; تقرير من داخل القاعة- محاكمة تنظيم الجهاد | مجلة المجتمع

العنوان تقرير من داخل القاعة- محاكمة تنظيم الجهاد

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 54

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 25-يناير-1983

• وقائع التعذيب أثارت استياء الرأي العام، وأحزاب المعارضة، وجمعيات حقوق الإنسان.

• أخطر مفاجآت المحاكمات إعلان بعض المتهمين أنهم شاهدوا بأعينهم محمد كمال السنانيري وهو يقتل.

• الدفاع يطلب إخلاء سبيل المتهمين، وبطلان الاعترافات، والتحقيق في وقائع التعذيب.

° بدأت محكمة أمن الدولة العليا -منذ ٤ ديسمبر الماضي، برئاسة المستشار عبد الغفار محمد أحمد، وعضوية المستشارين جمال فؤاد، وإبراهيم عبد السلام- بدأت في نظر قضية «تنظيم» الجهاد المتهم بمسؤوليته عن أحداث أسيوط التي وقعت صباح عيد الأضحى قبل الماضي (8/۱۰/1981)، بعد اغتيال الرئيس السادات بيومين فقط، بلغ عدد المتهمين (۳۰۲) متهمًا، توفى منهم اثنان، ومازال (۲۰) هاربين، طالبت النيابة بعقوبة الإعدام لجميع المتهمين، عدا آخر ثلاثة منهم، فطالبت بمعاقبتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، بينما طالب الدفاع بإخلاء سبيل المتهمين على أساس انعدام أوامر الضبط، وسقوط أوامر الحبس، وطالب بإعلان بطلان التحقيقات التي أجريت معهم لنفس السبب، كما ركز الدفاع على طلب قيام هيئة المحكمة بالتحقيق فيما ورد من بلاغات خاصة بتعذيب المتهمين.

عقدت المحكمة عشر جلسات علنية حتى ٣٠ ديسمبر، تم فيها تسجيل أسماء المتهمين وإعلانهم بالتهم الموجهة إلى كل منهم على حدة، وتلاوة قرار الاتهام الذي أعدته النيابة العامة، بالإضافة إلى تقديم طلبات الدفاع عن المتهمين.

اتخذت الجلسات طابعًا قانونيًا بحتًا، حتى لا تتهم المحكمة بعدم الهيبة، وحتى لا يأخذ المتهمون موقفًا معاديًا للهيئة، وبالتالي فقد نجحت المحكمة في امتصاص غضب الأفراد المتهمين عندما سمحت في جلسات الإجراءات لكل متهم بالحديث لمدة ثلاث دقائق، يسرد فيها ما يشاء، وهي تعلم مسبقًا أن مدار الحديث سوف يكون عن وقائع تعذيب المتهمين داخل السجون، مما ساعد على خلق تيار من الرضى بين المتهمين والمحامين وأهالي المتهمين، بدأ المتهمون في سرد وقائع التعذيب والتي اتهم فيها وزير الداخلية اللواء محمد نبوي إسماعيل، وعدد آخر من ضباط ومأموري السجون.

وقائع التعذيب:

أخطر مفاجآت الجلسات هي إعلان بعض المتهمين أنهم شاهدوا المعتقل الأستاذ محمد كمال السنانيري وهو «يقتل» بأعينهم، وهو واحد من كبار رجالات جماعة الإخوان المسلمين، ولكن المحكمة لم تلتفت إلى هذا الأمر؛ لأن السنانيري لم يكن متهمًا ضمن أعضاء تنظيم الجهاد، بالإضافة إلى أن النيابة قد أغلقت باب التحقيق في هذه القضية بدعوى أنه مات منتحرًا، إلا أن هذا الخبر استلفت نظر الرأي العام الذي لم يصدق خبر الانتحار مطلقًا، لاسيما على رجل تهمته دينية بحتة، فهل يفتح باب التحقيق مرة أخرى في هذه القضية، أم يُهال عليها التراب كما هي العادة؟ لا أدري، وقد شهد أكثر من متهم على واقعة قتل من أثر التعذيب، وبلغ عددهم حسب أبسط الأقوال أربعة، من بينهم الأستاذ كمال السنانيري، هذا وقد برز من الأسماء المتفق عليها في وقائع التعذيب اسم العقيد صفوت جمال الدين، والعميد محسن السرساوي، وكلاهما يعمل بوزارة الداخلية بوظيفة مأمور سجن، وكذلك ممدوح الجميل مأمور سجن «المرج» سابقًا، ويتساءل المراقبون: ما الذي يدفع رجال كهؤلاء لممارسة التعذيب بالرغم من أن عملهم بعيد عن وقائع القضية؟ والإجابة على هذا السؤال غير مفهومة.

يقول المتهم أحمد حسن حسين: جردت من ملابسي تمامًا، وعرضت للفعل الشنيع الذي لا يفعله إلا الأقذار، قام بتعذيبي صلاح نيازي بإشراف الوزير السابق محمد نبوي إسماعيل، ومساعد وزير الداخلية بأسيوط في ذلك الحين اللواء زكي بدر (محافظ أسيوط حاليًا)، وكادوا أن يفعلوا بأمي حيث أتوا بها وبإخوتي، ويقول المتهم محمد ياسين همام عذبت والدتي لمدة (٣٤) يومًا، وأخوي جمال وأحمد لمدة عام، عذبت بهتك العرض، وأنا ووالدتي أمام أخوي، وعذبت من وزير الداخلية السابق بالتهديد «بالتمزيق إربًا». ويقول المتهم أيمن أحمد عيسى - 28 سنة - أمين شرطة بمديرية أمن الجيزة: قبض عليَّ يوم 16/١٠/81، من مكتبي ومقر عملي، وجردوني من ثيابي تمامًا، وقيدوني بالحديد من يدي وقدمي، وذهبوا بي إلى سجن القلعة حيث ألبسوني بذلة الإعدام، ووضعوني في زنزانة مملوءة بالبراز، ليس فيها مكان للوقوف بعيدًا عنه، وأرسلت إلى سجن ليمان طرة في 31/10، لكي أشاهد وقائع التعذيب على زملائي، كانوا يحضرونني من زنزانتي للتعذيب، ويقولون إن هذا أمر نبوي إسماعيل شخصيًا».

وقد تضمن كلام عدد آخر من المتهمين إشارة إلى ما تعرضوا له من تعذيب هم وأسرهم من ضرب، وسحل، وإطفاء للسجائر في أجسامهم، والتعريض للموجات الكهربية والماء البارد.

هذا، ويؤكد الظاهر العام من الأحوال أن المحامين أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين سوف يصرون على التحقيق في قضايا التعذيب أولًا وقبل الفصل في الموضوع لتحقيق هدف -كما قال أحد المحامين- وهو استبعاد مجمل الاعترافات التي تمت -وذلك لحدوثها على إكراه- مما يخفف كثيرًا من عبء الدفاع.

المباحث داخل المحكمة:

لاحظ بعض المتهمين أن هناك من يسجل أسماءهم وأقوالهم داخل المحكمة من غير الجهة المختصة، وأشاروا إلى هيئة المحكمة إلى بعض الأشخاص، وتبين للمحكمة عقب سؤالهم أنهم من ضباط المباحث البارزين والمخابرات (نقيب إيهاب عبد الرحمن، وعقيد م. علي أحمد سعيد، والضابط حاتم محمد نجيب) أحدهم ضابط بمديرية أمن القاهرة، والثاني في قسم مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية، والثالث ضابط بالمخابرات العامة، صادرت المحكمة الأوراق التي كانوا يسجلون فيها أقوال المتهمين، وأمرت بإخراجهم من القاعة، وخلال الاستجواب تسلل عدد آخر منهم بسرعة إلى خارج القاعة، وأصدرت المحكمة قرارها بمنع دخول ضباط المباحث قاعة الجلسة، أو الوقوف خارج القاعة خلف زنازين المتهمين، وحصر الحضور بالنسبة لرجال الأمن على قوة الحراسة المصرح بدخولها من هيئة المحكمة، والذي استلفت النظر إلى النيابة كانت تدافع عن تواجد الضباط فضلًا عن سرية أسمائهم، هذا وقد اتهمت النيابة الـ (٣٠٢) متهمًا بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة عن طريق تشكيل تنظيم إرهابي، بالإضافة إلى قتل (4) ضباط، و(٦٢) جنديًا، و(۲۱) مواطنًا، ومحاولة قتل (١٥) ضابطًا و(۱۰۹) جنود، و(۳۲) مواطنًا في أحداث أسيوط، كما اتهمتهم أيضًا باحتلال المنشآت العامة، وتخريبها، ونهب الأموال، وقطع الخطوط التليفونية، وتمويل التنظيم بالسرقة، بناء على فتوى أميرهم (برأته المحكمة في قضية السادات) وقتل (6) من الصياغ لنهب محالهم وحيازة الأسلحة والمفرقعات، وهي جرائم عقوبتها الإعدام.

وقد طلب الدفاع ضم ملفات القضايا السابقة التي تتشابه مع هذه القضية، منها: الفنية العسكرية (٧٤)، والجهاد (۷۷، ۷۹)، والتكفير والهجرة (۱۹۷۷م)، وقضية حادث المنصة، بالإضافة إلى إخلاء سبيل المتهمين، والتحقيق في وقائع التعذيب، وطلب الدفاع مهلة ثلاثة أشهر للاطلاع على ملف القضية، والذي بلغت صفحاته (١٨) ألف صفحة، وتم تخفيض ثمنه من ألف جنيه إلى خمسمائة فقط.

وفي الجلسة الأخيرة طلب من المتهم واسمه عصام القمري الكلمة حيث قال: إننا نعتبر أن العدوان الشيوعي الوحشي ضد الشعب المسلم في أفغانستان، يفرض علينا وعلى كل مسلم الانضمام لصفوف المسلمين هناك، وتقديم العون لهم، ونحن نطلب تمكيننا من الانضمام إلى المسلمين هناك لتحرير قطر إسلامي، وقد تأجلت الجلسات حتى (5) يناير للفصل في طلبات هيئة الدفاع السابق ذكرها، تمنح بعدها المحكمة فرصة زمنية للدفاع للاطلاع على ملف القضية، ويرى بعض المحامين أن هذه المحاكمة قد تمتد إلى سنة كاملة.

المحاكمة تجرى في أرض المعارض بمدينة نصر بالقاهرة في إحدى القاعات التي بنيت لهذا الغرض، وبها عدد من الأقفاص لتسع هذا العدد الكبير نوعًا (۲۸۰) من المتهمين، والجدير بالذكر أن وقائع التعذيب أثارت استياء الرأي العام، وأحزاب المعارضة، وجمعية حقوق الإنسان، وطالبوا بالتحقيق فيها، وتوقيع العقوبة على مرتكبيها.

الرابط المختصر :