العنوان ما وراء الأحداث في السودان
الكاتب محمد اليقظان
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
مشاهدات 51
نشر في العدد 736
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
الأحداث التي
يشهدها السودان أحداث ساخنة تنبأنا بها في تحليلنا للأوضاع هناك تحت عنوان «ما يهب
على السودان ريح طيبة أم إعصار فيه نار؟»
يبدو للمراقب
الحصيف أن خيطًا رفيعًا واحدًا يربط بين كل هذه الأحداث التي تشهدها بلاد المسلمين
في كل الأرض ولا سيما المنطقة العربية. فمن الذي يمسك هذا الخيط من وراء ستار؟ ومن
الذي يحرك قطع الشطرنج ويشعل في كل مكان النار؟
للإجابة عن هذه
الأسئلة علينا أن نبدأ مع أحداث السودان المسيرة من بدايتها لنعرف بوضوح أن الكيد
والمكر لهذه الأمة لن ينتهي بسهولة ويسر، وإن الأمر ليس كما يتصوره اللاهون
الغافلون.
سوار الذهب
يتهم:
في أول محرم
خاطب الفريق أول سوار الذهب رئيس المجلس الانتقالي المهرجان السنوي للقرآن الكريم
بمدينة أم درمان العاصمة الثانية للسودان. ولاحظ المراقبون ولأول مرة أن الفريق
أول سوار الذهب يبدو عليه الحزم والجدية والانفعال.
تحدث الرجل
أولًا عن معاني القرآن ومبادئه وأوضح أن كتاب الله لا يتلى تسلية أو نفاقًا، إنما
يتلى للإيمان به والعمل بما جاء فيه وتطبيق تشريعاته.
وفي سياق حديثه
حمل على المثقفين بثقافة الكفار من أبناء البلاد، فقال: إن عقدة المثقفين الذين
رباهم الغرب والصليبيون أنهم يخافون من الإسلام وخوفهم هذا ناتج عن جهل فاضح
بالإسلام وتعاليمه، وأضاف الفريق سوار الذهب قائلًا: إن الأمة لا يمكن لها أن
تتوحد وتصحو من كبوتها وتطرد الهزيمة النفسية التي تجتاحها وتدمر القوى المتربصة
بها من كل جانب إلا إذا رجعت إلى أصولها وهي هذا الدين والاستعلاء بالإيمان ورفع
يده عاليًا.
ثم عرج الفريق
أول سوار الذهب في الخطاب نفسه إلى الحديث عن الأوضاع الداخلية، فتحدث عن
المؤامرات التي تحاك في خفاء ضد السودان وأمنه ووحدة ترابه، وأكد أن المؤامرات
تحاك من الداخل والخارج، وطالب الأمة أن تتوحد لمجابهة هذه المؤامرات ودرء
الأخطار، ولا سيما تلك التي يتعرض لها جنوب البلاد وأشار بيده في تجاه الجنوب.
ولا شك أن رئيس
المجلس العسكري ملم بأبعاد المؤامرة ومن هم وراءها. وفسر قوله بأنه يعني
بالمتآمرين في الداخل، التجمع اليساري الذي يسمى بالتجمع النقابي والذي وقع فريسة
تحت سيطرة اليسار الروسي واليسار الأمريكي. اليسار الأمريكي يقوده أشتات التجمع
وعلى رأسهم السيد أمين مكي مدني وزير الطاقة واليسار الروسي يقوده سكرتير الحزب
الشيوعي نقد، وممثلهم في الوزارة هو السيد وزير الإعلام الذي حول أجهزة الإعلام في
السودان بوقًا للادينيين.
وزير الدفاع
يتهم:
ولعلنا جميعًا
نذكر ما تناقلته وكالات الأنباء والصحف من تصريحات خطيرة للواء عثمان عبد الله
محمد وزير الدفاع. فقد أكد السيد الوزير أن السلطات قد وضعت يدها على وثائق
ومستندات تؤكد أن جهات في الداخل والخارج تدبر مؤامرة لتخريب مؤسسات في العاصمة،
والقيام باغتيال بعض القادة السياسيين الشماليين حتى تتزامن هذه الأحداث في
العاصمة مع تصعيد للعمليات العسكرية لجون قرنق في الجنوب، وأوضح أن الهدف من خلق
هذه الاضطرابات هو نشر الفوضى للتمكن من الاستيلاء على السلطة في الخرطوم. وأشار
بوضوح وجود قوى سياسية في الشمال تؤيد توجهات قرنق والمتآمرين معه.
خديعة قرنق:
أعلن العقيد
الشيوعي الصليبي الإرهابي جون قرنق من مقر إقامته في أديس أبابا بالحبشة أنه يريد
إرسال رسالة مهمة للمجلس العسكري في الخرطوم عن طريق مدينة الناصر، وطلب الأمان
بألا يتعرض رسوله لأذى يصيبه، فمنحت القيادة الأمان ولكن أنى لإرهابي ضليع أن
يلتزم بالعهد؟
استغل جون قرنق
وقف إطلاق النار من جانب واحد لكي يعزز موقفه العسكري في مدينة الناصر وبور ويورل،
وحاصر المدن الثلاث واشتبك في قتال عنيف مع قوات الحكومة هناك، وقام رجاله بمذابح
بشعة لا نستغربها من الصليبيين والشيوعيين الذين لا يراعون في مؤمن عهدًا ولا ذمة.
ورسالته التي
سلمت في الناصر في ظروف الغدر والخداع بثت إلى القيادة العامة باللاسلكي لاستحالة
إرسالها لظروف القتال هناك، واتضحت أن الرسالة موجهة إلى رئيس الوزراء فقط
ومضمونها أغرب من الخيال، فبم طالبت الرسالة؟
طالبت بحل
المجلس العسكري الانتقالي وطرد رئيس الوزراء وحل مجلس الوزراء، وتكوين حكومة من
النقابات والتجمع والجبهات التقدمية وطالبت الرسالة بتخصيص منصب سياسي لقرنق
وترقيته حسب أقدميته العسكرية واستيعاب قواته في القوات النظامية على أن تصرف لهم
مرتبات بأثر رجعي منذ بداية التمرد، وشملت شروط الرسالة إلغاء الشريعة الإسلامية
واتفاقية أديس أبابا.
وفضحت الرسالة
وما واكبتها من مذابح وتهجير لسكان المدن المحاصرة جون قرنق وتطلعاته المنحصرة في
المناصب والمكاسب الشخصية وفضحت تلك القوى الشريرة في الشمال التي تصف أعمال قاطع
الطريق الإرهابي جون قرنق بأنها أعمال مناضلين شرفاء!! وأعجب من ذلك موقف بعض
الصحف الخليجية التي تفتح صفحاتها لمثل هؤلاء العملاء الذين يتعاطفون مع الإرهابي
الذي يريد محو الوجود العربي المسلم في السودان لتخلو إفريقيا كلها للصليبية
والصهيونية، أما الصحيفة التي عرفت أبعاد المؤامرة فهي صحيفة «الراية» القطرية
التي اتسمت تحقيقاتها وتعليقاتها بالموضوعية وأشارت بوضوح أن الوجود العربي
الإسلامي هو الهدف الحقيقي لجون قرنق ومن معه.
بیان القيادة
العامة:
أصدرت القيادة
العامة للقوات المسلحة بيانًا إضافيًا حول الأحداث التي تتعرض لها البلاد من جراء
ممارسات العميل جون قرنق ولأول مرة يصف البيان قائد المتمردين بأنه عميل مأجور لا
يريد للسودان وأهله خيرًا، واتهم البيان دولًا أجنبية ضالعة في المؤامرة مع
العميل، ويجد قرنق من يعينها ويعاونها من الشماليين الذين يتلقون تعليماتهم من
خارج البلاد كزميلهم قرنق.
بعد بيان
القيادة العامة الذي وضع المواطنين أمام مسئولياتهم التاريخية إزاء المجازر وحرق
القرى والمدن من أطراف عميلة كتبت الصحف القومية والوطنية عما يجري في جنوب
السودان على يد الإرهابي قرنق، وطالبت الصحف بتسليح الأهالي لكيلا تكون فتنة ويكون
الأمن والأمان. وطالبت الصحف الوطنية القوات المسلحة بالحزم والحسم مع الفئة
الباغية.
أحداث الخميس
الدامية:
تفاصيل أحداث
الخميس الدامية معروفة للجميع، وكانت تصريحات السيد وزير الدفاع اللواء عثمان عبد
الله التي أدلى بها قبل وقوع تلك الأحداث تشير إلى أن مخططًا خفيًا يجري إعداده
للاستيلاء على الساحة من فئات معينة مستعينة بأحداث الجنوب وبافتعال قلاقل في
الخرطوم باغتيال بعض القادة السياسيين، ولما يمض على هذا التصريح أسبوع حتى نفذ
المتآمرون خطتهم، ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا.
اعترافات
المتهمين الذين تم القبض عليهم أشارت من أول وهلة أن الأب فليب عباس غبوش متورط في
الجريمة فمن هو فليب هذا؟ يمثل بأي السودان!!
هو أحد أبناء
جبال النوبة في غرب السودان وتنصر الرجل وهو طفل صغير على يد رجال الكنائس حيث كان
لهم نشاط وافر في هذه المنطقة من البلاد، لأنها كالجنوب كانت مهملة من قبل الإدارة
الإنجليزية عن قصد، فكان أن اعتنق كثير من سكانها النصرانية وظل البعض على
الوثنية، ولكن غالبية سكان جبال النوبة من المسلمين بفضل جهود دعاة المسلمين
الذاتية أيام الاستعمار وبعد الاستقلال.
الأب فليب غبوش
رجل يجري في عروقه الدم الصليبي واستطاع أن يصل إلى مجلس النواب عام ٦٥ و ٦٨، وكشف
نفسه صراحة إبان هزيمة العرب عام ٦٧ حيث وقف في البرلمان يعلن معارضته لإعلان
السودان حالة الحرب ضد إسرائيل، وقال: إن هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.. ومنذ
ذلك الوقت وهو يدعو إلى تحريض أبناء جبال النوبة ضد العرب والمسلمين من خلال حزبه
الذي شكله آنذاك باسم اتحاد جبال النوبة.
بعد انقلاب مايو
فر الأب فليب إلى الخارج واحتمى بالكنائس العالمية، وزار إسرائيل عدة مرات وأقام
فيها، ورجع إلى السودان بعد المصالحة الوطنية، إلا أنه لم يكف عن نشاطه التخريبي.
ففي ديسمبر ١٩٨٤ اكتشفت مؤامرة دبرها هو مع المسيحيين لإغراق الخرطوم بالدماء
والاستيلاء على السلطة فاعتقل وقدم للمحاكمة، ولكن الحاكم السابق نميري فجأة وبدون
مقدمات أعلن عفوًا عنه في يناير الماضي، وقيل يومها إن الحاكم قد رضخ لضغوط
خارجية.
واتضح من
اعترافات العناصر المشتركة في المؤامرة أن جون قرنق قائد المتمردين في الجنوب كان
منسقًا مع غبوش، وكان الاتفاق أن يتحرك فليب في الخرطوم ويأتي قرنق بطائرة إثيوبية
مع أركانه لتسلم السلطة وإعلان العهد الصليبي العنصري الأسود، ولكن الله سلم.
وهنا السؤال
الذي يفرض نفسه بنفسه: كيف اتفق العقيد الشيوعي جون قرنق مع الأب فليب رجل
الكنيسة؟
الحقيقة أن هذا
ليس هو أول تنسيق بين الرجلين، فقد تعاونا في يونيو الماضي في ضرب قرية القردود
وود دكونة في جنوب كردفان، فقتلوا وخربوا الديار وعين الحكومة نائمة، ولا غرابة في
الأمر، فالرجلان من أبناء الكنيسة المخلصين منذ نعومة أظفارهما يحملان حقدًا
دفينًا ضد كل ما هو عربي وإسلامي، وليس بعيدًا أن يكونا قد التقيا أيام الاغتراب
في واشنطن وتل أبيب «الرجلان عاشا في عاصمتي إسرائيل وأمريكا مدة طويلة» ووزعا
الأدوار هناك.
ولقد نبهنا في
هذا المكان كثيرًا إلى حقيقة الحلف الثلاثي غير المقدس بين الصليبية والشيوعية
بواسطة اليهودية ومباركتها. فكان أن نسقت المؤامرة بين منغستو عميل موسكو في القرن
الأفريقي والذي يستضيف الإرهابي قرنق وعصابته وبين فليب، فالهدف واحد هو الكيد
للإسلام وأهله لفصل السودان بأكمله عن العرب والمسلمين والذين التقطوا إذاعة قرنق
من إثيوبيا سهوًا أن الرجل قال بالحرف الواحد: يجب طرد كل قادم للسودان بعد عام
900 ميلادية وهو العام الذي دخل فيه الإسلام السودان.
هل الصراع
عنصري:
يبدو لأول نظرة
أن ما يجري في السودان هو صراع عنصري بين العنصر العربي والعنصر الإفريقي ولكن
سرعان ما يكتشف المرء أن الصراع ليس كذلك، فإننا نرى مثلًا أن جون قرنق من أعوانه
رجل أمريكا الأول منصور خالد وهو عربي من الشمال وكان في أول عهده السياسي
السكرتير الخاص للمرحوم عبد الله خليل سكرتير حزب الأمة ورئيس الوزراء والمعروف
بحبه اللامحدود للإنجليز، وكان الناطق الرسمي لجون قرنق لفترة هو خليل عثمان
المليونير المعروف، ويدعى محمد إبراهيم خليل وزير الخارجية الأسبق لحزب الأمة، إنه
على صلة بجون قرنق وكذلك حزب الصادق المهدي فضلًا عن الحزب الشيوعي الذي لا يخفي
علاقته الوطيدة بجون قرنق ويدافع عنه بكل قوة وكل هؤلاء عرب وشماليون.
ومن الجانب
الآخر نرى مثلًا في مؤامرة ديسمبر لفليب غبوش تنسيقًا وتعاونًا بينه وبين الأقباط
رغم ضآلة عددهم وهم ينطقون بالعربية.
إذًا ما العامل
المشترك بين هذه الأشتات التي اجتمعت؟
الجواب: العامل
المشترك هو العداء للإسلام عقيدة وشريعة وحضارة. لذلك ترى رجالًا من العرب
الشماليين يمجدون جون قرنق ويعاونونه في غفلة من أمرهم، ويظنون أنهم سيأتون إلى
السلطة على أكتاف الرجل، ولكن هيهات.
والذي يؤكد أن
الإسلام هو الهدف وأن الصراع ليس عنصريًا، أن كثيرًا من أبناء الجنوب وكل المسلمين
الجنوبيين وأبناء جبال النوبة لا يؤيدون قرنق وفليب، بل يعملون لوحدة السودان
ويعارضونهم أشد المعارضة.
وهكذا نرى أن
الصراع الدائر الآن في السودان صراع حضارة وأن مشكلة الجنوب لن تحل إلا إذا فهمنا
لب المشكلة وحاولنا حلها حضاريًا.
إسلام أو لا
إسلام:
المرحلة الأولى
من انقلاب الخميس كانت اغتيال أعضاء المجلس العسكري ومجلس الوزراء وثلاثة من
القادة السياسيين هم: الدكتور حسن الترابي، وزين العابدين الهندي رئيس الاتحاد
الديمقراطي، والصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، وليس بمستغرب أن يكون الترابي
أو الهندي هدفًا للمتمردين ولكن لماذا الصادق المهدي وعلاقاته حميمة بجون قرنق
والغرب؟
لقد ارتكب محمد
داود حاکم أفغانستان الأخطاء نفسها التي يرتكبها السيد الصادق المهدي، حيث تعاون
الرجل مع الشيوعيين للانقلاب على ابن عمه الملك وساعدوه فعلًا، فأسكرته السلطة
وتلذذ بلذة الأمر والنهي وترك الحبل على الغارب وفتح البلاد للشيوعيين حتى جاء
اليوم الذي هدم فيه الشيوعيون القصر على رأسه، فكان ما كان لا أزيدك علمًا وبكيله
كال كيلًا.
هل يظن السيد
الصادق المهدي أن مقامه عند شيوعيّ السودان وجون قرنق المتعصب خير من مقام محمد
داود الأفغاني؟ أو لا يدرك السيد الصادق- حتى ولو كان مقامه خيرًا من ذلك- أن
الشيوعيين يأكلون بعضهم البعض كالسمكة، وما لي أظلم الشيوعيين وأنت نفسك يا أيها
السيد الصادق تعاني داخل بيت المهدي- بفضل ما كسبت يداك- ما يعانيه الشيوعيون عند
الصراع على السلطة.
لعن الله السلطة
إن سعى إليها الإنسان بأي وسيلة، كفاية في حد ذاتها فهي أولها عتاب وأوسطها ندامة
ويوم القيامة خزي وعار. فليتق الله ربه الصادق ويفض الشراكة مع أعداء الإسلام
والعروبة لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
وبعد..
إن شعب السودان
يتعرض لأبشع ما يتعرض له شعب في الوجود، وليس مفهومًا هذا الصمت المطبق من أجهزة
الإعلام العربية، ولا سيما الصحف التي كانت تتباكي على مصير شعب السودان من نميري
فقط بعد إعلان قوانين الشريعة الإسلامية. إن ما يرتكبه جون قرنق وفليب غبوش من
المذابح والتقتيل والتخريب لا يقارن بما يفعله أحد إلا بما فعله شارون وحلفاؤه من
الكتائبيين الصليبيين، أو ما فعله ويفعله أصحاب الفرق الباطنية بالمسلمين في
لبنان.