; مبادرة الإخوان للإصلاح قراءة للواقع والتداعيات | مجلة المجتمع

العنوان مبادرة الإخوان للإصلاح قراءة للواقع والتداعيات

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004

مشاهدات 70

نشر في العدد 1592

نشر في الصفحة 20

السبت 13-مارس-2004

في مؤتمر صحفي كبير بمقر نقابة الصحفيين ظهر الأربعاء 3 من مارس ٢٠٠٤ الموافق ١٢ من المحرم ١٤٢٥هـ. أعلن المرشد العام للإخوان للمسلمين محمد مهدي عاكف مبادرة الإخوان للإصلاح في مصر. 

وقد جاءت المبادرة متضمنةً مقدمة تبين دوافع إعلانها في ذلك الوقت، كما أوضحت مبادئ ومواقف عامة للإخوان حول ما هو مطروح على الساحة من مبادرات، وكيفية تفعيل تلك المبادرة الإخوانية، ثم أكدت على المنطلقات العامة للإخوان كهيئة إسلامية عامة، وجاءت تفاصيل المبادرة في ١٣ مجالًا من مجالات الحياة؛ بدءًا ببناء الإنسان المصري كمحور وهدف للتنمية والإصلاح، فسعادته هدف كل تنمية وتقدم ورقي، وهو نفسه وسيلة تحقيق كل تنمية وتقدم ورقي بجهده وعرقه، لذلك قدم المرشد المبادرة مذكرًا بأهمية أن يتحمل كل فرد مسؤوليته، وأن يقوم بواجبه، وألا يقتصر على مجرد المطالبة بحقوقه، مذكرًا بعبارة شهيرة للدكتور طه حسين عندما أطلق مجانية التعليم في مصر، متخوفًا من أن تؤدي إلى تعرف الناس على حقوقهم، فيطالبوا بها، وأن ينسوا واجباتهم فيقعدوا عن القيام بها. 

في البداية ألقى المرشد العام كلمةً قصيرةً، سبقت شرح أبعاد المبادرة على لسان نائبه الأستاذ الدكتور محمد حبيب، والتي أعقبها إجابات المرشد على أسئلة الصحفيين والمراسلين والإعلاميين الذين حضروا بكثافة كبيرة، رغم انعقاد مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية في الوقت نفسه بجامعة الدول العربية بالقاهرة، مما شكل مفارقة واضحة؛ حيث يشعر الجميع بعجز النظام العربي الرسمي عن القيام بواجباته، وضعف الحكومات العربية وتراجعها أمام الهجمة الأمريكية الصهيونية، بينما أشعل الإخوان شمعةً لتنير الظلام الدامس في هذه الأوقات العصيبة، وقد أكد المرشد «أن القيام بريادة هذا الإصلاح لا تقوى عليه حكومة ولا أي قوة سياسية منفردة، بل هو عبء، يجب أن يحمله الجميع، وأن المصالحة الوطنية العامة التي تؤدي إلى تضافر الجهود جميعًا هي فريضة الوقت، ليس لمجرد الوقوف ضد المخططات الهادفة إلى استباحة المنطقة؛ بل للنهوض من عثراتنا وعلاج مشاكلنا».

ركائز المبادرة

ارتكزت مبادرة الإخوان للإصلاح على ركائز أربع مهمة هي:

أولًا: رفض كل صور الهيمنة الأجنبية وإدانة كافة أشكال التدخل الخارجي.

ثانيًا: التأكيد على دور الشعوب وضرورة أن تبادر لإنجاز الإصلاح الشامل.

ثالثًا: الإصلاح السياسي هو نقطة الانطلاق، ومفتاحه إطلاق الحريات العامة. 

رابعًا: المصالحة الوطنية العامة والتكاتف العربي والتعاون الإسلامي هو أساس العمل. 

تقول المبادرة: «إن واجب الوقت يقتضي من كل القوى السياسية والنخب الفكرية والثقافية وكافة المهتمين بالشأن العام أن يلتفوا حول إطار عريض ينطلق من المقومات الأساسية للمجتمع، وأن يتعاونوا في المتفق عليه - وهو كثير - وأن يتحاوروا حول المختلف فيه – وهو قليل - من أجل الصالح العام لهذه الأمة». 

كما تؤكد المبادرة خطورة الوضع الحالي وضرورة الخروج من المأزق الرهيب الذي وصلنا إليه.

«إن الثالوث المدمر لهذه الأمة من جمود سياسي، وفساد وظلم اجتماعي، وتخلف علمي وتقني، يهدد مصر الآن في أمنها الوطني ومكانتها القومية وريادتها الإسلامية ودورها العالمي».

التوقيت والمفاجأة

فاجأ الإخوان الجميع بإعلان مبادرتهم للإصلاح السياسي، وبرغم أن الساحة تموج بالمبادرات المختلفة حتى تحولت إلى سوق عكاظ، وحتى وصف الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الوضع بقوله: «إن السماء تمطر مبادرات إلا أن مبادرة الإخوان كانت أول - ولعلها لا تكون الأخيرة – المبادرات الشعبية». 

فالمبادرة الأمريكية للشرق الأوسط الكبير التي حركت المياه الراكدة ما هي إلا تكرار واضح لمشروع شيمون بيريز رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق حول شرق أوسط جديد»، ولكنه يأتي ليقطف ثماره شارون» مجرم الحرب وجزار فلسطين، وليس بيريز الذي أسس البرنامج النووي الصهيوني والذي يلبس مسوح الرهبان.

والمبادرات الأوروبية لا تجد سندًا بسبب الطغيان الأمريكي، وهي - رغم أهمية المنطقة لأوروبا - مترددة واللاعبون الأساسيون في المنطقة لا يجدون في أوروبا بديلًا عن أمريكا؛ بل هي تابع لها، ولذلك فإن اللقاء المرتقب سيحسم الموقف بانضمام أوروبا إلى أمريكا، وتبني المشروع الأمريكي كاملًا أو بعد تعديلات طفيفة عليه.

ومن الواضح أن أمريكا تريد أن تبني مشروعها لشرق أوسط كبير على أنقاض الجامعة العربية.

وقد جاءت المبادرة المصرية خجولةً تحاول إمساك العصا من المنتصف، وتردد إمكانية «التعاون مع الدول الصديقة في الخارج وتتحدث عن الجماعات المستنيرة» في الداخل. وتربط الإصلاح الأمريكي المفروض بضرورة التقدم على مسار السلام الوهمي في فلسطين؛ وكأنه كان هناك سلام أو عملية سلام أو مشروع سلام.

* الجمود السياسي.. الفساد والظلم الاجتماعي.. التخلف العلمي والتقني ثالوث يهدد الأمة بالدمار

لذلك جاءت مبادرة الإخوان في توقيت حاسم؛ لتوضح للجميع أن صوت الشعب هو الذي يجب أن يعلو، وعلى الجميع أن يستمع إليه، وجاءت من أكبر قوة شعبية ليس في مصر وحدها، بل في كل العالم العربي، ومعظم العالم الإسلامي، صوت يحظى بثقة الأمة، وله تاريخه النضالي والجهادي، صوت عاقل غير متشنج يفتح جسور الحوار مع الجميع، ويتبرأ من العنف المدمر كوسيلة للحوار أو العمل السياسي، ويدعم صور المقاومة جميعًا، بل يمارسها في أرض الواقع ضد الاحتلال الأمريكي أو الصهيوني، يدعو إلى وحدة الأمة صفًّا واحدًا عربًا وبربرًا، أكرادًا وأفارقةً، سنة وشيعة مسلمين ومسيحيين، من كل الطوائف والعرقيات، وكل الأديان والمذاهب، لنهضة شاملة لصالح الجميع.

 كان وقع المفاجأة على السلطات المصرية كبيرًا، لذلك لم تتخذ قرارًا بمنع إعلان المبادرة في مؤتمر صحفي، ولم يتدخل الأمن ليمنع اللقاء الحاشد الذي انتقلت فيه كاميرات الفضائيات ومراسلو الوكالات ومندوبو الصحف والمجلات من ساحة الجامعة العربية - حيث يلتقي الوزراء ويتشاحنون ويختلفون - إلى مقر نقابة الصحفيين المصريين؛ حيث عقد المرشد العام للإخوان مؤتمره الصحفي الذي استمر نحو الساعة والنصف، وكانت المفاجأة أيضًا للقوى السياسية والأحزاب التي عرفت عن التنسيق مع الإخوان منذ حذرتهم الدولة بشدة في انتخابات عام ١٩٩٥م. ثم انتخابات ٢٠٠٠م، ولم يكن الوقت كافيًا لترميم الجسور بعد وفاة المرشد السادس «الهضيبي»، ومازال الوقت متسعًا للحوار حول المبادرة أو على الأقل حول الجزء المتفق عليه منها، لذلك جاءت المبادرة معبرة عن رؤية الإخوان الشاملة للإصلاح من منظور إسلامي، ودعا الإخوان فيها إلى التعاون في المتفق عليه، والتحاور حول المختلف فيه. 

ولعل الأيام المقبلة تشهد تفاعلًا إيجابيًّا من بعض الأحزاب.

المبادرة والحزب

تساءل البعض ممن حضر المؤتمر، وفي التعليقات على المبادرة عن علاقة ذلك بالحزب الذي أعلن المرشد العام - استمرارًا لسياسة ثابتة - عن رغبة الإخوان وقدرتهم على تكوينه، فقال البعض: هل تعد المبادرة بمثابة برنامج للحزب المزمع.

وتسائل الآخرون: هل يمكن للإخوان أن ينشئوا حزبًا، أو يتحولوا إلى حزب؟

واستفسر البعض: هل يمكن أن تتخلى الجماعة عن اسم الإخوان، إذا كان ذلك شرطًا لإعلان الحزب؟

وغير ذلك من التساؤلات وهي مشروعة. 

والحقيقة - كما أعلنها المرشد - أن المبادرة شيء والحزب شيء آخر.

وأن إعلان توقيت المبادرة أملته الظروف الدقيقة الحرجة التي تمر بها الأمة، والتهديدات والأخطار التي تتعرض لها، والضغوط التي تمارسها أمريكا وخططها للهيمنة.

أما الحزب فهو مشروع قائم منذ نحو عشرين عامًا، والذي يمنع من قيامه هو القانون الظالم الذي يقيد حرية تشكيل الأحزاب، والممارسات الحكومية التي تحاصر النشاط الحزبي.

وأعلن الإخوان أنه لا جدوى من إضافة أحزاب جديدة إلى قائمة الأحزاب الحالية، إذا استمر نفس المناخ السياسي والحزبي، كما هو بنفس ترسانة القوانين سيئة السمعة، ونفس العقلية الأمنية التي تهيمن على كل شيء وتدير شؤون الأحزاب بما فيها الحزب الوطني نفسه. 

وفي إعلان نادرًا ما يصدر في إجابة عن سؤال صحفي قال المرشد العام: إنه لا مانع من إعلان حزب للإخوان المسلمين باسم جديد، وأنه لن يتمسك بالاسم الذي عرف به الإخوان، ولا مانع لديه من تغيير الاسم طالما سيتم تشكيل الحزب.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن المرشد الجديد من أنصار الإبقاء على الإخوان كهيئة إسلامية عامة، وإعلان حزب سياسي كذراع سياسي لها وليس كبديل، أي أن الجماعة تبقى بينما يقوم فريق من أبنائها بتشكيل حزب سياسي تحت أي اسم جديد «ولقد كان هو نفسه الأب الروحي لمشروع حزب الوسط، وقضى في السجن 3 سنوات بسبب الإشراف على تأسيسه».

 وهذا الرأي يقابله رأي آخر يتبناه بعض القيادات الإخوانية مثل المرحوم المرشد السابق المأمون الهضيبي، وهو أن تتحول الجماعة ببرنامجها كله وتشكيلها كله إلى حزب سياسي؛ حيث إن ذلك هو الإطار القانوني المسموح به حاليًا ومنعًا للازدواجية التي قد يعاني منها الإخوان في حال سمح الحزب بالنشاط، ومنعًا للمطاردات الأمنية التي قد يتعرض لها أعضاء الجماعة الذين لا ينضمون إلى الحزب؛ حيث إنه من المستبعد أن توافق الحكومة والنظام مرة واحدة على إعادة الوضع القانوني للإخوان كجماعة وهيئة إسلامية، وتسمح بإنشاء حزب سياسي لهم.

والحقيقة أن الجدل حول هذا الأمر هو من قبيل التمرين السياسي والإداري، لتنشيط التفكير وشحذ الهمم؛ لأن المقدمة الطبيعية هي إطلاق الحريات، وحينها لن يكون الإخوان تحت ضغط المساومات مع النظام، بل ستكون حريتهم كاملة لاختيار أفضل البدائل من بين البدائل المتاحة بعد مناقشة مستفيضة حول إيجابيات وسلبيات كل بديل.

ما الذي دفع المراقبين إلى التساؤلات؟

إن شمول المبادرة تفصيلات كثيرة حول مناحي الحياة المختلفة كان الدافع إلى هذه التساؤلات.

* المبادرة ترتكز على أربعة محاور رفض الهيمنة الأجنبية.. دور الشعوب في الإصلاح السياسي... إطلاق الحريات.. المصالحة الوطنية العامة

المتأمل في المبادرة يرى أن الجزء الأول منها هو جوهر المبادرة وهو ما ناقشناه في ركائز المبادرة، أما التفاصيل فقد جاءت لأكثر من سبب:

أولًا: التذكير بأن للإخوان برامج تفصيلية.

ثانيًا: التأكيد على شمولية الإصلاح. 

ثالثًا: الرد على الذين يتهمون الإخوان بالعمومية.

رابعًا: توضيح أن الإخوان قادرون على تحمل أعباء الإصلاح ولهم رؤيتهم المحددة. 

خامسًا: التمهيد لأي برنامج حزبي في المستقبل.

جدير بالذكر أن هناك تحذيرات شديدة من جهات الأمن للإخوان بشأن أمرين:

الأول: التفكير في إعلان حزب في هذه المرحلة.

الثاني: محاولة إعادة التنسيق مع حزب جديد يمكن إعلانه. 

والسبب في ذلك، سلسلة المقالات التي كتبها الأستاذ إبراهيم نافع في الأهرام خلال الشهر الماضي «5 مقالات» عن «التغيير في مصر»، وهي تحتاج إلى تحليل أشار فيها إلى أمرين:

  • أن أي تغيير دستوري الآن غير وارد بالمرة.

  • أن هناك تفكيرًا في إعادة النظر في قانون الأحزاب وقانون مباشرة الحقوق السياسية. 

وخلص إلى أن هناك أحزابًا قائمة بالفعل تحت التأسيس، تمثل تيارات موجودة في المجتمع المصري يمكن الترخيص لها قانونًا وذكر بالاسم حزب الكرامة، الذي يمثل التيار الناصري، ويتزعمه النائب حمدين صباحي وحزب الغد الذي يمثل التيار الليبرالي ويتزعمه النائب أيمن نور وكلاهما صحفي ونائب نشيط بمجلس الشعب الحالي، والثالث وهذه هي المفاجأة حزب الوسط الذي يترأسه المهندس أبو العلا ماضي وقصته معروفة. 

ثم جاءت مؤشرات أخرى في تصريحات لمسؤولي الحوار بالحزب الوطني مثل الأمين العام السيد صفوت الشريف والأمين المساعد كمال الشاذلي، أن هناك تفكيرًا جديدًا في إصلاحات قانونية جزئية في مجال قانون الأحزاب ونظام الانتخابات والنقابات المهنية والمجتمع المدني. 

وفيما يتعلق برئيس الجمهورية، أكد الإخوان في مبادرتهم ضرورة تحديد مدة الرئيس ونائبه بدورتين متتاليتين فقط، وأن يتم تحديد صلاحيات الرئيس التنفيذية بحيث لا يتحول الوزراء إلى سكرتارية للرئيس، وأن يتم انتخاب الرئيس ونائبه في انتخابات حرة مفتوحة بين العديد من المرشحين.

* ماذا جرى في الحوار الذي دار بين جمال مبارك وأعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة ولم يحظ بتغطية وسائل الإعلام؟

وقد كان هناك حوار لمدة خمس ساعات دار بين السيد جمال مبارك ومجالس إدارة أعضاء نادی هيئة التدريس في جامعة القاهرة قبل أقل من شهر لم يحظ بتغطية إعلامية، ومعروف أن أغلبية الأعضاء من الإخوان المسلمين، وقد قدم أساتذة الجامعات مقترح أجندة لأولويات الحوار الوطني، وعقدت جلستان طويلتان استمع فيهما السيد جمال مبارك باهتمام بالغ وإنصات تام لحوار جريء حول:

  • استبعاد التيار الإسلامي من الحوار الوطني.

  • الدور الأمني الذي تغول في كافة مجالات الحياة بما فيها الجامعة.

  • عدم جدية أي إصلاح إذا لم يسمح بتداول السلطة.

  • أهمية الإصلاح السياسي كبداية لأي إصلاح آخر.

  • ضرورة أن يكون الإصلاح الشامل هو جوهر النهضة. 

  • رفض أي إصلاح أو تغيير مفروض من الخارج.

وكان تعقيب جمال مبارك عقب التعليقات التي استمرت أربع ساعات ونصف الساعة في نحو ربع ساعة فقط، تجنب فيها تمامًا الحديث عن الموقف من التيار الإسلامي أو مسألة تداول السلطة، وأعلن عدم النية في تغييرات دستورية، موضحًا أن هناك اتجاهًا لإصلاحات جزئية في مجالات الحياة الحزبية والنقابات المهنية والمجتمع المدني، مركزًا على أولوية إصلاح الاقتصاد والتعليم.

ولقد جاء قرار الرئيس مبارك - والذي رحب به الجميع - بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر مؤشرًا آخر على نوعية الإصلاحات الجزئية التي يعتزم النظام القيام بها، وأعلن كافة المرحبين بالقرار - الذي طال انتظاره ضرورة استكمال الإصلاحات بسرعة دون إبطاء، وإطلاق حرية إصدار الصحف وحرية الأحزاب...إلخ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية