; المجتمع الأسري (1199) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (1199)

الكاتب د. رشا الدسوقي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 79

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 14-مايو-1996

• مبادئ أساسية في تشكيل شخصية الطفل

بقلم: د. رشا الدسوقي 

(*) أستاذة الدراسات العرقية في جامعة كاليفورنيا.

كثيرًا ما يتبادر إلى ذهن الداعيات من الأمهات أو المؤهلات ذوات الدرجات العلمية سؤال محير وهو: كيف يتحول الجيل الجديد من جيل تهدده المخططات المدمرة إلى جيل يتميز بصلابة شخصيته وهويته الإسلامية، جيل من الدعاة الصالحين والصالحات القادرات على تحمل عبء الدعوة أينما كانوا سواء في مدارسهم، أو جامعاتهم، أو مجالات عملهم؟ والإجابة بسيطة نجدها في نهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوصانا بالبدء بأنفسنا ومن نعول، وتجهيز الأم القدوة قد يشغل حيزًا كبيرًا نرجئه مؤقتًا من أجل الحديث عن خطوات بسيطة في تطبيقها عمن نعول، قد وجد من طبقوها عمليًا أنها عميقة في أثرها على شخصية الطفل الإسلامية.

يولد كل مولود على فطرة ثم تتشكل شخصيته وفقًا لتوجيه الوالدين، ولذلك كان لا بد من الانتباه إلى عدة أمور منها:

أولًا: خلق المناخ الملائم للطفل: ذلك أن كل ما يراه الطفل ويسمعه يؤثر مباشرة في شخصيته، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)، وحين يبدأ الطفل بالتعود على سماع القرآن منذ بداية تمييزه للأصوات بعد التأذين والإقامة في أذنيه عند الولادة يزداد تعلقه به ويصبح جزءًا من حياته، ولا نتعجب إذن حين نرى المشاكل تبدأ وتزداد كلما بحثنا عن بدائل أخرى غير مجدية لمعالجة أسئلة الطفل، وتلبية حاجاته.

وعلى سبيل المثال، حين تنشغل الأم بأعمال المنزل أو بالدراسة تلجأ إلى التلفاز كوسيلة لشغل الطفل عنها، وهي لا تعلم أنها تلقيه في بحر غدار يقاوم الفطرة السليمة فيطمس معالمها ثم يميتها غرقًا، وأكبر دليل على ذلك أفلام الكرتون التي نظن أنها بريئة ولا تضر بنفسية الطفل، ولو لاحظناها لوجدنا أنها تعلم الطفل العنف والغش والمراوغة، وحين يتعود الطفل عليها يدمنها وبعد قليل تنقلب حياته إلى محاكاة لما يراه فيستخدم الألفاظ النابية ويتعود تدبير المقالب لأصدقائه وزملاء الدراسة وتتأصل فيه عادات سلبية تجعل المسؤولين في مدرسته يتهمونه بالشغب، وأحيانًا تكون الأفلام تافهة، فتعود الطفل على التلقي من جهاز صنع برامجه من يريدون إفساد الجيل الجديد فيتعود الطفل على عدم القدرة على الخلق والإبداع، حيث تضعف قدرته على العطاء والتفكير لفترات طويلة يركز فيها بعقله وعينيه على الشاشة دون القدرة على مناقشتها أو الاعتراض على ما فيها أو تقييمها، وذلك يعود الطفل على التلقي بدلًا من الابتكار والإنتاج والأولى والأفضل أن تحاول الأم تخصيص وقت معين للطفل تجلس معه وتوليه الاهتمام والحنان، فلا يشعر أنها تريد التخلص منه، فإذا اشتركت معه في لعبة تنمي قدراته وحواسه وهو صغير تقبل منها إرشادها وتوجيهها له وهو يكبر، وصارت هي الأم والصديقة الموجهة والمشاركة في حل المشاكل حين يصل الفتى أو الفتاة إلى سن الشباب، وهي وحدها القادرة على تعهد تلك العلاقة بالعناية وتنميتها وتوجيهها في الطريق السليم لتكسب مودة أبنائها وحنانهم وبرهم بها عند الكبر.

ثانيًا: الاستعانة بالكلمة الطيبة: فلا يسمع الطفل إلا الكلام الطيب، وأطيب الكلام كلام الله عز وجل، فعلى الأم أن تكثر من قراءة القرآن في جميع مراحل التربية، وإلى جانب أن القرآن شفاء لأدواء كثيرة، فإنه يعلق الطفل بالله ويعوده الإنابة إليه، وفي هذه الفترة يمكن توجيه فكر الطفل إلى الله عن طريق الأسئلة التي تثير حب استطلاعه ورغبته في المعرفة، فتسأله الأم مثلًا: هل تعرف من خلقك؟، هل تعرف من أعطى بابا نقودًا يشتري لنا الطعام؟، هل تعرف من خلق العصافير والأشجار.

ثالثًا: ألا تستخدم الأم الألفاظ النابية: أو اللوم والعتاب أو التوبيخ والاستهزاء، أو اتهام الطفل بالغباء، وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ نهى عن الفحش والبذاءة، ولم يلم الأطفال أو حتى الخدم، بل كان دائم التشجيع واتبع اللين في الأمر كله دون إفراط أو تفريط، وهناك أساليب التقويم اعوجاج الطفل، إذا بدا عنيدًا رغم اللطف والنصح مثل الهجر اللطيف أو منع شيء يستمتع به أو نزهة كان قد وعد بها إلى غير ذلك.

رابعًا: تفادي الضرب مطلقًا: فكما أن الألفاظ النابية تهين الطفل وتجعله ضعيف الشخصية، قابلًا للذل من زملائه أو رفاق الدراسة في مراحل متقدمة أو الأشقياء العابثين فإن الضرب يحطمه نفسيًا، ويفقده الثقة بنفسه وحين يكبر يصبح غير قادر على تحمل أعباء الدعوة والجهاد، وذلك المبدأ اتباع لسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي لم يضرب أحدًا قط، ولا حتى الدابة.

خامسًا: إثابة الطفل على العمل الطيب: سواء أكان عملًا خيرًا مثل: الكرم، أو الجود، أو تحصيل العلم النافع سواء أكان دينيًا أو دنيويًا. غير علماني أو مناف للشرع، والمهم التركيز على مكافئة الطفل على حفظه سور القرآن أو قراءة الكتب الإسلامية، فيرتبط الثواب وما يترتب عليه من سرور أو فرح بالقرآن وطاعة الله.

سادسًا: تعويد الطفل على الدعاء: عند الاستيقاظ، أو الطعام، أو لبس الثوب وخلعه، أو الخروج والدخول، أو ركوب السيارة، وليس هذا من قبيل الذكر فقط، بل لتعويده التوكل على الله وطلب البركة في أعماله اليومية.

سابعًا: لا بد من إيجاد البديل الإسلامي: عند منع وسائل الإعلام المضرة والمفسدة لفطرة الطفل، وهناك العاب إسلامية الجميع الأعمار لتعليم الطفل حروف اللغة العربية وسور القرآن والمعلومات الإسلامية، كما أن هناك الأشرطة الإسلامية كالتي تنتجها شركة «سفير» وغيرها، وأشرطة الفيديو التي تقص القصص النبوي وتعلق الطفل بالله، وأحب أن أحذر الأمهات من أشرطة فيديو الكرتون غير الإسلامي التي لها نفس الآثار الضارة، كأفلام الكرتون مثل The Lion King وإذا لم يكن بمقدرة الأم توفير كل هذه البدائل لأي سبب فيمكنها أن تجتهد فتقرأ لطفلها من القرآن قصص الأنبياء مثل قصة سيدنا يوسف عليه السلام أو قصة سيدنا موسى والعصا، وتبسطها بأسلوب مشوق يشكل عقيدته، ويوجهها التوجيه السليم، والابتعاد عن التلفاز يحافظ على الفتى والفتاة من التعرض لأفلام الجريمة والرعب والفساد المفروضة علينا من الغرب، وهناك من الأسر المسلمة في أمريكا من تخلص من التلفاز بالمرة فشب الأولاد وهم يعلمون أنه وباء، واكتفى المسلمون بتلقي الأخبار من وسائل الإعلام الإسلامية.

ثامنًا: التركيز على انتقاء الألعاب التي تنمي قدرات الطفل وذكائه: والبعد عن تلك التي تعوده اللهو وإضاعة الوقت أو المال دون فائدة، وإشغال الحواس فيما يرهقها، ويضعف النظر، مثل العاب الفيديو، أو النرد أو الشطرنج، وإعطاء الفتيات ألعابًا تؤصل فيهن حب الحجاب والتعفف أو حب الأعمال المنزلية ويمكن انتقاء العرائس المحجبة أو التي ترتدي ثيابًا محتشمة بدلًا من العارية المستوردة.

تاسعًا: تخصيص وقت معين للرياضة مع الأولاد والبنات في جميع مراحل حياتهم، من الطفولة إلى الشباب، وهذا له مزايا عديدة إذ يعود الأسرة الترويح الجماعي ويعود الأطفال على تفريغ طاقتهم وتربية أجسامهم، وتعود الوالدين المحافظة على صحتهما لنفس الأسباب، كما أن الأطفال يتعودون الرياضة في جو نظيف غير جو النوادي الرياضية المشبوهة، وعلينا اتباع السنة في إعطاء النفس حقها، والبدن حقه أيضًا، وقد تكون الرياضة مثل: المشي في الأماكن الطبيعية، وذلك يساعد الأسرة على التسبيح وحمد الله على نعمه، فيتأصل في نفس الطفل جو النقاء الروحي مع الخلقي والذكريات الجميلة مع الوالدين في الصغر وفترات الشباب. 

عاشرًا: عمل برنامج عبادة يومي للأسرة يبدأ بصلاة الفجر الجماعية ثم قراءة القرآن ودرس عقيدة بسيط لا يزيد على ربع الساعة، ومهم أن يتناوب فيه الأب والأم قيادة الدرس حتى تتأصل في الطفل القدوة من الجانبين فيقوى إحساسه بعظمة منهج الله عز وجل، وذلك قبل ذهاب الولد إلى المدرسة ليأخذ شحنته الإيمانية التي تعينه على يومه الطويل. 

ندعو الله أن تكون هذه الوسائل التربوية فائدة لأمهات المسلمين وآبائهم بإذن الله.

 

• إلى الأخت الداعية: الفتور.. أسبابه وعلاجه

بقلم: زينب الغزالي الجبيلي

موضوع الفتور هو أحد الموضوعات الأساسية التي أجدها تشغل بال بناتي العاملات في حقل الدعوة إلى الله، ولا يكاد يخلو لقاء من لقاءاتي بهن من طرح هذه المشكلة، والبحث عن حل لها.. وكيف يمكن للأخت الداعية العاملة في حقل الدعوة أن تتخلص من الفتور؟ وهل يمكن أن يعيش المؤمن بغير فتور وما هي أسبابه؟ وما هي صوره؟ وما هي نتائجه على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة وكيف يمكن علاجه؟ وما هو الفتور الذي يثير القلق. 

والفتور هو قعود الهمة بصورة ما عن زيادة الإيمان، ومواصلة طريق العمل لدين الله وبالتالي هو سبب من أسباب نقص الإيمان وضعف العزيمة.. إذن فهو أمر يتعلق بالقلب وأحواله والنفس وطبيعتها، وما جبلت عليه، والإيمان يزيد وينقص له مقومات تؤدي إلى زيادته، وله معوقات تؤدي إلى نقصانه، وهكذا أحوال المسلم دائمًا في زيادة للإيمان أو نقصان فيه.

يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا «أي لاعبنا وانشغلنا» الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات.. أي وقتًا لأداء العبادة وأعمال القرب من الله، ووقتًا للقيام بما يحتاجه الإنسان في معايشه وحياته على الأرض.

أسباب الفتور:

زيادة الإيمان ونقصانه إذن حالة طبيعية، وجزء من الطبيعة البشرية، فمن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، أما أسباب الفتور فهي كثيرة منها الإحباط، وفقدان الأمل، واليأس من الإصلاح الشامل، وقلة الصبر على طول طريق الدعوة ومشاقه وتبعاته، والانشغال بالدنيا وشهواتها وملذاتها، والحرص عليها وعدم التفكير فيما بعدها، ومنها فساد الصحبة التي لا تعين على طاعة. ولا ترد عن معصية، ولا تقوي عزيمة، ومنها عدم الثقة بالنفس، وكثرة تلمس الأعذار لها، والميل إلى الراحة والدعة، ومنها الشعور بكثرة الذنوب والمعاصي، وثقلها في النفس والضمير، بما يكبل صاحبها عن الخروج من دائرتها.. وغيرها من الأسباب.

وعلاج الفتور هو علاج الأسباب التي تؤدي إليه، ومنها قوة العزيمة والإرادة وتقويتها، وحسن الظن بالله، والثقة في الإصلاح، وفي دور كل منا في إرساء قواعده، وتشييد صرحه الشامخ ومنها التدرب على الصبر على مشاق الطريق، ما دمنا في طاعة فلا حرج في طول الوقت. ووحشة الطريق، وقلة سالكيه، ومنها تخير الصحبة المؤمنة، التي تعين على الطاعة، وترد عن المعصية، وتعين على فعل الخير دائمًا، ومنها: زيارة الصالحين من المؤمنين الأحياء، والاستماع إليهم والاهتمام بنصائحهم، والتأسي بهم، ومنها زيارة المقابر للعظة والعبرة، وكثرة ذكر هادم اللذات وهو الموت، والتفكير في الآخرة وفي الجنة والنار، ومنها المشاركة في أي عمل من أعمال الخير والبر مثل كفالة الأيتام، ورعاية الفقراء والمساكين، وإغاثة الملهوفين وغيرها، ومنها: التعرف على أحوال المسلمين في العالم، ومتابعة أخبارهم متابعة إيجابية تؤدي إلى تقوية العزيمة، وشحذ الهمة، وتجديد البيعة لله ولرسوله ولدينه، ومنها كذلك زيادة وسائل القرب من الله.

إن الفتور هو نوع من التراخي في أداء العبادات الأساسية والواجبات الدعوية، وحسن القرب من الله عز وجل، وقد يكون طبيعيًا أو مقبولًا أن يظل الفتور في حياة المسلم بضع ساعات، أو أيام قليلة لكن ما يثير القلق أن يستمر أسابيع أو أكثر من ذلك، وهو في هذه الحالة يؤدي إلى نقصان الإيمان بدرجة كبيرة، ويفت في عضد الجماعة المسلمة، ويكون أداؤها الدعوي فاترًا مملًا، يفتقد الروح الخلاقة المبدعة، فلا بد في هذه الحالة من وقفة، يتجدد فيها الإيمان، ونبحث فيها عن وسيلة فعالة العلاج هذا الفتور، ورحم الله عبد الله بن رواحة الذي كان يسير في طرقات المدينة وهو يقول: «تعالوا بنا نؤمن ساعة، أي نزيد من إيماننا ونقوي عزيمتنا» والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الرابط المختصر :