العنوان ما لم أقصده حول مفهوم الحب
الكاتب حسن الشامي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 61
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 31-مايو-1988
أرسل أ. د. حسن
الشامي هذا المقال موضحًا فيه رأيه بالتهم الموجهة إليه عبر مجلة «المجتمع» في عدد
1987/12/10. و«المجتمع» تنشر رد الدكتور الشامي مفسحة له المجال للدفاع عن نفسه
إزاء الملاحظات الموجهة إليه.
الأستاذ الفاضل
إسماعيل الشطي تحية طيبة وبعد؛
أشكر لكم ولمجلة
«المجتمع» نشر تعليقي في «المجتمع» 9 فبراير 1988، صفحات 40، 41 على المقال الذي
افتتحت به مجلتكم عددها رقم 847 المؤرخ في 15 ديسمبر 1987 تحت عنوان: «فساد علمي
تحت ستار العلم»، كما أحمد لمجلتكم طلبها مني توضيح العلاقات فيما بين الشخصيات
التي ورد ذكرها في بحثي موضع سوء الفهم، «وتحديد موضعها في سياق الموضوع». وأعتقد
أن الاستيضاح هو أفضل السبل إلى «التبين» الذي يأمرنا كتاب الله به قبل إصدار
أحكام وإعلانها على الملأ وقبل أن نصيب قومًا بجهالة ونصبح على ما فعلنا نادمين.
ولقد كنت قد
وجهت خطابي لـ«المجتمع» بقدر ما يقتضيه الموقف فالفرية الأولى لم تجئ على صفحات
مجلتكم، وإنما على صفحات جريدة «القبس» الكويتية، ثم نقلتها «المجتمع» عنها.
واعتبرت مآخذ «المجتمع» على ما ارتكبه الغير من خطأ عملًا مجافيًا لما تقتضيه
معايير العدل. ولذلك كتبت لـ«القبس» مرتين موضحًا خطأ ما قدمته لقرائها بشأني،
وشارحًا «جوهر» الأمر واقتصرت في رسالتي لكم على شرح الأخطاء.
ولقد نبهت في
رسالتي لـ«القبس» إلى سقوط الفرية الأولى التي تدعي أن لي أبحاثًا ومقالات فيها
«طعن في بعض المبادئ الإسلامية والصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين» وإلى أن ذلك
السقوط جاء على أيدي من أتوا بالفرية أنفسهم، وذلك لعجزهم عن نبش ما قد يدعمها.
وحددت في تعليقاتي السابقة (راجع: «القبس» 6، 7 يناير 1988، و«المجتمع» 9 فبراير
1988) عددًا من الأخطاء العلمية والإدراكية الصارخة التي وقع فيها ذلك العقل.
من مصدر واحد،
سواء امرأة كانت أم رجلًا، ثم قبع في الخفاء مستترًا وراء غيرة شبابنا على الدين
الحنيف.
وما أحب أن
أُكثر من الأخطاء التي وقع بها أولئك، وهي من الافتراضات شفقة بمن اقترفها عن
سطحية التفكير وقصوره، وقشرية المعرفة وتفسخها، وفساد المنطق وانحساره عن منهجية
العلم. وأوردت بإيجاز توضيحًا لجوهر النظرية والسياق الذي ورد فيه ذكر تلك
الشخصيات. ويقيني هو أن الحقيقة تدحض الفرية التي روجها مصدر ذلك الزور والبهتان
وسخرها في اقتناص مكاسب شخصية بحتة.
عارية من كل
مكرمة أخلاقية أو صفة شرعية.
ومهما كان مدى
الأضرار الذي تلحقه مثل تلك الوقيعة في ظروفنا الراهنة بالمصلحة العامة، وأقدم هنا
لقارئكم الكريم فحوى ذلك التوضيح.
. خلفية منهجية
للنظرية:
إن الإسلام عند
كاتب هذه السطور هو القرآن الكريم والحديث والسنة النبوية الشريفان، وما شرعه
جمهور الفقهاء. ولا يدخل في الإسلام ما يبتدعه الناس بشأن الرسل والأنبياء
والصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ولا بشأن شخصيات أخرى، سواء تاريخية كانت أم
خيالية، اعتقادية. فقصة نوح عليه السلام مع أبنائه الثلاثة على سبيل المثال التي
تظهر في بعض كتب التراث الأدبية وتعزو سواد لون بشرة «أبناء حام» إلى غضب من الله
على أبيهم بعد انحسار ماء الطوفان، ليست من الإسلام في شيء، فهي تتعارض مع وصف
القرآن الكريم للطوفان.
إنها تتبنى مبدأ
المساواة المطلقة بين جماعات العنصرين، خلافًا لما تقرره مبادئ الإسلام من أن
التفضيل لا يكون «إلا بالتقوى». وكذلك واقعة الصراع بين قابيل وهابيل على الزواج
من أخت قابيل التوأم وقد أراد قابيل الاحتفاظ بها لنفسه برغم التحريم نظرًا
لجمالها، في حين إنها كانت من حق أخيه هابيل فإنها تزيد عنصر الأختين إلى ما نص
عليه القرآن الكريم، ولا أظن أن مسلمًا عاقلًا يعتقد أو يقول بقدسية مثل تلك
المقولات التي تسربت إلى بعض كتب التراث الأدبي، ناهيك عن المأثور الشعبي «وقد
أطلق البعض عليه مؤخرًا اسم «التراث الشعبي» وهي تسمية تسبب خلطًا وبلبلة فكرية».
ويظن نفر من الناس – خطأ – أن تلك «الأخبار الأدبية» جزء من الدين في حين أنها في
الحقيقة ليست إلا مقولات «عما يُظن أنه منتمٍ للدين». ولقد رفض العلامة ابن خلدون
– على سبيل المثال – الأخذ بقصة «اللعنة على حام ابن نوح» في تعليل نشوء
الاختلافات العنصرية بين أبناء آدم عليه السلام، وقدم تفسيرًا جديدًا يقوم على أسس
تأثيرات البيئة الطبيعية على مدى الدهور في سمات الإنسان الخلقية العضوية وخاصة
لون البشرة. وكذلك لا يدخل في عداد التاريخ الرسمي لأمة من الأمم ما يحدث به
العوام بشأن أمور ملوكهم أو وجهاء قومهم وأبطالهم «وتُدعى تلك المقولات في علم
الفلكلور التاريخ الشعبي» أو «التاريخ الشفاهي المأثوري». ولا تُؤخذ هذه المقولات
مأخذ التاريخ الرسمي إلا بعد التحقق من مدى صحتها أو حطتها، ولقد نبّه الطبري إلى
خطورة أخذ مثل تلك المقولات مأخذ العقيدة الحقة أو التاريخ الرسمي: فيقول ما
معناه.
إنه بإيراده تلك
«القصص» و«الأخبار» لا يُقرر أنها الحقيقة وإنما مجرد أن الناس تقول بها وأنها
قائمة.
بناءً على ذلك
فإن القصة أو الحكاية أو الأسطورة الشعبية وما شاكلها ما هي إلا تعبير عن تفكير
راويها ومكوناته النفسية والاجتماعية والثقافية تجاه الأشياء والأفراد والمفاهيم
والقيم التي ترد في تلك القصة وتوجد بصفة رئيسية في عالم راويها المصرفي أي أنها
تقع في محيط ما يُدرك وليس في الغوار «العقل الباطن» أو «اللاشعور». ولذلك فإن
المنهج العلمي – وخاصة السلوكي التحققي «أي: العقلاني الذي ينتهجه كاتب هذه السطور
في دراساته للمواد المأثور الشعبي لا يقوم إلا على أساس ربط المقولة بقائلها
والفعل بفاعله، وبسماته الشخصية والاجتماعية «مثل: العمر والجنس والدين والمهنة
والموطن إلخ». ومن هذا المنطلق يتم تعريف الأساطير التاريخية الشعبية بأنها:
الأحداث على النحو الذي يُظن أنها كانت عليه أو النحو الذي يُظن أنه كان ينبغي أن
تكون عليه. وتحليل الأساطير الشعبية بهذا المنهج يمثل بصفة رئيسية دراسة عن رواتها
وليس عن موضوعاتها، إذ إنه ليس هناك من سبيل للباحث إلى إجراء حوار مع الشخوص التي
تصفها تلك القصص للتحقق من طبائعها، أو مدى صحة ما يعزوه الناس إليها من صفات
وأفعال. ويتطلب هذا المنهج السلوكي البدء من نقطة الحياد النظري، متبرعًا باستقراء
الظواهر، ثم تحليلها ودراسة تفاصيلها، ثم التوصل إلى تكوين الهيكل العام لما هو
مشترك بين تلك الظواهر المتباينة «أي: القاسم المشترك الأعظم». ويختلف هذا المنهج
عن وسيلة البدء بـ«النظرية» التي غالبًا ما تكون إفرنجية الطابع والمنشأ – كما هو
الموقف بشأن نظرية «عقدة أوديب» ثم السعي إلى العثور في ثقافاتنا ومجتمعاتنا على
ما يبرر تبنيها ويسوغ ازدرادها.
. النظرية:
إن البحث المعني
(المنشور عام 1979 في: الدورية «الدولية لسيكولوجية الأسرة») جزء من كل.
وجوهر ذلك الكل
هو أن الحب المثالي بين الرجل والمرأة «الراشدين» عند العرب هو ذلك الحب المنزّه
عن احتياجات الجسد والمتسامي على دوافع الغريزة. ولما كان الزواج -بطبيعته- لا
يُبقي على هذه النظرية، فإن الإنسان العربي يستمر في إجلال وتعظيم الحب الذي لا
تشوبه من دوافع الجنس شائبة، ومن ذلك الحب بين الأخ والأخت، وما يترتب عليه من
ظواهر ثقافية واجتماعية، وأُشير إلى تلك الظواهر بمصطلح متأنيات «أي: أشياء تحدث
في آن واحد، أو متزامنات» وهي كلمات محايدة لا تنطوي على معاني المرض، ولا أشير
إليها باستخدام كلمات: «أعراض»، أو «عقدة» وهي مصطلحات تنم عن السقم النفسي.
وكان بعض القصد
من ذلك البحث هو مجرد لفت نظر علماء النفس العرب إلى عدد من نواحي القصور في
استخدامهم لـ«العوامل الاجتماعية – الثقافية» في دراسات الطب النفسي، والشق الأخير
من عنوان البحث هو: «نظرة نقدية». ولقد حددت عدة نواحٍ لهذا القصور، منها غياب
المعرفة بظاهرة «متأنيات الأخ والأخت» وأوردتها تحت العنوان الفرعي: «الانفصام
فيما بين النظرية السيكولوجية واستنتاجاتها وبين السلوك التعبيري الثقافي...»
ودعوت إلى دراسة الظاهرة دون تنظير مسبق بدلًا من التثبت بالافتراض الفرويدي بشأن
وجود «عقدة أوديب» في المجتمعات العربية، وغني عن الذكر أن الدراسة تكون على أفراد
وجماعات من الأحياء ممن تعكس تخيلاتهم وإبداعاتهم الجوانب المختلفة للظاهرة، وحيث
يكون تقصي طبائع تلك التعبيرات ممكنًا.
والبحث المعني
ينتقد أساسًا الاعتماد على المستورد من النظريات العلمية، دون مراعاة واقعنا
الثقافي والاجتماعي.
ففي المقال موضع
الجدل أنبه إلى أن الاعتقاد بوجود «الجن» جزء من العقيدة وأنه – من هذا المنطلق –
لا يجوز اعتبار من يتعرض لتجارب نفسية منبثقة عن هذا المعتقد الديني معتلًا
نفسيًا، وهو ما ذهبت إليه دراسات عن الطب النفسي في المملكة العربية السعودية
والعراق، حيث تم تشخيص مثل تلك الحالات على أنها «شيزوفرنيا» أي: «فصام» وتُنطق في
الإنجليزية «شيزوفرينيا» (ص 316، فقرة 3). وفي بحث لي سابق بعنوان «الصحة النفسية
في الثقافة الشعبية: دراسة للممارسات الشعبية الوقائية والعلاجية في مصر»
بالإنجليزية، وقد قدمته بناء على دعوة من «المؤتمر العالمي الثالث للطب النفسي
الاجتماعي»، الذي انعقد في مدينة زغرب بيوغوسلافيا 1970، ونشرته دورية: «كاتاليست»
جامعة ترنت كندا خريف 1972 صفحات 13، 28) أخذت على بعض علماء النفس العرب، في
تعليلهم لبعض مسببات الأمراض النفسية وضعهم الاعتقاد بوجود «الجن» على قدم
المساواة مع تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية (ص 28).
. السياق
ولقد ورد ذكر
الإمام الحسين والسيدة زينب رضي الله عنهما والرشيد والعباسة – عرضًا – ضمن أمثلة
متعددة لقوة الرابطة بين الأخ والأخت في سياق تعبيرات الناس عنها في قصصهم
وأغانيهم وأساطيرهم وما شابه ذلك أي: السلوك التعبيري الثقافي، وكذلك لإثبات
امتدادها عبر حقب التاريخ إلى زماننا الراهن، وأنها لا تقتصر على جماعة أو طبقة أو
فئة دون أخرى. والأمثلة المضروبة كلها هي مما لا يدخل في عداد «الدين» أو التاريخ
الرسمي: فعند الاستشهاد بقصة «قابيل وهابيل» وأختيهما أشير قطعًا إلى أنها القصة
«السامية» أي أنها ليست القصة القرآنية – الإسلامية، كما أنني أُقرر أن الإشارة
إلى الإمام الحسين والسيدة زينب رضي الله عنهما هي في دورهما كوليين من أولياء
الله الصالحين، على نحو ما يُدرك الناس تلك الولاية من خلال معتقداتهم وتعبيراتهم
الشعبية «انظر ما يلي». أما الرشيد والعباسة، فالإشارة هي إلى «قصة» تزويج الرشيد
جعفرًا البرمكي العباسة، بشرط هدم البناء بها، وذلك حتى يجوز للرشيد شرعًا – كما
تقول القصة – أن يكون في صحبة من يحبهما (وهما أخته وصديقه) في آن واحد أي ما روى
الناس أنه كان بعض أسباب الوقيعة بين الخليفة هارون الرشيد والبرامكة. ولقد أورد
ابن خلدون القصة كاملة في مقدمته، ونفى إمكانية أن تكون أحداثها قد وقعت فعلًا.
أما بقية
الأمثلة فالإشارات فيها هي إلى ما لا يتعلق بالدين ولا يرتبط بمسائل الجنس ولا
يعرض بأحد من أعيان القوم أو عوامهم، ومن تلك الأمثلة: صيحة الشرف والحرب. وهي:
«أنا أخو فلانة!!!» عند بعض عرب شبه الجزيرة. ومنها أحدوثة شعبية عن أخ وأخت
يتيمين تضحي فيها الأخت منذ الصبا في سبيل تربية أخيها ثم تتحمل ظلم زوجته لها
وافتراءها عليها، ومنها أيضًا حب الخنساء لصخر (إبان الجاهلية).
أما إيراد مثال
إيزيس وأوزوريس فلا ينطوي على اتهام، فإيزيس لم تكن في معتقدات المصريين القدماء
عشيقة لأخيها، بل كانت زوجة له، شأنها في ذلك شأن الزوجة – الأخت لقابيل أو هابيل
في التراث الأدبي والمأثور الشعبي عند الجماعات المتحدثة باللغات السامية وذلك قبل
تحريم الأديان السماوية لتلك الزيجات. ولقد كانت إيزيس بعد مقتل زوجها «أخيها»
غيلة تُعبد كرمز للعفة والترهبن والإخلاص والذود عن اليتيم وحماية حقوقه، إلخ. حتى
عند نساء الإغريق، ويبدو أن هذه الخصال هي التي أدت بالعوام من المصريين في
المراحل الأولى للإسلام إلى إدراك الجديد من الفضيلة في ظل الإسلام على غرار
القديم منها عندهم، فقرنوا عن غير قصد في أساطيرهم الشعبية بين دور إيزيس في حماية
حقوق ابنها حورس في تولي مقاليد الحكم الذي حاول القاتل «سثت أو ست» اغتصابه
لنفسه، ودور السيدة زينب البطولي في كربلاء مع أخيها الشهيد وحمايتها لعلي زين
العابدين رضي الله عنهم أجمعين. ويعتقد العامة في مصر حتى يومنا هذا بوجود ما
يطلقون عليه اسم «الديوان» وهو مجلس لإدارة أمور «المملكة الربانية» على حد قولهم.
والسيدة زينب في
هذا الديوان هي «الرئيسة وتحكم بديدبان» (على حد ما تُقرره أنشودة شعبية)، يساعدها
أخواها الحسين وهو «مملكة» والحسن وهو «سلطان» بهذا الترتيب وبهذه الألقاب.
ومستشاروها هم الأقطاب الأربعة البدوي والرفاعي والجيلاني وينطقونها «الكيلاني»
والدسوقي، ما هو إلا راسب من رواسب الاعتقاد المصري القديم الذي كانت ترأس بمقتضاه
إيزيس وأخوها أوزوريس ديوانًا مماثلًا من الأرباب (انظر: حسن الشامي، قصص مصر
الشعبي، بالإنجليزية شيكاغو 1980، قصة رقم 30 صفحات 150-153 و 278).
وعلى الرغم مما
في هذا المعتقد الشعبي من تمجيد الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه ليس فيه من
تعاليم الإسلام من شيء ولكنه يدل على الكثير من مفاهيم الناس عن الحكم والحكومة.
ومن الجلي لكل ذي عقل سوي أن سياقنا هذا ليس فيه طعن أو تجريح أو إلحاق اتهام
بعقدة أوديبية أو غير أوديبية أو حتى مجرد تلميح جانب جنسي.
أما الاستشهاد
بحالات من الأدب الفردي على غرار ما أبدعه خيال الروائي المصري نجيب محفوظ في
الثلاثية خاصة بين كمال وأخته عائشة، فلا علاقة بالدين لها من قريب أو بعيد.
. دلالة كلمة
«حب» العربية:
يظهر معنى كلمة
«حب» في سياق تلك الأمثلة بجلاء لا لبس فيه أو تأويل، في الموقف الذي كشف عنه وحدد
معالمه كاتب هذه السطور بين شخوص «ثلاثية» نجيب محفوظ، وهي ضمن ما سبق من أمثلة.
فلقد أحب كمال إبان طفولته أخته عائشة وصدم عاطفيًا وهو غلام بمعرفته ليلة زفافها
أن زواجها ينطوي على جانب جنسي بينها وبين زوجها. وإبان مرحلتي شبابه ورجولته فصل
في إدراكه لماهية علاقة الرجل بالمرأة فصلًا حاسمًا بين الحب من ناحية والجنس من
ناحية أخرى، وتكشف دراستي لذلك العمل الأدبي النقاب عن هذه الحقيقة في مقولة نصها:
«لقد فصل كمال بين أنشطته (أي ممارساته) الجنسية وبين حبه الرومانسي «العذري»
فصلًا تامًا، وكان الزواج عنده مرتبطًا بالإنتاج والعمل، في حين أن الحب لم يكن له
أية صلة بالزواج (والجنس)».
راجع: حسن
الشامي البنية التقليدية للوجدان في "ثلاثية نجيب محفوظ" بالإنجليزية في
دورية "العربية، دورية الرابطة الأمريكية للمدرسين – العربية المجلد 9 أكتوبر
1979 صفحات 53-74 انظر ص 66.
وعلى هذه الأسس
من براهين التنصيص وقرائن السياق، لا يكون «الحب» في البحث المعني هو ذلك النوع
الذي تفتقت عنه القريحة المريضة عند المصدر الذي جاء بالفرية وضلل بها الغير وبثها
على ألسنتهم إذ ذهب إلى أنه هو الحب الجنسي أو الشهواني الذي يخرج عن إطار
العلاقات الأخوية (القبس 6 ديسمبر 1987) ونزع إلى أنه هو «العلاقات الغرامية»
(«المجتمع» 10 ديسمبر 1987، صفحة 1 فقرة 3 سطور 15 راجع تعليقي: «رد على مقال»
«المجتمع» 9 فبراير 1988).
ولقد اقترحت دور
ممارسات اجتماعية محددة وخاصة فيما يتعلق بتربية الأطفال وتنشئتهم كعامل أساسي في
منشأ مع التأكيد هنا على مفهوم: «منشأ» هذه الرابطة ومتأذياتها في مراحل الطفولة
عند الناس. ووصف الحب المثالي بين الرجل والمرأة وليس بين الطفل والطفلة، بأنه
«متسامٍ» و«منزه» عن احتياجات الجسد، لا ينسحب تلقائيًا على الانفعالات والمشاعر
الوجدانية عند الأطفال في مراحل تكوينهم النفسي والجسماني المبكرة تحت ظروف
اجتماعية وثقافية معينة، فإن وجدت ممارسات محددة في مجتمع يكون لها نتائج معينة،
وإن لم توجد لم تقم لتلك النتائج قائمة وإن وجدت ثم تلاشت، تلاشت معها نتائجها
(متأنياتها أو متزامناتها). وتختلف هذه النظرة اختلافًا جذريًا عن نظرية فرويد
بشأن العقدة الأوديبية إذ إنه قد ذهب إلى أنها جنسية بحتة، وأنها تورث وتُورَّث
شأنها في ذلك شأن المميزات الحيوية للإنسان، وأنها بذلك تكون سمة من سمات البنية
السيكولوجية لكل إنسان مهما كان دينه أو مجتمعه أو عنصره... إلخ. راجع بحثي
بعنوان: «التحليل النفسي والفلكلور» «المجلة» القاهرة عدد رقم 117 سبتمبر 1966
صفحات 33-141، راجع أيضًا بحثي «اللاشعور الجمعي والفلكلور» المصدر السابق عدد رقم
126 يونيو 1967 صفحات 21-29.
والنظرة
الإسلامية هي أن المرء يولد على «الفطرة» ثم تهذبه تعاليم الدين والأخلاق والأعراف
الاجتماعية. ولو لم تكن هناك إمكانية (أي من الناحية الجدلية، ولذلك لا أقول
احتمال) التفكير في هذا الشأن أو الوسوسة به لما نزل فيه التحريم بقوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ (النساء:
23) فإمكانية ورود الوسوسة عند البعض وإن كانوا قلة – قائمة ولذلك يأتي الإسلام
بما يهذب ويصلح من نوازع النفس البشرية.
وهكذا ترى أن
تأثير هذه المعتقدات الشعبية لا يقتصر على تشكيل وإضفاء صيغة سيكولوجية معينة على
الإبداع الأدبي والفني، بل يتعدى ذلك إلى إدراك بعض الجوانب التي تلتحق بالدين
وبالتاريخ، فإذا ما تمكن الدارسون عن طريق استقراء الظواهر الثقافية وما واكبها من
التعرف على تلك العوامل أمكنهم التعرف على القوى الثقافية والاجتماعية
والسيكولوجية التي تحكم نشأتها واستمرارها وسيطرتها على سلوك قطاع عريض من البشر،
ومن ثم معالجتها طبقًا لما تقتضيه مواقف الصحة النفسية والاعتلال، أو ما تقتضيه
مواقف الامتثال لتعاليم الدين أو الحيد عنها.
ولا يتم ذلك إلا
بمعرفتنا أنفسنا على ما هي عليه وتحرير عقولنا من استرقاقنا لها بأصفاد «النظريات»
الدخيلة، تلكم هي النظرية، وذلك هو السياق الذي ورد فيه ذكر الشخصيات المعنية.
. خاتمة:
إن اتهامي
بالقدح في الدين ورجالات الدعوة إليه على نحو ما جرى – بغير حق – من تلفيق وتزييف
وتضليل وجهالة واستثارة واستعداء ليتنافى مع سبل الإسلام وأخلاقياته كما أن فيه
إهدارًا لطاقات الدارسين والمسؤولين، وتشويشًا على أجهزة الأمن يصرف الأنظار عما
قد يُحيق بالأمة من خطر حقيقي.
وإني لأحمد الله
أن ما زال بيننا من يسعون قبل أن يصيبوا قومًا بجهالة إلى التبين على نحو ما تساءل
حكيم إذا ما كان قميص يوسف عليه السلام قد ﴿قُدَّ من دُبُر﴾ أو ﴿قُدَّ من قُبُل﴾
ومن لا تأخذهم العزة بالإثم، ومن يعملون بقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ ومن
يسعون إلى البناء بالاجتهاد الشريف، ومن يتعاونون على البر والتقوى، وليس على
الإثم والعدوان.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته. د. حسن الشامي أستاذ ميادين الفلكلور وعلم النفس، الفلكلور
النظري ومناهج البحث، علم الطراز والفهرسة الإلكترونية إلخ أستاذ دراسات الشرق
الأوسط، أستاذ الدراسات الإفريقية جامعة إنديانا: الولايات المتحدة.