; محاولة لإثارة الشفقة على رشدي! | مجلة المجتمع

العنوان محاولة لإثارة الشفقة على رشدي!

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 955

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-فبراير-1990

•       بعد أن صار الدجال سلمان رشدي في طي النسيان، أوروبا تثير الرأي العام الأوروبي من جديد!!

«إنني أود أن أُعلِم المسلمين الأَبِيِّينَ في جميع أنحاء العالم أن حكم القتل قد صدر ضد مؤلف كتاب «آيات شيطانية» وضد كل من شاركوا في طبعه ونشره وهم على علم مسبق بما يحوي هذا الكتاب في طياته».

تلك هي الرسالة الموجزة التي قد وجهها الزعيم الإيراني الراحل الخميني إلى الأمة الإسلامية على شكل فتوى في أمر الكاتب المرتد سلمان رشدي.

وإذا تناولنا هذا الموضوع من جديد، فإن ذلك من باب تذكير القارئ المسلم أن الإعلام الغربي همَّ مؤخرًا على إثارة هذه القضية من جديد وإعطائها أبعادًا أخرى تجاوزت بعدها الديني، حيث حولها إلى قضية سياسية واجتماعية وفكرية.

ومنذ أن صدرت فتوى الخميني في شهر فبراير عام 1989، هاج الغرب وماج ووقف مدافعًا عن هذا المارق الذي دسَّ بحذائه الغليظ في ضمير حوالي مليار مسلم ونال من مقدساتهم، واستخف أيضًا بشخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى درجة الإهانة، كما نال من كرامة أصحابه الكرام وزوجاته الطيبات. ومهما انقسم العالم الإسلامي ما بين مؤيد لهذه الفتوى ومعارض لها، فإن هناك شبه إجماع على استنكار ما جاء في هذا الكتاب المشؤوم من إهانة للإسلام والمسلمين، مما أثار غضب المسلمين واستياءهم ضد الكتاب ومؤلفه. وعلى الرغم من موجات الاحتجاج والاستنكار من قبل المسلمين إزاء الافتراءات الآثمة التي وردت في هذا الكتاب... وعلى الرغم من تحفظ معظم الدول الإسلامية تجاه هذه الفتوى التي تقضي بإهدار دم مؤلف الكتاب ودم كل من شارك في نشره وطبعه وهو على علم بما جاء فيه... وعلى الرغم من أن رد فعل العالم الإسلامي قد اتسم بالهدوء والاعتدال بصفة عامة حيث لم يتجاوز حدود المظاهرات والاحتجاجات وحظر الكتاب والاستنكار لما جاء فيه، باستثناء المظاهرات الحامية التي جرت في كل من إنجلترا وباكستان والهند «كشمير» وبنغلاديش وراح ضحيتها حوالي سبعة أشخاص.. نعم على الرغم من كل هذا فقد تفاعلت ردود الفعل في الغرب الرأسمالي المسيحي والشرق الاشتراكي الذي انسلخ مؤخرًا من الماركسية، مؤيدين لهذا الكتاب ومؤلفه باسم الدفاع عن حرية الرأي والإلحاد. ولم يكتفِ الغرب بهذا بل بادر إلى قطع علاقاته مع إيران، وكشفت أجهزة الإعلام في تلك البلاد عن مناوراتها الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين رابطة مفهوم الإرهاب بالوضعية العربية والإسلامية.... التي لا تطبق حرية التعبير عن الرأي والعقيدة حسب التصور الغربي، كما صالت وجالت في هذه القضية محاولة الاستخفاف بالعقلية والذهنية العربية والإسلامية ذاهبة إلى أنها عقلية هوائية وذهنية عاطفية لا تحتمل الفكر ولا مستوياته.. بما فيها الانفجارات الإلحادية والإباحية.. ولذلك تلجأ إلى العنف العصابي!!

وبعد مرور عام على صدور فتوى الإمام الخميني، قام نائبه الإمام خامنئي بتجديد الفتوى مؤكدًا سريان مفعولها على الرغم من حملات الإعلام الغربية ضد ما تنص عليه هذه الفتوى. ولكن الجديد في هذه القضية هو أن هذه الحملات أخذت طابعًا جديدًا وتمثلت في محاولة كسب تعاطف الرأي العام العالمي لصالح المفتري الذي قد اختفى عن الأنظار في أعقاب صدور الفتوى المذكورة، وذلك بعد أن ازدادت التهديدات بالقتل ضده.

خداع

والغريب في قضية رشدي أنه بعد صمت طويل دام سنة كاملة أجرى حديثًا مطولًا تم نشره في مجلة «نيوزويك» الأمريكية و«الديلي إندبندنت» البريطانية، دافع خلالها عن روايته المثيرة للجدل مدعيًا أنه لم يقصد قط الإساءة إلى القراء المسلمين، مع أنه اعترف في نهاية الأمر بورود بعض «المغالطات» في كتابه المشؤوم الذي وصفه بأنه «عمل جاد تم تأليفه من وجهة نظر كافر، فما على المؤمنين إلا أن يقبلوه كما هو». وكما تشعب حديثه وشمل مفاهيم مثل حرية الرأي والتعبير، ثم نادى إلى التسامح الديني، ثم مضى في حديثه قائلًا: «أنا أشتاق إلى ممارسة حياتي العادية: المشي في الشوارع ودخول المكتبات والذهاب إلى دور السينما وقيادة السيارات...» إلخ...

وقد صاحب نشر هذا الحديث فرقعة إعلامية الغرض منها إثارة الشفقة لصالح رشدي الذي لم يعترف بعد بإهانته للنبي الكريم وأصحابه وولَغَهُ في أعراض أمهات المؤمنين مع كل ما صاحب ذلك من إسفاف وتجديف بحق دين حنيف يتبعه حوالي مليار مسلم.. وإذا جددت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر دعمها الكامل لهذا الملحد بحجة حماية «حرية الفكر والنشر»، فإن ذلك ليس بكثير على بريطانيا صانعة «وعد بلفور» ودولة اليهود على حساب العرب والمسلمين في فلسطين، علمًا بأن الشرارة الأولى لهذه القضية قد انطلقت من بريطانيا التي تحتضن المؤلف والتي ربته وأرضعته لبنها الفاسد ليكون ولدًا يتيمًا عاقًّا لمسقط رأسه ولدينه الأصيل.

صليبية جديدة

ومن جانب آخر، قام عدد كبير من الكتاب في أوروبا بشن حملة جديدة لصالح سلمان رشدي، وعلى رأس هؤلاء الرئيس التشيكوسلوفاكي الجديد [فاتسلاف هافيل]، وعبروا عن تأييدهم الكامل له ولكتابه. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا يصر الغرب على النفخ في نار قضية رشدي من جديد بعد أن خبت تحت الرماد.... ولماذا انضمت بعض دول الكتلة الشرقية إلى الغرب لمواجهة المسلمين في هذه المسألة... وذلك بعد أن قام الاتحاد السوفييتي بالسماح لليهود الروس بالهجرة إلى فلسطين... إن كل هذه المعطيات تفرض على المسلم أن يقف وقفة تأمل لما يُدبر حاليًا ضد المسلمين داخل «البيت الأوروبي المشترك». وإذا أصرت أوروبا في تأجيج قضية رشدي في الوقت الراهن أي بعد مرور عام على صدور فتوى الإمام الخميني وبعد أن صار الدجال سلمان رشدي في طي النسيان، فإن ذلك مجرد محاولة لإثارة الرأي العام الأوروبي وتأليبه على المسلمين لكي تتحول أوروبا- شرقها وغربها- إلى كتلة سياسية ملتهبة من وراء قناع حرية التعبير عن الرأي. وإذا ارتفعت النداءات إلى التعاطف مع مرتد زنديق في أوروبا التي تحاول تحويله إلى شهيد أو أسطورة، فإن مثل هذه المواقف ليست بجديدة علينا، إذ إن المسألة لا تكمن في أي من المؤلف [أو] المؤلَّف ولا تكمن أيضًا في فتوى الإمام الخميني، وإنما هي جزء من تلك المواجهة القديمة بين العلمانية والدين، إذ تجلَّى ذلك في قضية الحجاب التي أثيرت مؤخرًا في كل من فرنسا وبريطانيا وما صاحب ذلك من ضجة إعلامية وافتراءات على المسلمين. وسيظل هذا الصراع محتدمًا ما دام المد الإسلامي مستمرًا لأنهم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8) صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :