العنوان ما هكذا النقاش..!
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مشاهدات 83
نشر في العدد 422
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
ما إن أعلن وزير الدولة للشئون القانونية أنه قد أعدت مشروعات القوانين الجديدة ومنها مشروع القانون الجزائي «العقوبات» حتى انطلقت أقلام تنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور من تطبيق بعض الأحكام الشرعية على مرتكبي أفحش الجرائم من هتك الأعراض وسلب الأموال وإفساد العقول، وخرجت بعض الصحف بالعناوين الضخمة.. لا قطع. لا جلد، لا رجم إلى أخر اللاءات وإلى أخر العناوين المثيرة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن أصحاب هذه الأقلام مندفعون وراء هوى جامح، وأنهم لم يقلبوا الأمر على وجوهه ليخرجوا بحكم صحيح أو قريب من الصحة.
وإن من ينظر إلى ما كتب هؤلاء يتصور أن الإسلام جاء بسيف مصلت على الرقاب وسكين حادة تقطع الأيدي وسياط تلهب الظهور ونسي هؤلاء وأولئك أن الإسلام دين رحمة قبل كل شيء وأن الرحمة _كل الرحمة_ هي حماية المجتمع من الفساد الذي يقضي على العزة و الكرامة في الأمة وأن الإسلام جاء لحماية الأنفس والأعراض والعقول والأموال، وأنه كما جاء بالترغيب جاء كذلك بالترهيب فإن من النفوس ما لا يردعها إلا عقوبة زاجره، وإنه ما شرع عقوبة إلا شدد في طرق إثباتها حتى لا يقع الحد إلا على من يستحقه.. فجريمة الزنى _مثلا_ لا تثبت إلا بإقرار صادر عن رضا واختيار واكتمال الأهلية وهذا النوع من الإقرار لا يقدم عليه إلا شخص استحيا من الله كل الحياء و استعذب عذاب الدنيا دون عذاب الأخرة فكيف نضن عليه بهذه التوبة النصوح؟!
وإما بشهادة أربعة رجال عدول زكاهم المجتمع سرًا وعلانية يشهدون أنهم رأوا هذه الجريمة رؤية حقيقية لا شبهة فيها.
ومن يرتكب مثل هذه الفاحشة على هذا الوجه من الجهر والإعلان لهو إنسان يجب القضاء عليه في هذا المجتمع، لأنه يريد أن ينشر الفساد ويهتك الأعراض من غير حياء ولا خجل..
فهل هؤلاء الذين يعارضون حكم الله يريدون أن يصل المجتمع الكويتي إلى أن ترتكب فيه الفاحشة بهذه العلانية المخجلة، أم يريدون أن يصير المجتمع الإنساني مجتمعًا حيوانيًا لا يعرف قانون الحياة؟!
وأما جريمة السرقة فقد وضع الشارع قيودًا دقيقة وشروطًا لإقامة الحد على من يرتكبها وإن القول بأن في السجون ما يردع أمثال هؤلاء المجرمين قول عار عن الصحة، فليست السجون _كما يقولون_ مكانًا للتأديب والتهذيب، بل _كما يقول الواقع_ مكان للتدريب علي الجرائم والتفنن في أساليب الجريمة ويخرج منها من يخرج أستاذًا في التفنن في هذه الجرائم.
كم يد ستقطع؟ إن يدًا واحدة تقطع سيكون أثرها في إرهاب المجرمين أعظم من عشرات السجون التي يأوي إليها المجرمون.
واليد السارقة ليست يد إنتاج وتعمير بل هي يد تخريب وتدمير وكان على أصحاب هذه الأقلام أن تأخذهم الشفقة والرأفة على من سلبت أموالهم وهم في أشد الحاجة إليها.. فكم من بيت دمرته سرقة واحدة وكم من شخص ضاع مستقبله ومستقبل أولاده إذ سُرق مرتبه الذي يعيش عليه هو وأسرته. ثم ما رأي هؤلاء المتباكين على منتهكي الأعراض وسارقي الأموال فيما لو وقعت هذه الجرائم عليهم وعلى أسرهم.. هل يبقون على هذا التباكي أم ينقبلون أعداء لهؤلاء المجرمين؟!
إن الأمر أخطر مما تظنون فإن هذه الأحكام ليست صادرة من بشر يصيب ويخطيء. ولكن هذه الأحكام _في جملتها_ صادرة من الله سبحانه وتعالى الذي لا يريد لنا إلا اليسر ولا يريد بنا العسر ومعنى معارضتها بالصورة التي نراها في بعض الصحف _رد لحكم الله، ومعارضة لما حسن الله، ورفض لألوهية الله _جل شأنه_ لأنه لا معنى للألوهية إلا أن يكون له الحكم وحدة لا يشاركه فيه مشارك. لأن حكمه لا يخضع لهوى أحد وإنما هو الحكمة العليا والخير العميم ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (سورة المائدة: 49-50).
ومن هؤلاء من يحاول التستر بثياب الغيرة على الدين ليحارب الدين في أهم ما جاء به وهو التحاكم إلى الله فيما يشجر بيننا من خلاف متذرعين بقضية ظاهرها الغيرة وباطنها الخوف من إقامة أحكام الله تعالى مكان القوانين المستجلبة من هنا وهناك فيقولون: هيئوا المجتمع _أولًا_ لتطبيق الشريعة، كأن المجتمع الكويتي غير مهيأ لتنفيذ أحكام الله تعالى وكأن بينه وبين أحكام الله عداوة يراد إزالتها أولًا.. فهل هذا صحيح؟
الحق أن المجتمع الكويتي _إذا استثنينا قلة قليلة خرجت عن خطه وعن تقاليده_ مجتمع متشوق غاية الاشتياق إلى تطبيق أحكام الله تعالى والعودة إلى حظيرة الإسلام سلوكًا وتشريعًا. وهل وجود بعض المنحرفين يجعلنا نحكم على المجتمع كله بأنه غير مهيأ لتطبيق أحكام الله تعالى. أليس من الخير أن يسير التهذيب الروحي بوسائل الإقناع والترغيب، بجانب الترهيب لمن يحاول إنتهاك حرمات هذا المجتمع؟
وهناك من يتباكى على الحرية معلنًا إن تطببق أحكام الله تعالى في الخارجين على شريعته فيه حجر على الحريات وليت شعري.. كم للحرية، من ضحايا.. وكم لأعياد الحرية من جرائم يستفيد مها كل من اطلع عليها، حتى الشياطين! فهل من الحرية أن تطلق الغرائز الجنسية في انتهاك الأعراض وسلب الأموال وإفساد العقول؟
رجوعًا أيتها الأقلام إلى منطق العقل.. ورجوعًا أيتها الأقلام إلى شيء من إنصاف المظلومين.. ورجوعًا أيتها الأقلام إلى التثبت قبل أن تطلقوا السهام المسمومة..
وقد كان الأجدر بكم أن تدرسوا هذه المشروعات بنظرات إسلامية يحرص فيها على تطبيق حكم الله تطبيقًا صحيحًا لا تدخل فيه الأهواء، ولا ينتقص فيها حكم واجب الامتثال. وأن تنبهوا المسئولين إلى هذه الثغرات ليسدوها قبل أن تصبح هذه المشروعات قوانين التنفيذ واجبة التنفيذ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ﴾ (سورة النور: 51-52).
وليس بعد حكم الله حكم، ولا رأي للمخلوق فيما قضى الله ورسوله ونقل بنصوص قطعية الثبوت والدلالة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (سورةالأحزاب: 36). ونعوذ بالله من الضلال والإضلال، وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل.
يقوم الشيخ سعد العبدالله الصباح ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بجولة رسمية يزور فيها المملكة العربية السعودية ودول الخليج العمل للتباحث في الشؤون الخليجية والبحث في أساليب التعاون بين دول المنطقة، ويرافق الشيخ سعد العبدالله في جولته الخليجية بعثة رسمية وإعلامية كبيرة.
هذا ولا زال الشخ سعد العبدالله يواصل مباحثاته مع أشقائه السعوديين لحين كتابة هذه الكلمات و «المجتمع» ترجو أن تثمر هذه المباحثات في إشاعة جو من التعاون السياسي والاقتصادي والتربوي بين دول الجزيره والخليج في سبيل حماية المنطقة من المؤثرات السياسية الخارجية ومن ضياع ثرواتها النفطية وغيرها ومن الغزوات الفكرية الشرقي منها والغربي لضمان مستقبل أفضل لأبناء الجزيرة والخليج يكون الإسلام وتعاليمه هو الأساس الراسخ المتين لذلك المستقبل الأفضل . ولعل إقرار حكومه الكويت لمشروع قانون العقوبات الإسلامي وما يؤمل منها لاتخاذ خطوات جدية في سبيل اعتماد أحكام الشريعة في باقي أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية قبيل زيارة الشيخ سعد العبدالله ما ينبيء عن نتائج طيبة لتلك الزيارة.