنك لا بد أن ترضى بقدر الله.

- وليس من القناعة أن ترى معروفًا لا تسارع إليه، ضنا منك يجهدك وطنًا لك أن هذا من القناعة.

- ليس من القناعة أن يفتح لك باب ق من خلال فتقعد ولا تلتمسه، وترى انك قانع لا يلزمك.

- أن تجمع، بل يلزمك أن تسعى لتكسب لتعطي الفقراء من مال الله وتنفع دين الله عوة الله بمالك.

- ليس من القناعة على الإطلاق رضا بالباطل، أو الرضا بالواقع السيء، بل هذا من السلبية التي نهانا الله تبارك وتعالى عنها، بل هي ما يسمى باللامبالاة.. 

- القناعة إذن هي معنى نفسي يعني رضا بعطاء الله، ويعني عدم التذمر أو سخط على ما أعطاك الله تبارك وتعالى، نه لا يعني أبدًا أن تقعد عن تحصيل رزق الحلال، أو أن تقعد عن إصلاح فساد وتقويم العوج. 

الرابط المختصر :