; مبادرات الديمقراطية الأمريكية.. «ورقة ابتزاز» للضغط على الأنظمة | مجلة المجتمع

العنوان مبادرات الديمقراطية الأمريكية.. «ورقة ابتزاز» للضغط على الأنظمة

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 50

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 20

السبت 22-نوفمبر-2003

هل حقًّا تريد أمريكا الديمقراطية للعرب؟!

  •   تركز على تغيير المناهج التعليمية وتحرير المرأة وتتناول الحالة الاقتصادية وفق تصور خاطئ بأن الفقر سبب انتشار التدين في المجتمعات العربية وأن الانتعاش الاقتصادي وإطلاق الحريات نسبيًّا سوف ينهي الظاهرة الأصولية!

  • تسعى لمغازلة القوى الإسلامية بالتلويح إلى إمكان الاعتراف بحق الأحزاب الإسلامية في الوصول للسلطة

  • لماذا «تحشر» واشنطن إقامة علاقات التعاون بين الكيان الصهيوني والعالم العربي كشرط لتحقيق الديمقراطية ؟! ... المسألة كلها تصب في خانة تحقيق المصلحة الأمريكية الصهيونية

  • هل يمكن القول برفض تلك الخطط على إطلاقها .. أم يمكن استثمارها لصالح تغيير حقيقي في مصلحة الشعوب ... الكلمة للحكومات العربية.

للمرة الثالثة خلال أقل من عام، طرحت الولايات المتحدة الأمريكية، خلال خطاب الرئيس بوش أمام المؤسسة الوطنية للديمقراطية في واشنطن 6 نوفمبر الجاري خطة، أو «وصفة» لتطبيق الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بعد خطتين سابقتين في ديسمبر الماضي ۲۰۰۲، وأبريل ۲۰۰۳ طرحنا لتعليم العرب الديمقراطية، مما أثار التساؤل حول مردود هذه الخطط وهل ترغب واشنطن في أن ترى ديمقراطية حقيقية في المنطقة العربية أم لا؟

 هنا من المفيد أن نشير إلى ثلاث ملاحظات جوهرية قبل الرد على السؤال وهي:

 الملاحظة الأولى: أن الخطط الثلاث المعلنة حتى الآن تستهدف كلها تقريبًا تحقيق مصلحة أمريكية في المقام الأول، وكذلك مصلحة صهيونية، وخصوصًا الخطة الثانية التي ربطت عملية التغير الديمقراطي الممولة ماديًّا من قبل أمريكا بفكرة الشرق أوسطية وضرورة التبادل التجاري العربي/ الصهيوني كشرط للتمويل الأمريكي.

 الملاحظة الثانية: أن الخطة الأولى التي طرحها مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية «هاس» ديسمبر ٢٠٠٢ بهدف تشجيع الديمقراطية في المنطقة العربية اهتمت بطرح الفكرة بشكل جذاب في البداية إلى حد القبول بإمكان وصول حزب إسلامي للسلطة في الخطة كي تضمن إظهار حياديتها وديمقراطيتها، في حين جاءت الخطة الثانية التي طرحتها الخارجية الأمريكية في ٣ أبريل ٢٠٠٣ لتظهر الوجه الحقيقي لأمريكا حيث اهتمت هذه الخطة بفكرة «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط» وركز فيها الرئيس الأمريكي بوش على تقديم معونات مالية «أكثر من ألف مليون دولار سنويًّا»، لتغيير برامج التعليم والإصلاح الاقتصادي وتقوية المجتمع المدني في الدول العربية، وبشرط ربط كل هذه المعونات بفكرة «الشرق أوسطية»، ودمج الدولة الصهيونية في كل المبادلات التجارية التي ستجرى بين أمريكا والعرب.

  أما الخطة الثالثة والأخيرة: التي تحدث عنها الرئيس بوش بنفسه يوم ٦ نوفمبر الجاري، فكانت أكثر وضوحًا في التعبير عن الهدف الأمريكي النهائي من مبادرات الديمقراطية هذه وهو ابتزاز الحكومات العربية والضغط عليها كي تصبح أكثر طوعًا!

 وتبقى الملاحظة الثالثة وهي تتعلق بتفسير «أسباب» تقديم هذه المبادرات، وأسباب الضغط والابتزاز الأمريكي للحكومات العربية.. وملخصها، كما تحدث عنها بوش بوضوح وأشارت إليها الخطة الأولى أيضًا أن أساليب الحكومات العربية في قمع المعارضين والتيار الإسلامي خصوصًا نتج عنها عنف جرى تصديره لاحقًا إلى الغرب وأمريكا، كما ظهر في تفجيرات 11 سبتمبر، وأن المطلوب بالتالي من هذه الحكومات نوع من الديمقراطية الشكلية مع سياسات أخرى لتجفيف ينابيع التدين من أساسها «تعليم ديني- جمعيات خيرية – إلخ» على أن يصاحب ذلك وسائل مساعدة مثل تعظيم حريات المرأة في المجتمعات العربية، والانفتاح على جمعيات المجتمع المدني.

 وما سبق ذكره يمكن التأكد بوضوح منه من خلال القراء المتعمقة للخطط الأمريكية الثلاث، وتدرجها في التطبيق.

 فقد ركزت الخطط الثلاث تقريبًا على إظهار مدى الغضب الأمريكي على الحكومات العربية على اعتبار أن «هجمات سبتمبر ضد مركز التجارة والبنتاجون علمتنا درسًا صعبًا، وهو أن المجتمعات المقهورة يمكن أن تصبح تربة خصبة المتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون الولايات المتحدة لدعم أنظمة يعيشون في ظلها»، كما جاء في الخطة الأولى- كما ركزت على أن «الشرق الأوسط يبقى مكانًا لا تزدهر فيه الحرية سيبقى منطقة ركود واستياء وعنف جاهز للتصدير»، كما جاء في الخطة الثالثة.

 وعندما جرى الحديث في الخطط الثلاث عن كيفية مواجهة هذا الخطر «الأصولي»، كان هناك تركيز واضح على خطط التعليم وتغيير المناهج في العالم العربي وتعليم المرأة وتحريرها بشكل أکبر، إضافة إلى التركيز على العوامل الاقتصادية وفق تصور خاطئ بأن الفقر سبب انتشار الأصولية والتدين في المجتمعات العربية والإسلامية، وأن الانتعاش الاقتصادي وفتح مناخ الحريات نسبيًّا سوف ينهى الظاهرة الأصولية.

 بل إن الخطة الأولى تشير بوضوح إلى تغيير المناهج وتعليم المرأة والخطة الثانية بأكملها تدور حول فكرة تغيير المناهج وتحسين الأوضاع الاقتصادية عبر خطط للشراكة الاقتصادية مع أمريكا، فيما تهتم الخطة الثالثة بفكرة تحسين مناخ الحريات وتعظيم شأن المجتمع المدني.

 وحتى عندما تحدث الرئيس بوش مدافعًا عن الدين الاسلامي وكيف أنه لا يتعارض مع الديمقراطية قائلًا: إن الديانة الإسلامية تنسجم تمامًا مع مبادئ الحكم الديمقراطي، واستشهد بعدد من الدول الإسلامية التي تحكمها أنظمة ديمقراطية، ومنها تركيا، إندونيسيا، والسنغال والنيجر، كان يرد ضمنًا على المخاوف التي أبدتها أنظمة عربية، ومحللون من أن تأتي الحملة بعكس أغراضها ويجري تصوريها على أن الاسلام لا يشجع الديمقراطية ولا يعرفها قسمت أمريكا لفرضها على دول المنطقة.

 بعبارة أخرى حرص المسؤولون الأمريكان في الخطط الثلاث على نقل رسائل متعددة لدول المنطقة تصب كلها في خانة تحقيق المصلحة الأمريكية.

- فعلى صعيد الحكومات سعي الأمريكان إلى طمأنتها إلى أن الهدف ليس التخلص منها، ولكن السعي لتثبيت دعائمها أكثر عبر سلسلة من الإجراءات المطلوب تنفيذها، لتجفيف الينابيع وتلميع صورة الحكم وصيغه بصيغة ديمقراطية عبر تفعيل دور المجتمع المدني والقيام بخطوات إصلاحية في المجالين الاقتصادي والسياسي «حكومات عربية عديدة نفذت هذه النصائح».

- وعلى صعيد القوى الإسلامية سعت الخطط الأمريكية لإرسال إشارة إلى الرغبة الفعلية الأمريكية في تطبيق الديمقراطية والتلويح بأن العنف يعرقل ذلك، ووصل الأمر إلى حد الاعتراف بحق الأحزاب الإسلامية في الوصول للسلطة على العكس تمامًا من رفض الأنظمة العربية هذه الفكرة، لأنها ستأتي بحركات إسلامية «الرئيس المصري مبارك قال للصحفي الأمريكي يوسف مايكل في صحيفة واشنطن پوست ۲۳ مارس ۲۰۰۳ إن سبب اعتراضه على الديمقراطية في مصر هو أن الإخوان سيأتون إلى الحكم في أي انتخابات حرة ليس في مصر وحدها بل في العديد من الدول العربية».

- أما على الصعيد الداخلي في أمريكا نفسها فقد سعت الخطط الأمريكية لضمان التمويل من الكونجرس عبر إقناع اللوبي الصهيوني بأن الدولة الصهيونية ستكون المستفيد الأكبر، بل لقد قيل إن المبرر وراء خطاب بوش «الخطة الثالثة» هو نصرة لمصالح الصهيونية ووضع مزيد من الضغوط على الدول العربية، وأنه لا يستبعد أن يكون الإسرائيليون هم الذي نصحوا الرئيس بوش بالإعلان عن الخطة الثالثة التي هاجم فيها الحكومات ولوح بعبارة «الدكتاتورية»، ودعا إلى تطبيق الديمقراطية في العالم العربي، وإيران، وغيرها من الدول المعادية لـ«إسرائيل» ولأمريكا معًا.. كما لم يستبعدوا أيضًا أن يكون «اللوبي اليهودي الأمريكي» هو الذي يقف وراء تلك الدعوة التي يهاجم فيها الرئيس بوش الحكومات العربية، وبالذات تلك التي تعادي «إسرائيل» رغم حاجة الإدارة الأمريكية لهذه الحكومات في مواجهة من يصفونهم بـ «الإرهابيين».

حيث تحدث بوش عن «أن الكثير من حكومات الشرق الأوسط بات يعي الآن أن الدكتاتوريات العسكرية والحكومات التيوقراطية تؤدي إلى الطريق المسدود فقط، لكن البعض منها لا يزال يتمسك بعادات قديمة تتمثل بحكم مركزي» وقال: إن على هذه الحكومات أن تحد من نفوذ الدولة والجيش والحرص على تطبيق حكم القانون وبناء مجتمع مدني، بما في ذلك وسائل إعلام مستقلة وضمان حرية المعتقد واعتماد اقتصاد السوق ومنح المرأة حقوقها السياسية.

 واعتبر أن شعوب هذه المنطقة كانوا لفترة طويلة ضحايا خاضعين ويستحقون الآن أن يصبحوا مواطنين فاعلين، مشددًا على ضرورة من اعتماد «استراتيجية للحرية» في المنطقة!

وقال الرئيس الأمريكي: إن العالم العربي لم يلحق بالركب الديمقراطي الذي يجتاح العالم، ودلل على قوله هذا بتقرير التنمية البشرية الثاني الذي أصدره برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة والذي جاء فيه أن الموجة العالمية الديمقراطية «بالكاد لامست الدول العربية».

المصلحة أولًا وأخيرًا

 وقد يثور سؤال: لماذا يرفض البعض الخطط الأمريكية للديمقراطية في العالم العربي وينظر إليها بتوجس؟ وهل يريد أحد استمرار الحكم القمعي الدكتاتوري لبعض الحكومات العربية والإسلامية؟

والجواب: بالطبع لا، ولكن المشكلة أن الخطط الأمريكية لا تبدو خالصة لوجه الله، وهي إما تستهدف تفادي وتجنب أخطار خارجية أو تحقيق مصلحة لواشنطن أو للدولة الصهيونية التي أصبحت مصالحها مرتبطة بشكل وثيق عقب 11 سبتمبر بالمصالح الأمريكية.

 بل إن توقيت كل خطة يدل على أن هناك هدفًا أمريكيًّا من وراء طرحها، فالخطة الأولى ركزت بشكل واضح على تغيير مناهج التعليم وتغيير الخطاب الديني كي لا يتكرر ما حدث في ١١ سبتمبر، وتبنت نفس ما قيل عقب توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين مصر والصهاينة بشأن تغيير

المفاهيم وتجفيف ينابيع العداء والتركيز على ثقافة السلام.

والخطاب الثاني جاء متزامنًا مع تفجيرات الرياض في مايو الماضي ضد المباني السكنية التي يسكن بها أجانب وقتل فيها تسعة أمريكان، وقد وضعت فيه خطط مالية لتنفيذ هذه التوصيات بداية من الإصلاح الاقتصادي وتغيير المناهج إلى التدخل في شؤون الصحافة العربية التي تقود العقول في المنطقة والسعي لترويضها «برامج تدريب بدأت بالفعل لصحفيين مصريين في أمريكا -إنشاء محطات إذاعية ومجلات وصحف موالية لأمريكا لتغيير عقول الشباب العربي».

 أما «خطاب بوش» الأخير أو الخطة الثالثة فجات مواكبة لتزايد الخسائر الأمريكية في العراق واتهام المقاومة ومتسللين من دول الجوار بالقيام بها، ولذلك كان من الطبيعي أن يتضمن فتح النار على الحكومات العربية المتهمة بمساندة المقاومة «سورية».

بعبارة أخرى، جاءت الخطط كلها في توقيتات تتناسب مع مصالح أمريكية، وبالمقابل وقعت انتهاكات للحريات والديمقراطية في كل من العراق نفسها التي تحتلها أمريكا، وفلسطين التي يوجد بها حكومة منتخبة «من قبل الصهاينة» كما وقعت انتهاكات في الانتخابات  في عدة دول ولم تصدر بيانات أو خطط أمريكية للديمقراطية.

بل لقد دخل السفير الأمريكي في مصر في مواجهة مفتوحة ساندته فيها الخارجية الأمريكية مع الصحفيين المصريين مطالبًا بالتدخل ضد حريتهم في التعبير لمجرد أنهم يصفون ما يجري في فلسطين بأنه «عمليات فدائية» لا إرهابية كما يصفها هو، ولأنهم يسمون القوات الأمريكية بالعراق «قوات احتلال».

بل لقد هاجم الرئيس بوش مصر ضمنًا ليس لأنها كما قال: «يجب أن تقود الطريق إلى الديموقراطية في الشرق الأوسط» ولكن لأن مصر ترفض التدخل لنزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وأن تأمر عرفات بلجم هذه المقاومة، كما يقول تقرير نشر في مجلة أتلانتك مونثلي الأمريكية عدد أكتوبر ۲۰۰۲.

 والدليل على ذلك أن بوش ربط بين طلبه تزعم مصر مجهود الديمقراطية في العالم العربي، كما فعلت بتزعمها عملية السلام العربية الإسرائيلية قائلًا: «لقد مهد الشعب المصري العظيم المعتز بنفسه الطريق نحو السلام في الشرق الأوسط والآن بات عليه أن يمهد الطريق نحو الديمقراطية».

 وربما لهذا قال وزير الخارجية المصري أحمد ماهر ردًّا على خطاب بوش: «إن مصر لا تحتاج إلى قرار من أحد بديمقراطيتها»، كما هاجمت الصحف الرسمية المصرية «الأهرام وأخبار اليوم» الرئيس بوش شخصيًّا ووصفته بـ «الجهل» بما يحدث في الدول العربية، ووصفت سعيه لفرض الديمقراطية على العرب بأنه تدخل في شؤونها الداخلية.

 ويبدو أن المحصلة الأخيرة للضغط على مصر تصب في خانة الغضب الأمريكي عليها أيضًا بسبب موقفها، من العراق وتزعمها رفض إرسال قوات عربية للعراق، ومطالبتها بانسحاب سريع للقوات الأمريكية.

 وقد شنت القوى السياسية المصرية الرسمية والحزبية هجومًا حادًّا على الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي بوش يوم ٦ نوفمبر الجاري، وانتقد فيه مصر واعتبره شبه رسميين «نصائح إسرائيلية» قدمت إلى بوش ليقولها.

والخلاصة: إن ورقة الديمقراطية التي تطرحها أمريكا على الأنظمة العربية ليست سوى ورقة ابتزاز للأنظمة في المحصلة النهائية، بحيث ترفع واشنطن في وجهها الدعوات الديمقراطية وتلوح بالحالة الدكتاتورية الموجودة وتدخل الجيوش في الحكم، كي تنفذ الحكومات المزيد من الرغبات الأمريكية لأنه ليس أمامها سوى أمرين القبول بالضغوط أو القبول بالحريات الحقيقية والتضحية بكرسي الحكم في نهاية الأمر.

ولكن هل معنى ذلك أن ترفض الدعوات التي ترفعها أمريكا للديمقراطية في العالم العربي؟

بالطبع لا، فالمطلوب استفادة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من الجانب الإيجابي فيها واستعمالها لتحقيق أي قدر من الديمقراطية، وبقدر ما تسعى أمريكا لاستخدامها في الضغط لتحقيق مصالحها بقدر ما يجب على القوى العربية السياسية استثمارها نحو مزيد من الحريات العربية، فضلًا عن توحيد الصفوف بين الحكومات وشعوبها وإزالة الحواجز الدكتاتورية بينهما للوقوف في وجه المخططات الأمريكية للمنطقة في نهاية الأمر.

الرابط المختصر :