; مثقفون وعسكر!! | مجلة المجتمع

العنوان مثقفون وعسكر!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

المثقفون اليوم أصبحوا فصيلًا من العسكر، وسرايا من الجند المدججين بالسلاح وشراذم متشنجة من السلطات وجزر من عالم الأنا المتورم، ونرجسية ضيقة من الضلال لا ينظرون حتى إلى مواطئ أقدامهم من العمى تقمصوا شخصيات الجنرالات في العالم الثالث وتزيوا بلباس الأباطرة في الأمم المتخلفة، وتركوا الحجة والمنطق وطلقوا الفكر والاحتكام إلى العقل وفقدوا الحنكة وسلامة التوجيه وكرهوا الحرية وإفساح المجال للرأي الآخر، وأصبحت توجيهاتهم أشبه بالبلاغات الحربية وإرشاداتهم ألصق بالبيانات العسكرية فتسببوا- ويفترض أنهم قادة التوجيه، في إجهاض الأمة، وعملوا وهم رموز الاستنارة على ضلال الجيل؛ ولهذا نرى أن بعضًا منهم في صحوة للضمير الغافي طالب بمحاسبة هؤلاء المثقفين فبعد ثمانية أشهر من النكسة وإبان محاكمة المسؤولين عن الهزيمة العسكرية في 1967م طالب أحمد عبد المعطي حجازي بمحاكمة المثقفين لأنهم قصروا، وهم قادة الحياة- في أداء واجبهم، وحيثيات الاتهام نقول: كان من أهم الأسباب التي أضعفت قدرة المجتمع على خوض الحرب هي غياب الديمقراطية وجهلنا بحقيقة أنفسنا، وحقيقة العدو، فالمثقفون مسؤولون مسؤولية مباشرة في هذا المجال، والحقيقة أن مثقفي العالم الثالث يحملون تبعات تخلف أممهم لأسباب كثيرة منها:

1 - لأنهم ساوموا وبقدر كبير على كلمة الحق ومالأوا بسبب الإصرار على مهادنة الباطل.

 2- لأنهم تبنوا وبمغالطة مكشوفة، وقتلوا وبجناية مدبرة روح المقاومة والكفاح في الناس.

 3- لأنهم نفخوا في أبواق النفاق، ولعبوا كدمى على المسرح، وضللوا كسحرة في الساحة.

 4- لأنهم شنقوا الناس بكلماتهم وقتلوا الأحرار بأقلامهم، وجلدوا ظهور المناضلين بصحفهم.

 5- لأنهم أضاعوا الكلمة الحرة، ووأدوا الرأي الآخر، وسحقوا الهوية الثقافية.

 6- لأنهم نصبوا أنفسهم أعداء وحكامًا، ومدعين وقضاة، وكهنة وأصحاب صكوك للغفران.

 7- لأنهم إلا من رحم ربك وهب نفسه لتدمير عقائد الأمة تطوعًا لشهوة عاجلة، أو عمالة لقوة دافعة أو لزندقة سادرة، أو لحقد على الإسلام وأهله ورَّثَ فسادًا في الطبيعة، والحقيقة أن هذا شيء لم يكن متوقعًا، وأن كثيرًا من الناس لم يكونوا يتصورون أن حقد كثير من المثقفين في أمتنا على الإسلام بمثل هذه الضراوة التي هي عليها الآن، وظن أن الارتقاء العلمي والزخم الفكري قد خفف من هذه السخائم القديمة، وبعضهم ظن أن ادعاء الوطنية والتشدق بحب الديمقراطية قد عدل من هذه الوساوس، وقال البعض الآخر لعل كثرة التطواف وإرهاق البحث في تضاعيف المذاهب الفاسدة قد نبه عندهم شيئًا من الغفلة وحرك فيهم شيئًا من العقل، وقال آخرون إن انهزام الشيوعية وسقوط الاشتراكية وانتشار فضائحها، وخروج شعوبها من الوحل الذي أغرق الجميع، والظلام الكثيف الذي لف الديار والعباد قد جعلهم يفيقون من الأوهام والأباطيل التي صاغت عقولهم وحجبت بصائرهم وجعلتهم يفيقون ويكفرون بالعمالات الفكرية والسياسية المشبوهة، ولكنهم وللأسف مازالوا على الدرب سائرين.

إن أمتنا اليوم تحتاج إلى كل صاحب فكر مخلص في ساحتها ولا بأس بمقارعة الفكر بالفكر بغير تشنج من أحد أو ظلم العقل أو تجاهل الإصلاح، كما تحتاج الأمة وبإلحاح إلى الحرية بكل معانيها ومضامينها الخيرة، وإلى كسر الأغلال والقيود وفك الرقاب من العبودية الفكرية والحزبية والتطلع إلى مستقبل الأمة، كما نحتاج وبإلحاح إلى نكران الذات ومواصلة العطاء وحسن التقدير للمبدع وتشجيع الصالح، والأخذ بيد المجتهد وإنارة العقول بالفكر الصحيح، إن الساحة العالمية اليوم في حالة تقييم لكثير من المذاهب وقد تساقطت كثير منها في الواقع وعند التجربة حتى أصبحت ساحة المذاهب المتهدمة تشبه إلى حد كبير ساحات الزلازل التي تساقطت فيها كثير من المباني المتداعية وتركتها ركامًا كان يجب أن تزال من زمان بعيد، ونحن نريد من مثقفينا أن يقوموا وبأنفسهم بحملة تقييم وانتصار للحق ودحر للباطل حتى يكون مثقفو الأمة روادًا لها والرائد لا يكذب أهله، ولا يغش قومه وحتى لا يكون مثقفو الأمة سلطة جلد وعساكر قهر!!

 

الرابط المختصر :