العنوان متي يعود الأدب إلى الأصالة والانتماء الإسلامي؟
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
مشاهدات 88
نشر في العدد 595
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
لا يزال الأدب هو الميدان الذي تتنافس كل قوى التغريب والغزو الثقافي على اقتحامه والسيطرة عليه، لأنه هو المدخل الحقيقي إلى النفس الإنسانية، وقد ركز عليه دعاة التغريب والغزو الثقافي على مدى الأجيال، واليوم نجد عددًا من المعسكرات تحاول أن تتخذ من الأدب مدخلًا إلى نحلتها وبث فكرها وإذاعة سمومها، فدعاة الفكر الوجودي ينفثون سمومهم عن طريق مجلة الآداب وحواء ومواقف، ودعاة العامية والحوار العامي والمونلوج الداخلي والشعر الحر يقدمون دراسات لا تتوقف، عن بدر شاكر السياب وخليل حاوي والبياتي ونزار قباني وأدونيس ومحمود درویش وصلاح عبد الصبور وعشرات، وهناك أصحاب فلسفة الفن وعلم الجمال (في الشعر والرواية والمسرح) وهناك تيار القوميين الاجتماعيين الذين يتركزون في جريدة النهار (يوسف الخال وأدونيس، وغادة السمان)، ويتبعهم رجاء النقاش وغالي صالح وعبد الرحمن الشرقاوي وأحمد عبد المعطي حجازي، وهم يحاولون فرض مفهوم التفسير المادي للتاريخ على السيرة وتاريخ الإسلام، وهناك التيار المادي (زكي نجيب محمود).
كل هذه التيارات تحاول أن تقتحم ميدان الأدب عن طريق القصة والرواية والشعر الحر، ودراسات التاريخ والأدب والفن، في محاولة لإدخال مفاهيم الوثنية الإغريقية والباطنية والمجوسية والفكر الشرقي الغنوصي وإحياء تراث جلجامش، ولهم إيمان مكين بالعمل على كسر قداسة اللغة وكسر قداسة النص، وقد فتح لهم الدكتور (طه حسين) وسلامة موسى الطريق إلى ذلك، فهم يحاولون إحياء أساطير جلجامش وثورة الزنج وسيرة الحلاج ودعوة القرامطة والدعوة الفينيقية، وتصوير التراث الإسلامي بصورة زائفة، كما فعل طه حسين في هامش السيرة والشرقاوي في رسول الحرية، وهدف هذا كله هو قتل روح الأصالة في الأدب العربي الحديث، وهزيمته واحتوائه في داخل مفاهيم الأممية العالمية والمادية الفلسفية والحقيقة التي لا شبهة فيها. إن هذه الفنون كلها دخيلة على الأدب العربي وهو لا يستجيب لها استجابة حقيقية، وقد تبين ذلك بوضوح اليوم بعد مرور سنوات طويلة. إن الأدب العربي لا يتقبل القصة المفتعلة ولا الأسطورية ولا التي تقوم على مفهوم الصراع؛ لأن الإسلام لا يقر الصراع ولكنه يؤمن بالتعاون والالتقاء بين العناصر والأجيال، وإن القصة التي يعرفها الأدب العربي هي القصة الواقعية، التي هي بمثابة الحادث الحقيقي الذي لا يتدخل فيه الافتعال ولا محاولة خلق المفاجأة أو النهاية المأساوية، وقد وضع الإسلام هذه القاعدة ﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ ﴾،
(الكهف: 13).
وما يزال المقال الاجتماعي والوصفي والإنشائي والتحليلي والنقدي هو دعامة النثر العربي، الذي تحرر كثيرًا من مخلفات عصور الضعف، كالسجع والجناس والمحسنات اللفظية، ورجع إلى طبيعته التي كان عليها من قبل، وكذلك الأمر في الشعر الذي أخرج من طبيعته وأصالته وأصبح يمثل تلك الحمحمات الطفيلية النزقة التي يكتبها المراهقون، والتي تصطنع الأسطورة أو الخيال الكاذب أو الخرافة المسمومة أو الصورة الغامضة المضيضبة.
ولقد أكد كثير من الباحثين أن ظهور هذه الألوان الشعبية العامية التي تمثل السذاجة والتعبير عن الأهواء والطفولة بمثابة ردة خطيرة للأدب العربي الذي كان مثابة للبلاغة، والتي تحمل حجى العقول وتجربة الأجيال وخبرة العقل الذكي.
(۲)
وفي مجال الترجمة كانت محاولات التغريب واضحة عبر عنها الدكتور حسين نصار حين قال: إن حركة الترجمة عندنا كانت تتبع هوى المستشرقين، ويقال هذا القول فيما ترجم إلى العربية وفيما ترجم منها إلى اللغات الأخرى، فهم في مجال الترجمة إلى العربية لا يهدفون إلا إلى طرح السموم التي تحملها الأفكار الوثنية الإغريقية والمادية الغربية المعاصرة، وأن يجعلوا من تعدد الترجمات للمذاهب المختلفة المتضاربة- سواء في عصور مختلفة أو بيئات مختلفة- وسيلة لإثارة روح الاضطراب والفساد العقلي والروحي في الأمم التي تترجم لها هذه الأفكار، ومن العجب أن تجد ترجمات الرأسماليين والاشتراكيين والإباحيين والوجوديين والماديين والبرهماتيين والفوضويين جميعًا مطروحة في أفق الأدب العربي بما فيها من سموم، دون أن تقدم هذه الأعمال بمقدمات تكشف أمام القارئ العربي المسلم ظروف هذه الأعمال، والأفكار التي بها ووجهة نظر الفكر الإسلامي إليها. وكأنما هي مسلمات أو حقائق أو علم بينما هي في الحقيقة أهواء الأمم والشعوب، وركام الفكر البشري الذي طارده الفكر الرباني على مدى الأجيال، والذي تفنن التلموديون في بعثه وإحيائه من جديد، نقلًا عن علم الأصنام اليوناني وعن أساطير «باخوس»، وعن مجوسية الفرس وعن خرافات الهند وغيرها، لإفساد الذوق والمزاج والنفس والعقل العربي الإسلامي.
(۳)
وهناك محاولات إحياء العاميات وإعلاء شأنها ووصفها بالعبقرية، على النحو الذي تقوم به بعض المجامع اللغوية ويتبناه عدد من خصوم الإسلام من دعاة التغريب، ولا تزال هذه الحركة تفرز دعاة للعامية بين حين وآخر، أخرهم الدكتور حسين مؤزي الذي يقول إن اللغة العربية لغة أجنبية بالنسبة للمصري وأهل المغرب، وإن العامية تخلق أدبًا محليًّا وإن اصطناعها يؤدي إلى الإحساس بالصدق، وهناك محاولات لإنكار أصالة الفكر الإسلامي على النحو الذي يذيعه الدكتور زكي نجيب محمود، وتقوَّله بأن الأمة العربية لا فلسفة خاصة بها، وأنها تستعير الثقافة والفكر الأوروبي والأمريكي في كل شيء.
وهناك محاولات استنقاص العرب وتاريخهم ودورهم على النحو الذي يردده منذ خمسين سنة توفيق الحكيم ولا يزال مصرًّا عليه.
وهناك الدعوة إلى الأدب الشعبي والفولكلور:
هذه الدعوة العريضة التي تحتضنها قوى ومنظمات بهدف إبراز أزجال وكلمات وأساطير قديمة بدعوى أنها تراث الأمم البائدة، وهي دعوة مضللة تهدف إلى انتقاص التراث الإسلامي. كل هذه الدعوات تستهدف القضاء على الأصالة التي عرفها الأدب العربي ببلاغته القرآنية، وبيانه المشرق الذي عرفت به الإنسانية نبعًا خالصًا ناجعًا لأدوائها، يرفع قدرها فوق طفولة البشرية وفوق أساطير الأمم وخرافاتها وأهوائها المضلة.
ولسوف يستطيع الأدب العربي الأصيل أن يتجاوز هذه الأخطاء والمحاذير، عندما يؤمن بأنه عنصر من عناصر الفكر الإسلامي، يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والتزامه لأمته في دفعها إلى النور وإلى الأمام متحررًا من المذاهب الضالة والتبعية المفرقة، والأساليب المدخولة التي تريد أن تخرجه عن أصالته ومضمونه وهدفه ورسالته الحقة.