; محطات إيمانية في طريق التربية عام جديد.. وقلب جديد | مجلة المجتمع

العنوان محطات إيمانية في طريق التربية عام جديد.. وقلب جديد

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2018

مشاهدات 99

نشر في العدد 2123

نشر في الصفحة 60

السبت 01-سبتمبر-2018

محطات إيمانية في طريق التربية

عام جديد.. وقلب جديد

 

اتباع النبي والأخذ بسُنته والتأسي به وبصحابته من أفضل الوسائل لتجديد القلوب

طلب الثبات على الدين يعني التمتع بقلب متجدد يتصدى للفتن بقوة ويصمد أمام المغريات باستعلاء

الغفلة هي الداء الكبير للقلوب إذ تـحُول بينها وبين اليقظة فتصدأ القلوب وتظلم

من الغفلة التي تؤدي بصاحبها إلى الضياع غفلته عن الحكمة من وجوده في هذه الحياة

 

 

إيمان مغازي الشرقاوي

 

استيقظ من نومه في ذلك اليوم الأخير من أيام تلك السنة الهجرية، ليجد نفسه وقد انقضى عام من عمره، ومضت أيامه ولياليه وطويت صحائف أعماله فيها، وهو لا يدري أهو من الفائزين فيه أم لا، فزع من مجرد التفكير في الخسارة، وشعر بالخوف والرهبة، وأحس بحاجته لتجديد قلبه مع تجدد العام والأيام، ازدادت دقات قلبه وتسارعت، فعاش مع كل دقة منها لحظة صدق يحاورها في نفسه وكأنها هي الأخرى تتفهمه وتحاوره.

استرجع مع كل دقة من دقات قلبه قول القائل: «دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثوان»، وشعر بقصر العمر وسرعة انقضائه مع هذه الدقائق والثواني، وأيقن أنه إن لم يسرع فيها بإصلاح قلبه وتجديد ما خلق منه فقد يفاجئه الأجل ولمّا ينته بعد من هذا العمل الصعب! فقلبه سيد جوارحه وراعيها وهي جنوده ورعيته، وحري بالسيد الراعي أن يكون حارساً للرعية، حريصاً على صحتها وصلاحها وصيانتها، وقدوة صالحة لها لتسير على خطاه. 

وكانت نيته مع التجديد صادقة، وحري بمن أراد أن يجدد قلبه أن ينظر فيه ويفتش ليعرف هل أصابه داء من أدواء القلوب وما أكثرها، وكانت البداية معرفة الداء للبدء في الدواء، تذكر على الفور قول ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه» (رواه أحمد).

فاعلم أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بسُنته والتأسي به وبصحابته من أفضل الوسائل لتجديد القلوب، وقد روى أبو نعيم في حليته قول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: «من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة».

 

الطريق لقلب جديد

إن القلوب جميعها بيد الله سبحانه، وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، وهذا دعاء يجب ألا نغفل عنه، فطلب الثبات على الدين يعني التمتع بقلب متجدد يتصدى للفتن بقوة، ويصمد أمام المغريات باستعلاء، ويواجه الشبهات بعزة وشموخ، وقد بلغ أبو بكر رضي الله عنه في ذلك مبلغاً عظيماً، وقد وصفه ابن عباس رضي الله عنه قائلاً: «رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً، وعن الميل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً، وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً، وإليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، ولله في الغدو والرواح ذاكراً، ولنفسه بالمصالح قاهراً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وزهداً وعفافاً، وبراً وحياطة، وزهادة وكفاءة» (حياة الصحابة، للكاندهلوي). فهل ترك أبو بكر من الخير شيئاً؟!

وللتجديد في كل زمان ومكان أعداء يكرهونه، ومعوقات تعوق حركة سيره، وتحديات تقف أمامه، مما يتسبب في إيقافه أو التقليل من شأنه أو إبعاده، ومن أكبر هذه المعوقات الغفلة، وقد عرفها الجرجاني بأنها “متابعة النفس على ما تشتهيه”، حيث ينشغل العبد بنفسه فيغفل القلب عن ربه ويتلهى بدنياه عن آخرته، وعلاج القلب الغافل أن يتذكر، قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ {205}) (الأعراف)، قال قتادة: «أمَر الله بذكره، ونهى عن الغفلة» (تفسير الطبري).

فالذكر يأتي باليقظة، وكما تعين الصحبة الصالحة على الذكر والتذكّر؛ فإن صحبة الغافلين واتباع الهوى تجعل القلب غافلاً، قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً {28}) (الكهف).

ومن الغفلة التي تؤدي بصاحبها إلى الضياع غفلته عن الحكمة من وجوده في هذه الحياة، وقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56}) (الذاريات)، فقد خلقه الله وكرمه وسخر الله له الكون ليقوم بواجب العبودية ولا يغفل عنه، كما أرسل من أجله الرسل لهدايته، وأنزل له الذكر ليتذكر، وقد أمر الله نبيه وقال له: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163}) (الأنعام).

 

لا تكن من الغافلين

إن من أراد تجديد قلبه فليبدأ من الآن دون تأجيل ولا يكن مع الغافلين، وإن من الغفلة التي تؤدي إلى التسويف وترك العمل؛ طول الأمل ونسيان الموت والدار الآخرة، وهذا يجعل المرء يجري وراء راحة بدنه فينسى صحة قلبه، يمر عليه العام وراء العام وقد أهدر وقته وهو يسعى في لذات الدنيا غافلاً عن نعيم الآخرة، يذكر حسناته ويغفل عن سيئاته، يحاسب غيره ويغفل عن محاسبة نفسه، يسيء ويذنب ويغفل عن التوبة، وقد قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ {1}) (الأنبياء)، فالقلب الغافل يعيش الحياة ويغفل عن الموت، يطلب الجنة ويغفل عن العمل لها، ويعرف النار ولا يهرب منها، وقد قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ {185}) (آل عمران).

ومن الغفلة التي تميت القلب الغفلة عن طلب العلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (رواه ابن ماجة)، فكيف يقيم المسلم دينه ويتبع أوامره وهو لا يعرف حلاله من حرامه؟ وكيف يؤدي فرائض ربه وهو لم يتعلم الأداء الصحيح لها؟! أمّا تعلم القرآن الكريم، ومدارسته، ومعرفة الأوامر والنواهي فيه، وحفظه، فمن أهم الوسائل التي يتجدد معها القلب ويزهر كالسراج نوراً، لذ فإن الغفلة عن هذا لا تليق بالمسلم أبداً.

إن من الغبن الفاحش أن يغفل البعض عن معرفة أخلاق الإسلام العظيمة، والتخلق بها، والدعوة إليها وتقديمها بصورة ناصعة في المظهر والسلوك والعمل والمعاملة، وتالله إنه الشقاء بعينه والحرمان، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنزع الرحمة إلا من شقي» (رواه الترمذي وحسنه)، والرحمة فرد من أفراد منظومة الأخلاق المتكاملة.

إن البعد عن هذه الأخلاق الراقية غفلة كبيرة لها أثر سيئ ليس في قلب الغافل وحده بل وفيمَن حوله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (أخرجه البيهقي)، فالمؤمن صاحب الخلق الحسن ذا قلب يقظ إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم من خيار الناس وأحبهم إليه حين قال: «خياركم أحاسنكم أخلاقاً» (رواه الترمذي)، «إن من أحبكم إليَّ أحسنكم أخلاقاً» (رواه البخاري).

 

حقوق الغير

إن أداء الحقوق لأصحابها والعدل والإنصاف من أسباب حياة القلب وتجدد الإيمان فيه، وهذه أعمال شرعها الله وحث عليها وأمر بها، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {90}) (النحل)، نعم.. لعلنا نتذكر ولا نغفل، وإن أولى الناس بأداء الحقوق الوالدان، فلا ينبغي الغفلة عن برهما وإرضائهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا» (رواه الطبراني)، فمن رضي الله عنه حماه من الغفلة، ثم أداء بقية الحقوق من زوجة وزوج، وابن وابنة، وأقارب وأرحام، وجيران وأيتام وأرامل وفقراء ومساكين، وكل من له حق يؤدى إليه.

ومن الغفلة أن نقدم لأنفسنا في الدنيا دون تعب أو ملل، ثم نغفل عن كنز الأعمال الصالحة الجارية الأجر والثواب بعد مماتنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (رواه ابن ماجه).

بَيد أن الغفلة هي الداء الكبير للقلوب إذ تـحُول بينها وبين اليقظة، فتصدأ القلوب وتظلم، وتقسو وتبتعد، ولا يعيدها لفطرتها ويجددها إلا حسن الصلة بالله تعالى، هو مالكها ومجددها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليَخلَق في جوف أحدكم كما يَخلَق الثوب، فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم» (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

الرابط المختصر :