العنوان ما موقف العلماء أصحاب البيان من تصريح وزير الداخلية المصري؟
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 102
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 31-يناير-1989
شباب الإخوان خط الهجوم الأول في وجه المساعي الدولية لتذويب الذات
العربية والإسلامية
شن وزير الداخلية المصري اللواء زكي بدر هجومًا
عنيفًا على جماعة الإخوان المسلمين في مصر واصفًا لها بالضلال وتقصد الفتنة والنيل
من أمن واستقرار المجتمع المصري وكان وزير الداخلية يتكلم أمام جمعية الصداقة
المصرية النمساوية في الأسبوع الماضي وأضاف في كلمته ذات الطابع القمعي أنه من
الخطأ التعامل بالحوار مع الجماعات الإسلامية ومن يستحق الحوار فله من يحاوره أما
أنا فحواري مع «أصحاب السلاح» لن يكون إلا بالسلاح ولن أحيد عن هذا المبدأ واتهم
الجماعات الإسلامية بأنها تحاول السيطرة على كافة الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والسيطرة على النقابات المهنية و «الشباب المنحط» ووسائل الإعلام والبرلمان تحسبًا
لساعة الصفر وحينئذ يكون الشعب قد تحول إلى جماعات متطرفة وأضاف في اتهاماته
قائلًا إن أنظمة ذوي العقول المريضة والنفوس المتعبة تستأجر منظمات دولية لتأدية
مهام الإرهاب والتخريب وتدفع لها مبالغ طائلة لتعيث في الأرض فسادًا وبشأن التطرف
ذكر اللواء بدر على سبيل المثال الإخوان المسلمين وهم ليسوا بمسلمين.
لكنهم سموا أنفسهم هكذا مفترين على الدين
الإسلامي وهو منهم بريء لأنهم خارجون على الإسلام وعلى كل الأديان يا سبحان الله
هكذا يكون الإرهاب والفتاوى بالحجم الرسمي.
ومضى الوزير في هجومه وفتاويه قائلا: «فالإخوان
المسلمين فئة ضالة لا تعرف الله ولا الرسول -صلى الله عليه وسلم- والشيخ حسن البنا
مؤسس هذه الجماعة كان معه فريق سري يعمل بالإكراه وقوة السلاح والعنف بهدف الوصول
إلى الحكم لأهداف سياسية وليست دينية وقال أيضًا: إنهم ارتكبوا جرائم متعددة منها
قتل النقراشي باشا وقضية الفنية العسكرية وقتل الرئيس السادات ولم ينس اللواء
الوزير أن يعتز بالديمقراطية ويذكر الحاضرين قائلًا: ولا جدال أن الديمقراطية
والنظام السياسي الذي نعيشه الآن نعتز به ونحافظ عليه» واختتم هجومه مكررًا «ولكني
أقول لأحزاب المعارضة لن تصلوا للحكم سواء بالطريق المشروع أو غير المشروع لأن
الشعب لا يؤيدكم ولأن مبادئكم لن توصلكم لأي مرحلة وعودوا إلى رشدكم فبلدكم أولى
بكم ولا داعي للتخريب أو عرقلة مسيرة هذا البلد»
«وهكذا تكون الديمقراطية وإلا بلاش»
وللقارئ أن يلاحظ كيف يطلق اللواء زكي بدر الاتهامات والفتاوى وتجاوز الموضوعية
التاريخية لدعوة الإخوان التي زكتها الشعوب الإسلامية في جميع أنحاء العالم.
الإخوان
والداخلية
على مدى الفترة التي أعقبت ثورة الجيش في ١٩٥٢
كانت علاقة التضاد سائدة بين وزارة الداخلية وجماعة الإخوان المسلمين مع ملاحظة أن
النظام اعترته تغيرات واسعة تبعتها تبدلات في طبيعة التصورات والتوجهات السياسية
إلا أن السياسة التي انتهجتها وزارة الداخلية ووزراء الداخلية كانت تقريبًا ثابتة
دونما تغيير جذري تجاه الحركة الإسلامية عمومًا وبالتحديد فقد تولى وزارة الداخلية
في نهاية الحقبة الناصرية ستة وزراء ينتمون دونما استثناء إلى تنظيم «الطليعة
الثورية» و «هيئة التحرير القومي» كما أنهم يحملون لقب عسكري برتبة لواء وكانت
أكبر قضاياهم تبدأ دائمًا بمشكلة العمل الإسلامي الحركي وربما الذي لا ينطبق عليه
ذلك بكماله هو اللواء أحمد رشدي الوزير السابق للداخلية والذي كان يرى أولوية
الإشكالات الأمنية تتعلق بقضية المخدرات والتي أفقدته منصبه فيما بعد. وتنظيم
الطليعة الثورية أو هيئة التحرير القومي التي تضم جمهرة أركان العمل السياسي على
مدى المرحلة السابقة هي الترياق النشط ضد الحركة الإسلامية كما أنهم لا يؤمنون
بالدور السياسي للإسلام، وفي سبيل تمثل فكرتهم العلمانية تلك كانت أجهزة وزارة
الداخلية باستمرار ترى أن قضيتها الأساسية مع الجماعات الإسلامية ووزارة الداخلية
كان بإمكانها أن تحدد خطوات المعالجة للمعضلة الأمنية التي ترى أولويتها وفقًا
للصالح العام ودونما إثارة لإشكالات جانبية ولكن الواقع كان مخالفًا لتوجيه الصالح
العام فالإخوان المسلمون مثلًا ومن خلال مواقفهم الثابتة واستقراء أدبياتهم لا
يؤمنون بالإرهاب ولا يمارسون العنف بل إنهم حاربوا كل صور التطرف الفكري والغلو
السلوكي وهم في ذلك يعبرون عن وسطية الإسلام التي تأبى الإفراط وتجافي الميل عن
الحق وهي قضية مبدئية يدينون بها قربة لله تعالى ولو عدلت أجهزة وزارة الداخلية
لناصرت دعوة الإخوان دونما تردد نظرًا لما طرحته دعوتهم وبشرت به طيلة الخمسين
عامًا الماضية وفي جميع مجالات الحياة فالدعوة التي تعصم الشباب عن الانحراف
الفكري والعقائدي والتي ترشد سلوكهم من الارتماء في أحضان الحرام والارتهان
للشهوات أجدر بأن ترعى من قبل الدولة لا أن تسلط عليها شتائم ألوية الوزارة كما
عبر عن نفسيتها أخيرًا اللواء زكي بدر ودعوة الإخوان هي الحصانة الباقية في نفسية
الشعب المصري ضد التردي والإحباط الذي شرخ النفس والعقل العربي المسلم عقب هيمنة
الفكرة الغربية ولمصر أن تفتخر بأنها أنجبت الدعوة التي أضاءت في كل العالم
الإسلامي وأحدثت حركتها وعيًا جماهيريًا يحض على تأكيد الأصالة الإسلامية في حركة
النمو الحضاري وفي حدود مصر فإن الإخوان وشباب الإخوان يبقون خط الهجوم الأول في
وجه المساعي الدولية لتذويب الذات العربية والإسلامية وتحطيم المستقبل المصري على
وجه الخصوص.
الأمن
المخترق
أشار اللواء زكي بدر في اتهاماته لجماعة الإخوان
المسلمون «بأنهم يستأجرون منظمات دولية لتأدية مهام الإرهاب والتخريب وتدفع لهم
مبالغ طائلة» بالرغم من أننا لن نطالب وزير الداخلية بإثبات واقعة واحدة تدلل
على ما ذكره لأن ضخامة قاموس الافتراء تمنعنا من طلب الأدلة إلا أننا ننبه بأن
خطورة هؤلاء تتضاءل أمام الاختراقات الأمنية التي اتخذت من المجتمع المصري هدفًا
لها وأبسط هذه الاختراقات «قضية المخدرات» تلك المحرقة المنظمة بواسطة شبكات
عالمية واسعة النفوذ مستهدفة الشباب المصري والإشارة إلى المبلغ الذي يتجاوز ١٠
مليار دولار تكفي للدلالة على أن الدمار ليس عملًا محليًا وقد نشرت مجلة روز اليوسف
تقول بأن ثلث طلاب الجامعات مدمنون أليست هذه معركة مصر اليوم؟ أم أن اللواء يرى
أن هدم مستقبل مصر لا يكون إلا بالقضاء على الفضيلة والاستعلاء الذي ينميه الإخوان
في الجماهير المصرية؟ ووزارة الداخلية وهي ترعى أمن المجتمع المصري لا بد أن تلاحظ
أن القضية الأمنية كل لا يتجزأ وأن الخلل في الاستنامة للمخططات والأطماع الخارجية
أخطر بكثير من الانكفاء على مطاردة الاجتهادات الفكرية والاصطراع على من الذي يحكم
إن أعداء مصر الحقيقيين هم أولئك الذين يرفضون نهضتها وبناء ذاتها في أصالة فكرية
إسلامية وهم يعلمون خطر الاتجاه الإسلامي بدءًا من الكيان الصهيوني الذي زرعته
الصليبية الدولية واليهودية ليطمس معالم المنطقة الإسلامية وليشل حركتها من
التواصل بين جذورها الإسلامية وتطلعاتها في التحرر وبناء الحضارة وهؤلاء لهم مخطط
مدروس ويدعم تأمرهم ذاك أرتال من جيش الطابور الخامس الوافد باسم العمل العلمي
المشترك في معاهد روكفلر والبنوك الغربية والجامعة الأمريكية ومعاهدها وهو اختراق
خطير يبث نتائجه المسمومة في العقل المصري ويكون مخططاته وفقًا لدراسات اجتماعية
وعلمية عميقة وهنا تبدأ رحلة المعارك الانصرافية التي تتبناها الأجهزة والمؤسسات الرسمية
وتأتي وزارة الداخلية لتضفي عليها سلطانها العسكري الصارم. وأما المعركة مع
الجماعات الإسلامية فهي ليست معركة من ذلك النوع وإنما هي معركة الوجود الغربي
نفسه ولهذا السبب تجد الغرب يصب جام غضبه على التطورات الإسلامية في مصر ويحذر
باستمرار من تنامي الحركة الإسلامية ولعل الهجوم الذي شنته الصحافة الغربية على
شركات توظيف الأموال والتحذير الأمريكي من سقوط الاقتصاد المصري في يد الحركة
الإسلامية أوضح الأدلة وهنا ينبغي على أجهزة وزارة الداخلية أن تعي طبيعة المعركة
التي ظلت تحارب خارج أرضيتها.
بيان
العلماء
في وقت سابق من الشهر الجاري أصدر الأزهر بيانًا
تعرض فيه بالانتقاد لبعض الجماعات الإسلامية كما أنه نوه بجهود الحكومة في مجال
رعاية الدعوة الإسلامية وتمكينها حتى تحقق أهدافها كما أيد الأعذار التي تبديها
الحكومة تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية ونسب بيان العلماء إلى الظروف القائمة
مسؤولية إرجاء التطبيق وبيان العلماء جزء من المسؤولية التي يتحملونها تجاه الدين
وإن كنا نختلف معهم على مضامينه إلا أننا نتقبله في إطار حرية الاجتهاد وبالمثل
فإننا نرى واجبًا على العلماء ومن نفس المنطلق أن يؤدوا مسؤوليتهم تجاه الإرهاب
الرسمي الذي مارسه وزير الداخلية اللواء زكي بدر بدءًا من فتاويه التي ترفض أبسط
قواعد الدين الإسلامي حين يطلق ألفاظ الكفر على الإخوان المسلمين ووصفهم بأنهم فئة
ضالة لا تعرف الله ولا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو «أنهم خارجون
على كل الأديان» والإرهاب والعنف والتطرف المنظم هو الذي دفع بوزارة الداخلية إلى
اعتقال أكثر من ٦٠٠ شاب من خيرة شباب مصر وإيداعهم في السجون في الربع الأخير من
السنة الماضية ففي 9 ديسمبر المنصرم اعتقلت أجهزة الأمن أكثر من ۳۰۰ شاب كما
اعتقل ۱۸۵ من طلاب
عين شمس وبعد كل هذا لا بد أن يطل صوت الأزهر من جديد ليقول كلمته تجاه «تطرف»
وزير الداخلية وإلا فإن قضية المسؤولية الدينية رهينة فقط برضاء الحاكم وغضبه وهو
ما يتنافى تمامًا ومسؤولية العالم أمام الله كما أن الواجب الديني يفرض عليهم أن
يردوا قالة الكفر تلك التي أراد زكي بدر أن يلحقها بجماعة الإخوان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل