العنوان محفوظ النحناح للمجتمع: الخوض في العمل السياسي يتطلب فهم اللعبة السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 921
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-يونيو-1989
إن التجربة الإسلامية محكومة بالشرع أولًا وبسنن التغيير ثانيًا وبالعمل الواعي العميق الجاد ثالثًا.
إن تطبيق الضوابط الشرعية
خير ضمان لسير أي عمل دعوي أو حزبي أو اجتماعي.
العمل الإسلامي بالضغوط
يبقى ويقوى عوده، وبالحوار الهادي، وتأمين الكلمة الحرة ينتشر.
الإصلاحات التي تمت كانت
من بعض مطالب الإسلاميين فضلًا عن أنها مطالب جماهيرية.
الأستاذ محفوظ نحناح في
سطور
الشيخ محفوظ نحناح من
مواليد ١٩٤٠ بمدينة البليدة من عائلة محافظة عاشت للحفاظ على اللغة العربية
والإسلام وخدمة المجتمع.
درس على أساتذة فضلاء
وعلماء أجلاء في المدرسة التي كانت رمز الصمود أمام محاولات التذويب الغربي والتي
أسستها الحركة الوطنية -حركة انتصار الحريات الديمقراطية- المدرسة المسماة «مدرسة
الإرشاد» بالبليدة، والتي قدمت ثلة من شبابها على مذبح الحرية والاستشهاد وثلة
أخرى من أبنائها مكافحين عن اللغة العربية، لغة القرآن والإسلام دين الشعب
الجزائري بعد طرد الاستعمار من أرض الجهاد.
تابع دراسته بمراحلها
الثلاث في الجزائر، وهو يشتغل في حقل الدعوة ويمارس مهنة التدريس منذ أكثر من ٢٥
سنة.
تعرض لمحن وابتلاءات مع
مجموعة من أصحابه أثناء مناقشة مشروع الميثاق الوطني والدستور لسنة ١٩٧٦ فاعتقل
وحكم عليه بالسجن مدة عشر سنوات قضى منها حوالي خمس سنوات حيث أطلق سراحه مع بقية
أصحابه بعد تغيير النظام القائم.
يعمل الآن أستاذًا بجامعة
الجزائر -التي تخرج منها- حيث يدرس مادتي التفسير والسيرة النبوية.. بمعهد العلوم
الإسلامية.
مسجل بقسم الدراسات
العليا -مادة التفسير- بجامعة القاهرة.
عمل مع ثلة من إخوانه على
جمع كلمة العلماء والدعاة في «رابطة الدعوة الإسلامية». كما أسس بالتعاون مع بعض
العاملين في حقل الدعوة جمعية وطنية ذات طابع اجتماعي خيري ودعوي تدعى «جمعية
الإصلاح والإرشاد» والتي تعد رافدًا من روافد الرابطة.
متزوج وأب لعشرة أولاد،
ومقيم بمدينة البليدة التي تقع على بعد ٥٠ كيلومترا غرب العاصمة.
المجتمع: في البداية نريد
أن نستوضح موقفكم من أحداث أكتوبر، ولماذا لم يشارك التيار الإسلامي في مواجهة
النظام باستثناء فصائل صغيرة هامشية.؟
الشيخ النحناح: إن
الأحداث كانت من صنع أطراف كثيرة اختلفت مشاربها واتحدت ولا نريد التحدث عن الزج
بالدعوة الإسلامية في معركة الرابح فيها هو العدو الذي يخطط ويدير المؤامرات
لإيقاد فتيل الفتنة ومنع الاستقرار، إذ حياته بذلك وبقاؤه بهذه المعارك.
المجتمع: ما هو تقييمكم
للإصلاحات التي تمت في الجزائر خاصة الواردة في الدستور الجديد؟
الشيخ النحناح: الإصلاحات
التي تمت في الجزائر كانت من بعض مطالب الإسلاميين فضلًا على أنها مطالب جماهيرية
والإسلاميون هم ضمير الأمة وهم المعبرون عن وجدانها وطموحاتها، وغيرهم هم صانعو
الفساد وغارسو معاول الهدم في الأمة ويكفي أن هناك عناصر كانت السبب في الأزمات
التي مرت بها الجزائر وهم الذين يحاول بعضهم الآن ركوب الموجة على طريقة
الانتهازيين الذين لا يهمهم سوى البقاء ولو على حساب الأمة وعلى حساب الأزمات
الحقيقية والمفتعلة.
المجتمع: كيف ترون مستقبل
العمل الإسلامي ولا سيما العمل السياسي في ضوء التطورات الأخيرة؟
الشيخ النحناح: العمل
الإسلامي كان وما زال وسيبقى إن شاء الله، والعمل الإسلامي بالضغوط يبقى ويقوى
عوده وبالحوار الهادي وتأمين الكلمة الحرة وحماية كرامة الإنسان ينتشر، وأما
الظروف الأخيرة فمع ما لها من إيجابيات وسلبيات فإنها فرصة مواتية لتأطير العمل
الإسلامي وترقية الإنسان المسلم ورفع مستواه العلمي والفكري والخلقي والسياسي
والاجتماعي والخروج به من دوائر فقهية محصورة إلى رحاب احتياجات الإنسان وتخليصه
من الأزمات المحيطة به إقليميًا وعالميًا ولعل بعض الدوائر يهمها أن يبقى المسلم
يدور في حلقات مفرغة لا تحمل هم الأمة ولا تسمح له بالتفاعل مع الحياة وتحول بينه
وبين صنع الحضارة التي تنتظر البشرية كلها من المسلم إنقاذها وصياغة برنامج يحمي
الإنسان ويرقيه ويرفعه من حضيض الجاهلية والتعفن إلى قمة المعروف والإحسان والاطمئنان.
المجتمع: ما هي
استراتيجية الاتجاه الإسلامي في المرحلة القادمة خاصة وأن الاتجاه الإسلامي كان
يعمل من قبل في أوضاع غير مساعدة!
الشيخ النحناح: إن العمل
الإسلامي يريد الوصول إلى الإنسان ويريد تحطيم كل الحواجز التي تمنعه من الوصول
إليه، وهدف مراحل الظلم والظلام هي زرع الطريق بالإشكاليات والألغام لتعطيل نمو
الدعوة النمو الطبيعي وينفقون من أجل ذلك جهودهم الفكرية والسياسية والتخطيطية
والمالية والعسكرية، فإذا حصل وجاءت ظروف سياسية مناسبة فإن العمل الإسلامي لا
يألو جهدًا للاستفادة منها وتطويعها لخدمة الإسلام والإنسان، وإن الظروف المساعدة
أو غير المساعدة لا تكون أبدًا بديلًا عن العمل ببصيرة ووعي وفهم بالأهداف
والمراحل واختيار الوسائل الملائمة ورسم الأولويات التي كثيرًا ما جرت على العمل
الإسلامي ويلات بسبب عدم فهم الأولويات وسنن التغيير بطريقة القفز على المراحل أو
بطريقة تفويت الفرص المتاحة.
المجتمع: لقد تم الإعلان
عن تكوين حزب إسلامي تحت اسم «المجموعة الإسلامية للإنقاذ» كما تم الإعلان عن
التحضير لتكوين «رابطة الدعوة الإسلامية» كما قمتم بالإعلان عن تكوين جمعية
«الإرشاد والإصلاح» ما هي العلاقة الموجودة بين هذه الجمعيات؟ وما هو موقع كل
واحدة منها في ساحة العمل الإسلامي؟
الشيخ النحناح: إن ساحة
العمل الإسلامي في الجزائر عريضة وفسيحة لا يكاد جهد المقلين أن يغطيها ووجود
الجمعيات والرابطات أحد وسائل التغطية ولا مانع -إذا حسنت النيات- أن يحصل الخير
على يد كل الصادقين في العمل الإسلامي.
المجتمع: لقد تم تكوين
عدة جمعيات إسلامية سواء كانت خيرية، اجتماعية، علمية أو دعوية أو سياسية: ما هي
الضمانات والضوابط التي وضعت أو التي ترونها كفيلة بمنع حدوث تصادم بين العاملين
في حقل الدعوة؟
الشيخ النحناح: إن
الإخلاص في العمل الإسلامي لله شرط أساسي لخدمة الأمة وإن تطبيق الضوابط الشرعية
خير ضمان لسير أي عمل دعوي أو حزبي أو اجتماعي، كما أن النظام السياسي القائم إن
استطاع أن يسن قوانين تمنع التصادم بين الأفراد والعاملين في أي حقل يخدم الأمة
كفيل بأن يرعى شؤون حماية الوطن، أما إذا كان الغرض دعم سياسات هي إلى قواعد
اللعبة -كما يقال- أقرب فإن الضوابط والقوانين تصبح غير مؤهلة لحماية الوحدة
والأمة وإن العمل على عدم إلغاء الآخرين مع احترام الآراء وتقدير الأشخاص والأفكار
والأهداف كفيل أيضًا بأن يفرز على الساحة ما تنتفع به الأمة.
المجتمع: هل ينوي الاتجاه
الإسلامي خوض غمار المنافسات السياسية والدخول في اللعبة السياسية وتكوين حزب
إسلامي
الشيخ النحناح: إن الخوض
في العمل السياسي يتطلب فهم قواعد اللعبة السياسية ومعرفة دهاليزها وخلفياتها
ومنحنياتها التاريخية والواقعية كما يتطلب الأمر معرفة الأساليب والوسائل والخطط
والصيغ والأخلاقيات التي يتعامل بها الآخرون، وإذا ما آنس الاتجاه الإسلامي من
نفسه قوة يستطيع بها تغيير الواقع على ضوء الإسلام والحفاظ على ذلك وجعل الأمة
مدافعًا عن هذه المكتسبات فإنه إن آنس من نفسه هذا فلا محيص من أن ينطلق متوكلًا على الله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾ (آل عمران: ١٥٩).
المجتمع: ألا ترون بأن
هذه الإصلاحات ما هي إلا وسيلة لاحتواء الحركة الإسلامية والسيطرة عليها وإحداث
الفرقة داخل صفوفها؟
الشيخ النحناح: إن الخوف
على الإسلام وحركته بقدر ما فيه من إيجابية وإخلاص فإنه أيضًا مثبط للهمم مقعد عن
العمل، وإذا كان الإسلام حركة وفاعلية ومرونة وصعوبة وقوة واندفاعًا وعقلًا وعاطفة
ومهادنة ومقاتلة ومخالفة ومخاصمة وولاء وبراء فإن هذه الازدواجية كفيلة بأن تعطي
لكل حال لبوسها بما يحفظ عليها أصالتها ويديم صراعها مع الباطل الذي تتهاوى عروشه
بالجدية والعمل والفهم.
المجتمع: كيف يمكن في تصوركم
الاستفادة بتجارب الإسلاميين في البلدان الإسلامية وكيف يمكنكم الاستعانة بالقدرات
والخبرات الموجودة على الساحة الإسلامية العالمية؟
الشيخ النحناح: إن
الاستفادة من تجارب الآخرين سواء كانت من طرف الإسلاميين أو غيرهم أمر أساسي
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَاب﴾ )يوسف: ١١١). وهذا
عن طريق المتابعة والنقد والتحليل والفرز وأخذ العبر، وإن ساحة العمل الإسلامي
فيها من التجارب الغنية التي تحتاج إلى عقل يمحورها ويستفيد مما فيها من إيجابيات
ويدفع عنها السلبيات شأنها -هنا– شأن الحركات الديمقراطية التي اقتبست من بعضها
إلى أن وصلت ما وصلت إليه.
غير أن التجربة الإسلامية
محكومة بالشرع أولًا وثانيًا بسنن التغيير وثالثًا بالعمل الواعي العميق الجاد.
المجتمع: ألا ترون بأن
فتح المجال أمام الاتجاه الإسلامي للعمل في مختلف النشاطات يشكل خطرًا أو تحديًا خاصة
إذا علمنا بأنه ليس للاتجاه الإسلامي القدرات والإمكانيات الكافية لتغطية متطلبات
هذه المرحلة ثم ألا تخشون بأن هذه المستجدات الجديدة قد تستهلك طاقات تكون على
حساب المهمة الأساسية للحركة الإسلامية ألا وهي التربية والتكوين؟
الشيخ النحناح: لا حرب
بدون تضحية ولا نصر بدون صبر ولا صبر بدون فهم لمعاني الصبر، وإن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بقدر ما كان على دراية بمستجدات عصره وصراعات خصومه وخلفيات
أعدائه، وما زج بأصحابه في معركة يدرك من البداية فشلها أو هزيمته فيها وكانت
عنايته بالتربية وألوانها أساس عمله ودعوته وما كاد يفارق الدنيا حتى وجدنا قدرات
هائلة من الصحابة لهم من المؤهلات ما يجعلهم يقودون الدنيا بأسرها وليس منطقة
جغرافية محدودة أو طبقة اجتماعية محدودة والرسول هو المتأسى به في كل ما ينتفع به
وسياسته صلى الله عليه وسلم جعلته يدرك فن التعامل مع المقربين من الصحابة وفن
التعامل مع الأعداء المحاربين والأعداء المستأمنين وفن التعامل مع من يظن بأنه عدو
أو من يظن بأنه صديق وهكذا..
المجتمع: كيف يمكنكم
التعايش مع مختلف الاتجاهات السياسية الموجودة على الساحة أو التي ظهرت بعد
الإصلاح الدستوري؟
وهل التيار الإسلامي
مستعد للتكيف مع المنحى أو المسار السياسي للنظام الجزائري؟
الشيخ النحناح: للخروج من
الانحراف في هذه المرحلة الخطيرة لا بد من فهم خريطة السياسة المحلية والدولية
وفهم نفسيات الأفراد العاملين في الحقل السياسي والإسلامي والتعامل بلطف وتودد
معهم والتعاون دومًا على ما يتفق عليه والإعذار فيما يختلف فيه وحفز الهمم على
الإخلاص لله تعالى والقدرة على الحركة ببصيرة.
وإن التعايش الأخوي
والسلمي مع المخلصين شرط أساسي وإن الإعراض عن الجاهلين من الخصوم والإحسان إلى
مسيئهم شرط أساسي أيضًا، ولا ننس أن المعركة مع الغرب معركة وجود أو لا وجود ولأن
المعركة لصنع الحضارة الإسلامية تتطلب فنونًا وألوانًا من الصيغ المشتركة، كما هو
الشأن في قضية المحاور العربية والمحاور الإسلامية والمحاور الدولية إلا أن الروح
الانهزامية هي المانع من العمل الأصيل فإن الروح الاستعلائية بالإيمان والاعتزاز
بالشخصية الإسلامية هي المحرك لصناعة الوجود الإسلامي المنشود.
وشكر الله لمجلتكم التي
فتحت صدرها لأبناء مغربكم الأوسط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل