العنوان محمد حملي جراد الأمريكي المتهم بقيادة حماس في الخارج يروي «للمجتمع»
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1075
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
تفاصيل المسرحية الصهيونية في ادعاء القبض على
زعماء حماس في الخارج
فجرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قضية هامة في يناير الماضي حينما ألقت
القبض على مواطنين أمريكيين من أصل فلسطيني هما محمد حلمي جراد ومحمد صلاح، مدعية
أنهما ينتميان إلى قيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الخارج.
وسرعان ما وجد الإعلام العالمي في الموضوع مادة دسمة لتناول وضع حركة
المقاومة الإسلامية "حماس" والحركة الإسلامية بصفة عامة، وملأت صفحات
الصحف الغربية بالتقارير التي تتحدث عن الخطر الإسلامي القادم، حتى أني حينما أردت
العودة إلى استطلاع بعض ما كتب عن الموضوع، وجدت في مركز معلومات المؤسسة المتحدة
للدراسات والبحوث في واشنطن ملفات لا حصر لها عن القضية التي ربطها الإعلام
الأمريكي بحادث مركز التجارة العالمي في نيويورك بعد ذلك.
حيث قام بحملة تشويه واسعة ضد الإسلام والمسلمين، ولا تزال القضية
تتفاعل حتى الآن، مع إضافة سلطات الاحتلال الإسرائيلي تهمًا جديدة إلى محمد صلاح.
أما محمد حلمي جراد، فقد ثبت على موقفه في إنكار التهم الموجهة إليه، حيث حكم عليه
بستة أشهر سجنًا ثم أفرج عنه، حيث عاد إلى شيكاغو حيث يقيم بالولايات المتحدة. في
الوقت الذي لا يزال الإعلام الموالي للصهيونية مستمرًا في حملته.
وقد ذهبت إلى شيكاغو؛ حيث التقيت مع محمد حلمي جراد ودار بيني وبينه
حوار طويل حول القضية وأبعادها وما وصلت إليه الآن، ونظرًا لأن رفيقه محمد صلاح لا
يزال يحاكم أمام محاكم سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فقد نسقت معه نشر هذا الحوار،
وفي البداية حدثني عن عملية إلقاء القبض عليه، فقال:
في يوم 25 يناير وأنا أجلس في بيتي أنتظر سيارة الأجرة حتى أتفق لنقلي
إلى المطار صباح اليوم الذي يليه للعودة إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك يوم
الاثنين وكان من المفروض أن أسافر صباح يوم الثلاثاء، فوجئت بأن قوة من الجيش
الإسرائيلي والمخابرات جاءت في اتجاه البيت ما بين ثلاثين إلى أربعين رجلًا عسكريًا.
وقد تصورت في البداية أن الأمر طبيعيٌ فأهلي يسكنون في عين يبرود وهي
قرية قريبة من رام الله، ومنظر الجنود الإسرائيليين وهم يداهمون البيوت منظر مألوف
كل يوم، فحينما جاءوا إلى البيت وسألوا عن الهويات وكنت أجلس مع زوج أختي فأخذوا
من زوج أختي هويته ثم نقلوه إلى غرفة أخرى، وأنا أعطيتهم جواز سفري الأمريكي، فلما
قرأوا الاسم "محمد حلمي جراد" قالوا هذا هو الشخص المطلوب.
فقلت لهم أنا لست ساكنًا هنا، وإنما قادم من أمريكا في زيارة لمدة
أسبوعين والمفروض أن أسافر غداً صباحاً، فقالوا لا، إن التحقيق معك لم ينته ولا بد
أن تبقى لتكمل معنا. حاولت مقاومتهم لكن لم أجد فائدة من المقاومة لأن المقاومة
معناها التعرض للأذى من قبل الجيش الإسرائيلي فعصبوا عيناي = عينيّ وربطوا يديّ
بعدما أخذوا الأوراق الموجودة معي، وأخذوني على سجن رام الله.
وهناك، قالوا لي: "من تحب أن تبلغهم أنك موجود في سجن رام
الله؟"، فقلت لهم: "إني ما يجب أن أكون في السجن ولا بد أن أسافر في
الصباح"، فقالوا: "أنت لابد أن تبقى في السجن ولتعلم أن قضيتك
طويلة"، فقلت لهم: "إذن أبلغوا والدتي وأبلغوا القنصل الأمريكي بصفتي
أحمل الجنسية الأمريكية"، فقالوا: "سوف نبلغ والدتك ولا يوجد لدينا
مشكلة في ذلك، أما القنصل الأمريكي فلن نبلغه".
فقلت لهم: "لا بد من إبلاغه، فأنا أحمل الجنسية الأمريكية ولا
أعرف ما الذي سوف تفعلونه بي ولا أين ستأخذونني لذلك لا بد من إخباره"،
فقالوا لي: "يجب أن تنسى قضية القنصل الأمريكي ولا تفكر فيها لأن بيل كلينتون
نفسه لن يستطيع تقديم شيء لك. فالحكومة الأمريكية في جيبنا، وأنت الآن في منطقة
حكم عسكري، وبناءً على ذلك في إمكاننا سجنك أي مدة نراها دون أن يكون لك الحق في
إحضار محامٍ أو حتى رؤية أهلك أو رؤية القنصل الأمريكي أو غيره".
وبالفعل أخذوني إلى غرف التحقيق وهناك وضعوا على رأسي كيسًا من القماش
الثقيل ورائحته كريهة وأجلسوني على كرسي صغير حوالي ساعة ويداي موثوقتان، وذلك حتى
يشكلوا لدي نوعًا من الانهيار النفسي، وفجأة رفعوا الكيس عن رأسي فوجدت أمامي
اثنين من ضباط المخابرات، وكنت قد وصلت إلى درجة عالية من الغضب حينما رفعوا الكيس
عن رأسي فبدأت في توجيه الأسئلة إليهم، فقلت لهم: "لماذا أحضرتموني إلى هنا؟
ما الذي فعلته؟".
فصاح ضابط المخابرات وقال: "يجب أن تسكت ولا تتكلم، نحن الذين
سنسأل وعليك أن تجيب"، فقلت لهم: إذا كان لديكم شيء، فعليكم أن تواجهوني به،
فقال الضابط: أنا مسؤول قسم التحقيق في سجن رام الله وأنت سجين لدي، فعليك أن
تمتثل لما سأقوله لك. شكل هذا الأسلوب لدي نوعًا من التحدي والعناد في المواجهة.
وبعد ذلك، بدأ التحقيق.
فقالوا لي: نحن نعرف لِمَ جئت إلى هنا، ونحن نعرف أنك من قيادات حماس،
وأنك جئت إلى هنا حتى تلتقي مع قيادات حماس. ونحن نعرف كل ما فعلته هنا أثناء
زيارتك. ونريدك أن تروي لنا بالضبط كل ما فعلته قبل أن تترك الولايات المتحدة، وما
الذي صار معك في الطريق، ومن الذين التقيت معهم أثناء وجودك هنا.
فنفيت هذه التهم عني، وقلت لهم: إني في زيارة إلى عائلتي هنا، ومن
الطبيعي أن أزور كثيرًا من الناس، أو يزورني الناس، وكل من زرتهم أو التقيت معهم
هنا شخصيات عامة في أوضاع اجتماعية جيدة، فهم إما أساتذة جامعات أو أئمة مساجد، أو
غيرهم من الشخصيات الأخرى، ولم أفعل شيئًا يخالف القوانين، وكل ما قمت به هو أعمال
خيرية وإنسانية وأعمال عامة. إلا أنهم رفضوا كلامي، وقالوا: "لا بد أن تروي
لنا ما وراء هذه المقابلات".
فقلت لهم: "أنا ليس لدي أكثر من ذلك، وما دمتم تقولون إن أمريكا
في جيبكم، فلا تتوقعوا مني إذًن أن أقول كلمة واحدة أكثر من ذلك". فاستخدموا
معي أساليب الترغيب والترهيب، وتناوب المحققون عليّ كل منهم يأتي بأسلوبه. وأسمعوني
شتائم، وضربوني، ومنعوني ثلاثة أيام من تناول العلاج اليومي الذي أتناوله للقلب،
ومنعوني كذلك من النوم ثلاثة أيام بلياليها.
وهددوني بأهلي وأولادي وهددوني بالقتل والسجن المؤبد، حتى أعترف
بالتهم التي وجهوها إلي، والتي تتلخص في أني أحد قيادات حماس في الخارج، وأني جئت
للالتقاء بالقيادات هنا. لكني أصررت على نفي هذه التهم عني. وحينما يئسوا مني، ظل
ضغطهم النفسي علي مستمرًا، وذلك من خلال استمرار التعذيب، مما أدى إلى تدهور حالتي
الصحية، ونقلت إلى غرفة الإنعاش أكثر من مرة.
ثم بقيت شهرًا كاملًا في المستشفى، وحينما يئسوا من التحقيق معي،
خففوا التهم. عني من مسؤول التنظيم في حماس إلى محاولة تقديم خدمات لحركة حماس في
فلسطين فقلت لهم إذا كنتم تعتبرون زياراتي التي قمت فيها لإخوة موجودين أو أهلي
ومعارفي هنا تعتبرونها خدمات فهذه لن أنكرها ولن أوقفها لأني كمسلم فلسطيني أعتبر
أن من أوجب الواجبات عليّ ألا أنسى شعبي أو أهلي؛ ولن أوقف دعمي لهم.
فاعتبروا هذا بمثابة اعتراف مني وطالبوا بسجني لمدة عشرين عامًا إلا
أن المحامي استطاع أن يتوصل إلى اتفاق مع المدعي العسكري الإسرائيلي للحكم بالسجن
لمدة شهور على هذه التهم قضيتها بالفعل في السجن مع حكم آخر بالسجن لمدة عام ونصف
مع إيقاف التنفيذ.
المجتمع: ما هو الدور
الذي قامت به الحكومة الأمريكية بصفتك تحمل الجنسية الأمريكية للوقوف إلى جوارك؟
محمد حلمي: خلال الأيام
الثلاثة الأولى لم يلتق معي أي شخص وفي اليوم الرابع جاءني بالفعل القنصل الأمريكي
في القدس وساعد مجيئه بالفعل في تخفيف بعض الأعباء عني وإيصال الدواء إليّ لكني
لاحظت بعد فترة أن هناك ضغطًا على الحكومة الأمريكية حتى تخفف اهتمامها بقضيتي لا
سيما بعد حدوث انفجار مركز التجارة العالمي في نيويورك فصار الاهتمام بقضيتنا شبه
معدوم.
المجتمع: ركزت وسائل
الإعلام العالمية على قضيتكم بصورة بارزة فهل التقى معك صحفيون غربيون أثناء فترة
اعتقالك.
محمد حلمي: كانت وسائل
الإعلام تتواجد بكثرة في قاعة المحكمة عند نظر القضية ولكن لأن هذه الفترة كانت
فترة التحقيق فقد منعت فيها من الحديث مع أي شخص خارجي سواء كان صحفيًا أو أحد
أفراد الأهل أو المحامي أو أي شخص فلم يكن لدي فرصة للحديث مع الصحفيين، لكن بعد
الإفراج عني دعوني إلى شيكاغو حيث التقت معي تقريبًا معظم وسائل الإعلام العالمية.
المجتمع: بعدما قضيت ستة
أشهر في السجون الإسرائيلية هل تفكر في العودة مرة أخرى إلى الأراضي المحتلة، أم
أن ما تعرضت له قد يدفعك إلى إعادة التفكير في هذا الأمر؟
محمد حلمي: أنا ولدت هناك
ونشأت هناك وفلسطين هي بلدي الأصلي وبلدي الأول وأهل فلسطين هم أهلي وأتمنى أن
أرجع ولن تثنينا أفعال الإسرائيليين كما أني لم أغير من عاداتي في إيصال المساعدات
والخدمات إلى إخواني في الأرض المحتلة ولن أغيرها إن شاء الله.