العنوان مبادرة مبارك الفاشلة
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 709
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 19-مارس-1985
لا يخفى على أي متابع للأحداث السياسية أن نظام حسني مبارك أسهم بشكل كبير في إنجاح اتفاق حسين- عرفات وقيل أن مبارك فاجأ حسين وعرفات بمبادرته. وتتلخص مبادرة مبارك بالدعوة إلى عقد اجتماع أردني فلسطيني في واشنطن بناء على مبادرة من الولايات المتحدة على أساس اتفاق حسين- عرفات يعقبه اجتماع في القاهرة أو واشنطن يضم بالإضافة إلى الوفد الأردني الفلسطيني المشترك وفدًا إسرائيليًّا، ويكون الفلسطينيون المشتركون في الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك من الأعضاء المعتدلين بمنظمة التحرير الفلسطينية. ثم بعد ذلك عقد مؤتمر دولي لإضفاء شرعية دولية على ما يتفق عليه تحضره الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وفرنسا وبريطانيا والصين.
في تحليل سابق قلنا أن مبادرة مبارك إما أن تكون مناورة وإما أن تكون جادة ورجحنا في حينها أن تكون مناورة ربما كان متفق عليها مع الأردن، وذلك لوضع قيادة منظمة التحرير أمام الأمر الواقع فتحسم ترددها في الموافقة على اتفاق ۱۱ فبراير وتأخذ بمفهوم الأردن لبنوده. ويبدو أن هذا الهدف قد تم تحقيقه. كما كانت تهدف إلى جس نبض المسرح الفلسطيني والعربي بشكل عام تجاه أية أفكار للتفاوض المباشر مع إسرائيل ولو على مراحل.
والمبادرة على أية حال ومن خلال عرض مبارك لها في زيارته لباريس وواشنطن ولندن وروما وما يترتب عليها من ردود أفعال عربية ودولية ستجعل الطريق أمام فكرة التفاوض المباشر بين الأردن وإسرائيل مستساغة، بل وأمر لا بد منه لأن هذه الفرصة كما ألح مبارك والحسين هي الفرصة الأخيرة. وليس مهمًّا كما ألمح مبارك وبعض مساعديه من يمثل الفلسطينيين، المنظمة أم مواطني الضفة وغزة.
وربما كان مبارك يقصد من مبادرته كما لاحظت الأوساط الصهيونية في الكونغرس وفي إدارة ريغان هو تحسين صورته كحليف إقليمي للولايات المتحدة يسعى للسلام، الأمر الذي يسهل حصوله على مساعدات اقتصادية وعسكرية هو في أمس الحاجة إليها. وأيًّا كانت دوافع المبادرة المصرية فإن الوقائع تشير قبل وبعد زيارة واشنطن بأنها فاشلة. فمن الناحية الاقتصادية لم يحصل مبارك على إعفاء من الديون المتراكمة على مصر للولايات المتحدة كما لم يحصل على مبلغ ٨٥٠ مليون دولار إضافة للمساعدة المقررة سابقًا وهي 1.2 بليون دولار فقد وافقت له إدارة ريغان على ٢٥٠ مليون بصفة عاجلة لإصلاح الهيكل الاقتصادي و300 مليون لدعم ميزان مدفوعات مصر مع الولايات المتحدة، أي لدعم شراء السلع الأميركية.
ومن الناحية السياسية استقبلته واشنطن بقرار الفيتو ضد الممارسات الإسرائيلية الهمجية ضد مواطني الجنوب اللبناني، كما استقبله ريغان بالتأكيد على ضرورة تحسين علاقات التطبيع مع إسرائيل، كما قال له ومسؤولون أميركيون آخرون أن المبادرة غير كافية للتحرك لدفع ما يسمى «بعملية السلام» وأن اتفاق حسين- عرفات لا يلقى إجماعًا فلسطينيًّا ولا عربيًّا. كما تبلغ مبارك أن إدارة ريغان ترى أن الوقت غير مناسب في الوقت الحاضر مع إيمانها بأن الطريق الصحيح «للسلام» هو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل على أساس اعتراف أردني- فلسطيني واضح وصريح بقرار مجلس الأمن ٢٤٢ مع الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دون ذكر لمنظمة التحرير وإذا كانت تقارير صحيفة الأهرام حول اتفاق ريغان ومبارك على بدائل ربما يعلن عنها مستقبلًا تتعلق بالدعوة لاجتماع أردني مصري، فإن ذلك يعني أن البديل هو التطبيق الحرفي لاتفاقيات کامب ديفيد التي دعت إلى مفاوضات مباشرة مع الأردن ومنح الفلسطينيين الحكم الذاتي!
وبهذا العرض يتضح أن المبادرة المصرية لا تخرج عن كونها مبادرة عربية تستجدي «السلام» من عدو قوي، وأن العدو الأميركي الصهيوني يستثمر الوقت لمزيد من إذلال الطرف العربي واستهلاكه لكي يقدم أقصى التنازلات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تلعب مصر هذا الدور وهي تدرك أنها فاشلة وأن خطواتها غير مباركة؟ والمستقرئ لأوضاع مصر وتحركات الرئيس مبارك يدرك أن النظام المصري ملتزم التزامًا دقيقًا باتفاقيات كامب ديفيد وأن تكتيك سحب السفير المصري من تل أبيب واشتراط الانسحاب من جنوب لبنان والاتفاق حول طابا لعودته، لم يكن الهدف منه سوى فك عزلة مصر المفروضة عليها عربيًّا.
بقي أن نقول بأن الورقة الوحيدة التي يملكها معسكر الاعتدال في مفاوضاتهم مع أميركا وإسرائيل هي ورقة الخوف من «الإرهاب» في حالة عدم الاستجابة لمبادرة «الفرصة الأخيرة» ولكن هذه الورقة في حقيقة الأمر ضدهم بالتأكيد، لأن «الإرهاب» المتخوف منه ليست هنالك أية بوادر تدل عليه في المنطقة، عدا المقاومة في الجنوب اللبناني. أما إذا كان المقصود بالفرصة الأخيرة ووجود حزب العمل في السلطة فالمنطق «الواقعي» الذي يتذرع به مبارك دائمًا يقضي بضرورة الانصياع لمطالب إسرائيل حزب العمل قبل إسرائيل.
وطالما الأمر كذلك فإن إدارة ريغان لم تعد متخوفة كما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست من أن عدم حل القضية الفلسطينية سيؤدي إلى نشوب النزاع في أية لحظة من جهة، كما سيؤدي، وهذا هو الأهم في رأي الصحيفة إلى انتشار ما أسمته «الأصولية الإسلامية». فهل يسمع المسلمون تخوفات أعدائهم فيردوا على التحالف الأميركي- الإسرائيلي بالعمل لا بالقول: هذا ما نرجوه وندعو الله سبحانه أن يكون قريبًا.