; متى تمسخ الأمم، ومتى تزول؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى تمسخ الأمم، ومتى تزول؟

الكاتب محمد محمود الصواف

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1987

مشاهدات 70

نشر في العدد 826

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-يوليو-1987

جلسة مع بعض الشباب القومي
الاستفادة من معطيات الحضارة الحديثة واجبة ومسئولية، وعمل وطني، وذكاء.
ضمن مجلس مع شباب من القوميين تميزت هذه الجلسة بأن أسئلة الشباب كانت صريحة، وأن أحدهم قال لي: يا أستاذ نريد إسلامًا متطورًا، فلا ندري ألا يحتاج الإسلام إلى تطور وتجديد، وأنتم تدعون إلى هذا الدين والدنيا متطورة، وأنتم ترون كيف حالة الشعوب؟ وذكر لي بعض الحضارات، فقلت له:
 يا ولدي ويا أبنائي أقول لكم -وأنتم شباب مثقف والحمد لله-: إننا في هذه الدعوة المباركة لسنا مبتدعين ولكننا متبعون؛ لأن هذه الدعوة ربانية، وأن الذي خطط لنا المنهج والقواعد هو ربنا، وهو الله -تبارك وتعالى- وما كان الله -سبحانه-  ليتكفل برزقنا وبطعامنا وشرابنا، ويخلق لنا ما في السماء والأرض لخدمتنا، ثم يترك لنا أرواحنا ومجتمعاتنا من غير هداية ومن غير منهج، فإنه -تبارك وتعالى- كما كفل لنا طعامنا وشرابنا كفل لنا الهداية، وأرسل لنا من يعلمنا، ويخط لنا طريق السعادة في الحياة، فأرسل لنا الأنبياء هداة مصلحين تقتدي بهم الأمم بمنهج الله الذي خططوا له، ثم انظروا ماذا يقول الله -سبحانه- في أول سورة هود: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1) هذا الكتاب العظيم من يستطيع بعد هذا الإحكام وهذا التفصيل أن يقول أزيد فيه أو أنقص، أو أختار فيه كما أشاء؛ إنه شرع الله، وهو يتمشى مع مصلحتنا، ويقودنا إلى هدايتنا، وإلى سعادتنا في الدنيا والآخرة، نحن لسنا مختارين في ديننا، وإنما نسأل عن كل ما فيه ولسنا مبتدعين، فنحن نسلك طريق الهادي الأمين الذي شرح بأقواله وأفعاله سنن الله ومنهجه العظيم، فلا نستطيع أن نخرج قيد أنملة عن هذا الكتاب العظيم؛ لأن فيه الكمال المطلق، وهو منزل من رب العالمين قال -تعالى-: ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 6). واستمعوا لقصة وردت لنور الدين الشهيد هذا السلطان الإمام الذي عرف بجهاده وصدقه عندما حكم، وكان من أعدل السلاطين، فقد وضع خطة بعد أبيه لإنقاذ المسجد الأقصى من الصليبيين، فقد ذكر الحافظ أبو شامة المقدسي أن نور الدين الشهيد هذا السلطان الصالح لما ولي الحكم كانت البلاد على أسوأ حال؛ ففكر عقلاء الدولة فيما يجب لإصلاح شؤون البلاد، ورأوا أن مجرد تنفيذ أحكام الشرع عند ثبوت إجرام المجرمين ثبوتًا شرعيًا لا يكفي في قمعهم ومنعهم من المضي في إفسادهم وضلالهم، فلا بد -في نظرهم- من أحكام قاسية سياسية حتى تصلح الأحوال، فرجوا من العالم الصالح الشيخ عمر الموصلي بالنظر إلى أنه كان الناصح الأمين عند الملك نور الدين زنكي أن يوصل إلى مسامعه ذلك الرأي، فقبل الرجاء، وكتب إلى الملك يوصيه بالضرب على أيدي القائمين بأحكام صارمة دون انتظار ثبوت إجرامهم ثبوتًا شرعيًا، وبعد أن قرأ الملك الصالح وصية الشيخ كتب على ظهر الورقة: حاشا أن أجازي أحدًا بجرم لم يثبت ثبوتًا شرعيًا، وحاشا أن أتهاون في عقوبة مجرم ثبت جرمه ثبوتًا شرعيًا، ولو جريت على ما رسمته الوصية التي قدمتموها لي لكنت كمن يفضل عقله على علم الله وشرع الله، ولو لم يكن هذا الشرع كافيًا لإصلاح شئون العباد لما بعث به خاتم النبيين، وأعاد السلطان الرسالة للشيخ بعد أن كتب على ظهرها هذا التعليق، ولما اطلع الشيخ على ما فيها بكى بكاء مرًا وقال: يا للخيبة، كان الواجب على أن أقول ما قاله الملك. 
وجرى الملك على ما رسمه الشرع الشريف في تسيير الأمور فصلحت البلاد، وزال الفساد، وكتب الله النصر لهذا الملك الصالح الواقف عند حدود الله؛ فاختاره الله لهذا الجهاد العظيم، ثم جعل الله النصر على يدي وزيره صلاح الدين الأيوبي، فطرد الصليبيين، وأنقذ فلسطين، وما أحوجنا اليوم إلى قادة مثل نور الدين، وصلاح الدين، وعماد الدين زنكي، رحمهم الله.
إن لكل أمة حضارة، ولكل أمة دستور، ولكل أمة قواعد ترتكز عليها، ولكل أمة سمات تتميز بها وتحافظ عليها، وهي تبقى ما بقيت لها هذه القواعد والأسس؛ لذا فهي تجاهد من أجلها ومن أجل بقائها ومن أجل أصالتها؛ لأنها تعلم أنها إذا فقدت أخلاقها ومقوماتها وقواعد دينها ومثلها فقد مسخت وفنيت وزالت من الوجود، وإن بقي نساؤها وشبابها ورجالها، والأمة في الواقع لا تفنى فناء مطلقًا، ولكن الذي يفنى هم الأفراد؛ إذ يموتون وينتقلون إلى الدار الآخرة، أما الأمة فهي باقية ما بقيت مقوماتها ودينها وأخلاقها، وإذا قلدت غيرها من الأمم، وسارت خلفها بلا تعقل فهذا هو الزوال، وأضرب لكم مثالًا من الأمم السابقة التي سادت، ثم بادت كما يقول المؤرخون، وقد كانت لها حضارات معروفة وشخصية مستقلة، ولكنها انتهت وزالت وبادت مثل الفينيقية، والآشورية، والفرعونية، فالآشوريون انتهوا ولم يبق لهم ذكر، والعراق اليوم دولة عربية مسلمة لا ارتباط بين هذا الشعب العربي المسلم بتلك الأمة من الآشوريين، وكذا الحال بالنسبة الفينيقيين في سوريا، والفراعنة في مصر، ومثل آخر فالأندلس كانت بلادًا عربية وإسلامية، ولو بحثت في أسماء الأندلسيين لوجدت أن اسم جده الخامس محمد أو محمود، واسمه اليوم ميشيل أو جاك، فهل نستطيع أن نسمي إسبانيا اليوم وهي الأندلس دولة إسلامية عربية مع دولنا؟ لا؛ لأن دينها تبدل، وحضارتها تبدلت وأصبحت شيئًا آخر، ونحن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لنا أسماء وصفات وأحوال، فلو وجدتم شابًا قد أطال شعره وأظافره، ولبس الضيق من الثياب، وفعل المنكر لقلتم إنه من الخنافس أو الهيبيز؛ لأنه انسلخ من حضارته ومن إسلامه، فشكله تغير، وحضارته تغيرت، وأخلاقياته تغيرت؛ فمسخ وأصبح فردًا آخر انسلخ من أمته وانتمى إلى هذه الفئات الضالة، فهذه المقدمة أردت أن أذكرها لكم أيها الشباب، فالأمم ذات الحضارة العريقة لا تفرط في حضارتها، فالحضارة أمانة وواجب أهلها أن ينقلوها إلى أجيالهم الصاعدة، ونحن واجبنا أن نأخذ حضارتنا وديننا بصلابة وشدة، وأضرب لكم مثلًا من الأمم ذات الحضارة الحديثة، سأضرب أمثلة من العصر الحاضر من أمريكا وروسيا، فإن أكبر مرب في أمريكا يسمونه «جون ديوي»، إن هذا المربي يقول:
إن التربية بضاعة محلية لا تستورد ولا تصدر، وكل أمة لها تربية بذاتها تحتفظ بها وتاريخها، ويقول إننا أخطأنا حينما جثنا ببعض الإنجليز ليربوا أجيالنا؛ لأنهم انحرفوا إلى التربية الإنجليزية، ولم يوجهوا شبابنا إلى التربية الأمريكية، ولذلك استغنينا عنهم، ولن نسمح بمدرس غیر أمريكي أن يدخل مدارسنا، وهذا أيضًا ما قاله مرب سوفياتي كبير قال في کتاب أصدره عن التربية الروسية: إننا ندرس التكنولوجيا والعلوم الأخرى لأبنائنا، ونربي إلى  جانبها الفكر الشيوعي، وكل إنسان يريد أن يتحول عن الفكر الاشتراكي لن نسمح له بدخول مدارسنا، إننا نريد أن نربي إلى جانب الفكر الصناعي والطبي والهندسي التربية الاشتراكية الشيوعية التزامًا بتربية ماركس ولينين، ولن نسمح لغير شيوعي حتى من روسيا أن يدخل مدارسنا، ويربي ولو كان أجيالنا.
إخواني الشباب، إن الاستفادة من معطيات الحضارة الحديثة واجبة ومسئولية وعمل وطني وذكاء، أما نقل ثقافات الشعوب الأخرى وفكرها ومعتقداتها وتجاربها في العمل التربوي فهذا عمل غير مسؤول، وعدم قناعة بالعطاء الفكري للبلد ذاته محاولة للمسخ، لا يقدم عليها إلا الذين مسخت أفكارهم وإلا الذين يريدون مسخ أمتهم والعياذ بالله، وما يفعل ذلك إلا الضالون، ولا يفعل ذلك إلا العاجزون وغير القادرين على العطاء الصحيح.
أيها الشباب المؤمن، أنتم مسلمون، وآباؤكم مسلمون، أنتم مؤمنون فهل تريدون أن تضيعوا؟ هل تريدون أن تضيع مجدنا؟ أين مجدنا؟ وها أنتم ترون أمتنا لماذا كل هذه الاختلافات؟ إن الدين واحد والفكر واحد، والقرآن واحد والنبي واحد، والرب واحد، فإذا اجتمعنا على ديننا هذا أو اجتمعنا على ثقافتنا وعلى دعوتنا كنا أمة واحدة، فنحن إخوان أيها الإخوة لا فرق بين شرقي وغربي، ولا بين كردي وعربي الكل مسلمون، فنحن نسعى إلى الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية التي جاء بها القرآن، وجاء بها نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وكما قلت لكم القرآن الذي أحكمت آياته وفصلت من لدن حكيم عليم -حکیم خبر- حكيم جليل وضع لنا مناهج لكل شيء، فهل ترون شيئًا في الحياة لم يعالجه القرآن ولم تعالجه السنة النبوية؟ كلا أيها الإخوة فالمصيبة في الجهالة بهذه العقيدة، واسألوا ما شئتم وأنا لا أتصور أي شاب قومي إلا والإيمان في جذوره وفي أعماقه وفي قلبه وفي نفسه، فإنكم مسلمون والحمد لله، فلا بد أن نعود إلى أصالتنا ومجدنا، وإلى قرآننا وإلى شريعتنا، وإذا أردنا أن نعيش حياة حرة كريمة فلا بد أن نحافظ على ديننا ومقوماتنا وأخلاقنا ومثلنا وتاريخنا الذي كان مشرقًا، والإسلام العظيم قد سبق التطور الحضاري آلاف السنين، وها أنتم ترون أن الكلمة الأولى التي نزلت في القرآن الكريم هي: (اقرأ) والقراءة مفتاح الحضارة والعلوم.
والإسلام ألغى التمييز العنصري فلا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وساوى بين الناس، والأمة البدوية التي حل بها نقلها إلى أمة حضارة وعلم، وحولهم من رعاة غنم إلى رعاة أمم، ورفع شأن المرأة وساواها بالرجال، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: النساء شقائق الرجال، وأتى من المبادئ والأخلاق والآداب بكل ما هو عظيم يبني المجتمع الإسلامي بناء محكمًا قويًا، وانتهت الجلسة بفضل الله، وقام الشباب وهم يحمدون الله أن سمعوا مثل هذا الكلام المقنع كما قالوا.. والحمد لله.

الرابط المختصر :