; متى نقهر القمع بالمحبة ونردع العنف بالسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى نقهر القمع بالمحبة ونردع العنف بالسلام؟

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1406

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 27-يونيو-2000

بعض ما يهدف إليه الاستئصاليون وهم يحترفون قمع الفكر الإسلامي ويمتهنون علم أهله وفرسانه أن يحولوا هؤلاء الفرسان إلى كائنات مهمشة، غائبة، منزوية، في زوايا القمع والقمع المضاد، عندما يضطرونهم للدفاع المشروع عن النفس والهوية والوجود عبر مواجهة القهر بالمقاومة والاستبداد بالاستشهاد، وبذلك يخيل للرائي أن الإسلام هو العنف المضاد للعنف والرفض الرافض للاستعباد والمقاومة الباسلة للاضطهاد ولذلك يواصل أعداء الإسلام عنفهم وقهرهم واستبدادهم بحق الإسلاميين ليدفعوا بهم إلى حيث العنف المضاد، والرافض للقهر والاستبداد، وبالتالي تلوين الفكر الإسلامي المشرق الوضاء بلون واحد دون السماح لأهله بإظهار ألوانه الحضارية الزاهية الأخرى، ويظل الإسلامي محصورًا في هذه الزاوية حتى ولو أبدع في ميادين المنازلة فيما تسدل الأستار على مهمته الكبرى المتمثلة بالتغيير الاجتماعي الشامل، والتبشير الحضاري بالقيم الخيرة للعالمين والتي لا تستثني شآبيب رحمتها حتى الخصوم، والأعداء اللُّد الذين يرى حملة مشاعل النور الإسلامي أنهم بحاجة إلى الإرشاد والهداية، فتأبى أريحية الفرسان إلا إضاءة دروبهم بأشعة الحق وأنوار اليقين، ولذلك تدعوهم بحرص وتتمنى هدايتهم بصدق، وتطمح في إصلاحهم رغم سوء ما يعملون لأن حضارة الرحمة والعدل والإحسان هي الأكثر توهجًا في أنفاق الظلام، والأروع إشراقًا في ظلمات التيه والضياع، حينما تبزغ على أناس أتعبهم البؤس المادي فحولهم إلى جموع حائرة خائرة تنشد بارقة الأمل، وتعلم برؤية فجر حياة بلا حروب، وعالم بلا لغوب تعيش البشرية في أكنافها بسلام ووئام وانسجام وذلك مالا يكون بدون حضارة تحية أهلها للعالمين «السلام» حينما تخاطبهم جميعًا برفق وحنان بمنطق «السلام عليكم».

 تلك الحضارة التي يرفع رسولها العظيم ﷺ يديه إلى السماء ضارعًا من أجل أوباش جمعهم الجهل على أذاه في الطائف يدعو لهم بحنو وخشوع «اللهم ارحم قومي فإنهم لا يعلمون»، ومن هنا فالإسلاميون مدعوون لأن يبرهنوا للعالم فعلًا أنهم أكبر من الظلم الذي تجرعوا كؤوسه، وأسمى من القهر الذي يعانون عندها ننطلق بوحي من حب الحياة لا من عقدة الموت، ومن أجواء الحب لا من كهوف الكراهية، ومن فضاءات السلام لا من عذابات الحروب والآلام، ومن آفاق التسامح والوئام لا من أنفاق الحقد والانتقام، فنبشر البشرية بإشراقة غد وضيء مضيء تنتصر فيه القيم الخيرة على الشرور، والحب على العداوات والبغي والفجور، والحياة على الموت والقبور، ويحترم فيه الإنسان مكرمًا مصون الحقوق والكرامة والشعور.

وعندها تكون قد حطمنا كل جدران الحصار فنطل على الحياة بكل ألوان الحضارة الإسلامية وطيفها الشفيف وهي تحتضن الإنسان وترعاه وتفيض عليه رحمة وحنانًا، فنغيظ بها أعداءنا الذين سعوا جاهدين لأن يخفوا معالم هويتنا بقمعهم لنا ليحولنا القهر إلى جليد غاطس تحت الماء تختفي تسعة أعشار حقيقة حضارته، فلا يظهر منها إلا العشر الغاضب الرافض للعدوان وكأنه هو الإسلام ولا شيء سواه مع إيماننا بأن ذلك جزء منه لا كل ما حواه.

ومن هنا فالإسلاميون مطالبون بتمزيق شرنقة الضباب والعذاب لتبرز ألوان الرحمة وفسيفساء الأريحيات في مواقف وصحائف يقرؤها العالم أجمع ويترجمها شعارنا السياسي وكتابنا الثقافي وخطابنا العقائدي وسلوكنا السليم، وعندها سوف تمتلك أقوى أسلحة الردع والرد على القمع والاضطهاد الذي يسعى المتخندقون في أخاديد بغيه أن يلونوا حضارتنا باللون الذي يريدون لكي يثبتوا من خلاله مشروعية قمعهم لنا وأحقية عدوانهم علينا، ألا ساء ما يزرون.                 

د. خضير جعفر

الرابط المختصر :