; متي تتحرر دعوة الحق في بلاد العرب | مجلة المجتمع

العنوان متي تتحرر دعوة الحق في بلاد العرب

الكاتب الدكتور عمارة نجيب

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 456

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

لماذا يقف الإعلام العربي ضد الإسلام؟

سؤال لا بد أن يكون قد راود كل مسلم مهتم بأمر دينه والدعوة إليه خصوصًا إذا كان ممن طالعوا أو يطالعون سيرة السلف، وما حفلت به من عدل وتحرير للدعوة والدعاة، بل وتقدير وتكريم لكل عمل ولكل العاملين في هذا الميدان الشريف المحبب إلى الله وإلى رسوله وإلى كل محب لله ولرسوله.

وهل يمكن أن تكون هناك شارة شرف وعلامة مجد أشرف وأمجد من قول الله- سبحانه وتعالى-: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران:104)؟ شهادة من رب الكون بالنجاح والفلاح، بل بحصر النجاح والفلاح في تنفيذ هذا المنهج- منهج الحق- والدعوة إليه.. إن كل من يدرك مبادئ الإسلام ويفهم فضائله ويحس بقيمه وخيراته ليتساءل معنا لماذا يضيق على الدعوة الإسلامية ودعاتها، ومتى يتحررون من هذا الخناق المضروب عليهم وحدهم دون سائر المذاهب والاتجاهات الهدامة؟ بل إن السؤال يراود بعض المفكرين من غير المسلمين، وكثيرًا ما طالعناه في البحوث والدراسات المقارنة بين ماضي المسلمين وحاضرهم أو في البحوث والدراسات التي تتعرض الدراسة مفاهيم الحرية والعدل في المذاهب والدراسات السياسية والأديان، وقد يكون السؤال ظاهرًا مقصودًا، وقد يكون مطويًا ضمن تساؤلات أخرى متعددة حول المواقفوالاتجاهات العربية المعاصرة. 

ولأن الإجابة عند حكام العرب أولًا.. ولا نقول وحدهم حتى نعرف إجابتهم فستبقى مثارًا لقضايا عديدة ومشاكل كثيرة طالما بقيت الإجابة منطوية في قلوب هؤلاء الحكام.

 وإذا كان لنا أن نعجب فإن أشد العجب من كونهم لم يجيئوا إلى مناصبهم ولم يجلسوا على عروشهم قبل أن يرددوا شعارات الإسلام ومبادئه ويؤكدوا أنهم سيحررون الدعوة إلى الإسلام ويحرسونها ويدافعون عنها، بل ذهب أكثرهم إلى القول بأنه سيطبقها تشريعًا وإدارة وسياسة ونظامًا.

الأمر الذي جعل آمال الناس وعواطفهم ترتبط بهم دون غيرهم حتى إذا ما وصلوا كانت أولى أوامرهم زيادة قوة الخناق، وتضييق دائرة العمل الإسلامي. إن لم تكن زيادة عدد القتلى والتوسع في المؤامرات ضد عمل الدعاة وأهليهم.

وكأن الحق والعدل والخير له عندهم مفهوم غير مفهوم وحي اللهوشرعه.

 أو كان الحق والعدل والخير يعادل سجن الدعاة وكبت الدعوة وحرمان الحياة من إدارة وتنظيم وسياسة الإسلام.

أو لعلهم يرون التحضر والمدنية في انطلاق الحيوان البشري من عقاله وتمرد الغرائز الإنسانية على القيم والمبادئ والفضائل. ولولا أن هذه الأمور قد فضحتها أحوال الدول والبلاد التي تدعي التحضر والتمدن، لقلنا: إن لهم شبهة أو عليهم غمة.

ولكنهم أدرى الناس بما ناب الحياة المدنية في كل البلاد التي تحكمها القوانين الوضعية بلا استثناء من انحلال ودعارة ولصوصية وإجرام.. فماذا إذن يحول بينهم وبين تحرير الدعوة إلى الله وترك دعاتها يعملونكغيرهم في حرية واستقلال.

إن الحيرة والقلق والشك وكل ما ينتاب عقول الباحثين عن الإجابة، ما هو إلا ذرة من جبل أو قطرة من بحر من المشاكل التي يعاني منها شباب العالم العربي، وتتبدد بسببها هممهم وجهودهم وقواهم وإمكاناتهم ولا مرجع لكل هذه المشاكل والهمومغير موقف حكام العرب من الدعوة والدعاة.

وعلى كل حال فازدواج شخصية الحاكم العربي، وانطوائها على التناقض بين القول والعمل، سيظل يخدم العروش والسلطنات، منوجهة نظر أعداء الإسلام وذوي الأفهام البليدة. لكن الحقيقة أن الإسلام وحده هو الطريق الصحيح، به يفرح المؤمنون، ويستفيد جميع المواطنين ماديًا ومعنويًا، ويسعد الحاكم براحةواستقرار الفؤاد، ولذة الإيمان. 

وحتى يقوم الإسلام كنظام يدبر كل جوانب الحياة البشرية في المجتمع العربي على شباب العرب المسلمين أن يدركوا حقوقهم في نظام الإسلام وإدارته.

كما أن عليهم أن يحسوا بواجباتهم تجاه الدعوة إلى الله قولًا وعملًا إيمانًامنهم بأن الإسلام حرية من كل سلطان غير سلطان الله وتمرد على كلالدنيا إيثارًا لما عند الله من خير على ما عند السلاطين من متاع الحياةالدنيا.

تحرير الإسلام للدعوة والدعاة:

لقد ذهب الإسلام في قضية تحرير دعاته ودعوته إلى حد لم تدركه جميع النظم الوضعية ولم تصل إلى ما يقاربه، وذلك حينما لمس جميعأسباب العبودية والخنوع والخضوع لغير الله فأزالها وأرسى قواعد التخلص منها في حياة المسلمين فردًا ومجتمعًا ودولة وأمة على النحو التالي:

ا- ضمان الحاجات الأساسية للبقاء:

فلم يزل أسلوب التحكم في حاجات الإنسان الأساسية لبقائه كالغذاءوالكساء والمأوى من أكبر وأشد وسائل كبت الأداء وتوجيهها لصالح المتحكمين فيها سواء كانوا حكامًا أو هيئات أو مؤسسات أو أحزابًا.

ولعل أظهر الدلائل على صحة هذه الحقيقة، نتائج الاستفتاءات التي تجري في كل البلاد الاشتراكية التي تحكم فيها الحزب الحاكم أو الدولة في أقوات الناس وضروراتحياتهم تحت أي شعار وباسم أية دعوى.. تلك النتائج التي تخالف طبيعة الحياة الإنسانية، وتتعارض مع واقعها الثابت.

 وإذا كنا نرى أشد الحيواناتوحشية وضراوة وأكثرها حرصًا على الانطلاق يقع في قبضة المروض، فيتحول بوحشيته وحرصه على الانطلاق، إلى مجرد أداة مستسلمة للأوامر والنواهي، راضية بالحبس المؤبد داخل قفص من حديد، لا لشيء إلا لأن المروض ربط استسلامه وخضوعه بتلبية حاجاته إلى الطعام والشراب فكيف بالإنسان الأعزل من الناب والمخلب.

من هنا رأينا الإسلام يخلص أتباعه من أي تحكم في أي حاجة من حاجات حياته الأساسية لبقائه، بجعل الحاكم مجرد منفذ لقواعد الإسلام ولمبادئه التي من أهمها تحرير أقوات الناس وضرورات حياتهم من الاحتكار والاستغلال والمضاربة والتبعية، والاستيلاء والتدويل والتأميم، وجعل مجالات الحصول على هذه الضرورات متعددة متنوعة إذا استعصى أحدها هان الآخر، وإذا أغلقت سبلها، انفتح بيت المال لسد هذه الحاجات دون حاجة إلى أمر ملكي أو قرار جمهوري أو موافقة سامية، فالمال مال المسلمين، والحكم لله رب العالمين 

وهكذا يقوم نظام الإسلام الاقتصادي على قواعد تخالف النظامين السائدين في العالم لأن الهدف هو تحرير كل فرد من أسباب صغاره ومذلته وعبوديته لغير الله.

 وبالمناسبة- أرى أن يعمل أهل الخير من أغنياء العرب على إنشاء جمعية وجامعة أهلية إسلامية يمولونهما من حسابهم الخاص لتحرير الدعاة من مرتبات حكوماتهم ويمكن أن تقوم هذه الجمعية وجامعتها على أسس تنموية، بمعنى أن تهيئ عملًا مناسبًا لكل داعية، بحيث ينال أجره على عمل، إذا أجبر على ترك عمله الأساسي بسبب دعوته.

وإذا كان هذا يحتاج إلى تفصيل أكثر فإننا نعد بالعودة إلى تفصيله مستندين إلى الكتاب والسنة وعمل السلف في مقال آخر إن شاء الله لكن المهم الآن أن ندرك أن مسؤولية أهل الخير يجب أن تتبنى قضية تحرير الدعاة من مرتبات الحكومات، حتى تتحرر الفتوى من ذل الحاجة، وقهر الضرورة المادية.

 ب- ضمان الحاجات الأساسية للأمن:

فلعل الإرهاب الذي يصاحب السلطة أو التسلط على بعض مقدرات الأمن المادية والمعنوية كانت وراء ظهور الغول المخيف للرأي الآخر في أكثر المواقف الإنسانية الفردية والاجتماعية.

ولعل أظهر المواقف دليلًا على صحة هذه الحقيقة، ما نراه الآن في أوروبا وأميركا من تأييد للصهيونية العالمية، وعداء للعرب، مع أن اليهودلا يفيدون أوروبا وأميركا بعشر ما يستفيد هؤلاء من العرب، بل إن الأضرار المادية والمعنوية التي تهدد هاتين القارتين مرجعها إلى اليهود، في حين لا يحول بينهما وبين الانهيار الكامل غير المال العربي، والجهد العربي.

والسر وراء الإرهاب الذي يصفه شاهد العيان فيقول: لا أرى أحدًا يخالفني الرأي إذا زعمت أن الفرد الأميركي يتمتع بجريات واسعة ضمنها له الدستور الأميركي، إلى أن يقول.. وبالرغم من ذلك فإن هناك موضوعًا كاد أن يكون محرمًا على الأميركيين الخوض فيه ألا وهو قضية فلسطين اللهم إلا إذا كان ما يقولونه مطابقًا بطريقة صريحة، أو مبطنة لرأي الصهاينة فيه، والأميركيون الذين لم يفطنوا لهذا التحريم، وأفصحوا عن آرائهم بصراحة، ولم تكن هذه الآراء موافقة مطابقة لأفكار الصهاينة عرضوا أنفسهم إلى ما سبق أن أسماه السناتور الأميركي «اللبناني الأصل» جيمس أبو رزق «الإرهاب الفكري» ثم يعلل سر هذا الإرهاب بسيطرتهم على وسائل الإعلام حتى يقول: «ووسائل الإعلام في أميركا وخاصة التليفزيون قد ترفع السياسيين إلى قمم الجبال، وقد تقذف بهم في ظلمات الحفر ببساطة متناهية «الدكتور علي بن طلال الجهني جريدة الرياض في27- 4- 1339 هـ». والمجتمعات العربية لا تفرق في موضوع التسلط من المجتمع الأوروبي الأميركي، إلا في مصدر الإرهاب، فإذا كان التسلط الصهيوني هناك هو المصدر، فإنه في البلاد العربية يقوم على أكتاف الحكام ويتحقق بأيديهم، وتقوم أجهزة الإعلام بالترويج له وإذاعته ونشره. 

والحل كما يقرره الإسلام إجمالًا هو تحرير الإنسان من الخوف من غير الله بضمان حقه في المعرفة الصحيحة وبيان الحق له من الباطل وإعلان الحقيقة بكل الوسائل المتاحة خاصة وسائل الإعلام.

وبشيء من التفصيل:

يعمل الإسلام بنظامه العام على تحرير الإنسان من أي سيطرة أو إكراه فكري، برفع ثقافة المسلمين جميعًا إلى مستوى الاقتناع بالفكر الإسلامي، والإيمان بقيمته وصلاحيته لإدارة الحياة الفكرية وتنشيطها، وتنمية نتائجها، فإيمان المقلد لا يصلح عند بعض الفقهاء، ومنهم أبو حنيفة بل لا بد من الاقتناع والتيقن من صحة حقائقه وفائدة قيمه ومبادئه وصلاح نظامه وإدارته، ومن هذه القاعدة ينطلق الفكر الإسلامي إلى إقناع الآخرين ودعوتهم بالحجة والبرهان والحكمة والبيان والمجادلة بالتي هي أحسن.

ولم يعط الإسلام الحاكم من البشر ولا لحزب أو هيئة، حق مصادرة الدعوة إلى دين الله. بل يوجب على الحكام المسلمين أن يحرروا الدعوة ليس في بلادهم فحسب، بل في كل بلدان العالم، ومنهم الحق في رفع سيوفهم على أعداء الإسلام إذا وقفوا في وجه الدعوة لإخراج العباد من سلطان العباد إلى عبادة رب العباد وحده، وهذا الأمر يشير إلى أهمية الجامعة الإسلامية المستقلة عن الولاء للسلطات إلا على أساس الولاء للعبادة. فأين هذا مما يجري على الساحة العربية ويمارس ضد الدعوة والدعاة إلى الحق المنادين بالانصياع لدين الله ووحيه.

 إن أبسط ما كان ينتظر من حكام العرب أن يتركوا المسلمين يمارسون دعوتهم بحرية إن لم يشجعوهم ويعاونوهم.

 لكننا نرى عداوة معلنة، وحربًا منظمة وإرهابًا مستمرًا ضد الدعوة والدعاة في كل البلاد العربية.

ويظل السؤال.. متى تتحرر الدعوة إلى الله من عداء الحكام والسلاطين العرب.

الإعلام أداة الإرهاب والتسلط:

إن الإعلام العربي الممثل لجميع الحكومات العربية، والمدعم بأموال المسلمين وجهدهم وسلاحهم يقود حملة ضارية ضد الإسلام ومبادئه وقيمه وفضائله وفي نفس الوقت لا يسمح للأفراد وبعض المجلات الإسلامية أن تكشف نوعيةهذه الحملات ودوافعها والمستفيدين منها.

فبأي وجه يرى حكام العرب هذا الواقع، وبأي دين يتعاملون معهويدافعون عنه.

 بأي وجه تلغي عقول الناس، وتطلق غرائزهم، وبأي دين تحاكم الدعوة إلى الله، وتصادر ألسنتها،بل وتقطع في أغلب الأحيان. 

إننا حتى تجيئنا الإجابة من المسؤولين لن نستطيع أن نخفي حقيقة الصلة بين وجه ودين الحكام، وبين تسلط اليهود بعددهم الضئيل وجبنهمالموروث، على مائة مليون عربي، واستهتارهم بالألف مليون مسلم.

 القضية متداخلة، والأمور متشابكة ومظاهرها الواضحة في حركة الدعوة الإسلامية المحكم عليها بالقتل والسجن والإرهاب في الدول العربية والقوانين الوضعية العربية في الوقت الذي تنتشر فيه الماسونية وتتحرك بحرية، بل وتدعم بمال وجهد وسلاحالعرب.

 نعم ستبقى أصابع الاتهام تشير إلى التعاون المشبوه بين الأفكار الهدامة والمبادئ الضالة والمذاهب المستوردة من جهة، والحرية الممنوحة لها، والأموال المصروفة عليها، والأسلحة التي تحرسها من

جهة ثانية.

 في الوقت الذي تشن فيه حرب إبادة ضد الدعوة الإسلامية وضد دعاة الحق والخير والفضيلة، وإذا كان أحد الحكام قد أعلن عن هويته الماسونية بصداقته لليهود ترى ما هي هوية الآخرين؟.

هل من مجيب يا حكام العرب؟؟؟ 

وهل لهذا من وجه غير ما تقرر الآن؟؟

 أجيبونا يا أصحاب العروش والتيجان أثابكم الله متى تحرر دعوة الحق في بلادكم؟؟

الرابط المختصر :