; محمد صلى الله عليه وسلم ممثل حاكمية الله في هذا الكون | مجلة المجتمع

العنوان محمد صلى الله عليه وسلم ممثل حاكمية الله في هذا الكون

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981

مشاهدات 69

نشر في العدد 540

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 25-أغسطس-1981

إذا كانت الحاكمية في هذا الكون هي لله -كما بينا في الحلقة السابقة- فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو ممثل هذه الحاكمية؛ لذلك فإن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله؛ ولذلك نجد القرآن يؤكد هذه النقطة في كثير من الآيات﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: 65). ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).

ولا يتحقق التمثيل الكامل لهذه الحاكمية إلا من خلال وضع الشريعة نصًا وروحًا موضع التنفيذ؛ وحيث إن الشريعة تشتمل على كافة مجالات التشريع (الدماء والفروج والأموال) من دقائق شؤون الفرد إلى دقائق شؤون الجماعة، كان لابد لذلك أن تكون اليد العليا لأصحابها في شكل سلطة سياسية مادية ملموسة ومحسوسة ومؤثرة ومنفذة

لذلك قاتل الرسول صلى الله عليه وسلم وغزا في سبع وعشرين غزوة: غزوة ودان، غزوة بواط العشيرة، بدر الأولى، بدر الكبرى، بني سليم، السويق، غطفان، بحران، أحد، حمراء الأسد، بني النضير، ذات الرقاع، بدر الآخرة، دومة الجندل، ذي قرد، بني المصطلق، الخندق، بني قريظة، بني لحيان، الحديبية، خيبر، الفتح، حنين الطائف وأخيرًا تبوك (انظر ابن هشام ج ٤ ص ۱۰۲۷). ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم فقط داعية للإصلاح -ولا شك أن مهمته تشتمل ذلك فيما تشتمل- وللأخلاق الفردية والمناقب المثالية لما كانت هناك ضرورة لكل هذه الدماء ولكل هؤلاء الشهداء.

هل من المعقول أن يقوم بذلك كله فقط لكي يكون الناس أكثر صدقًا وأبعد عن الخمر والميسر وكفى؟ إن مهمة محمد صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال في أتباعه أكبر وأخطر وأعظم من كل التصورات العادية المبثوثة في أذهان الناس.. كانت مهمته الأساسية لا الاصطلاح مع الأوضاع في الجزيرة العربية ولا حتى تعليقها، بل قلب الأوضاع في جميع الأرض من خلال سلطة سياسية مادية تقوم بعملية التحرير للإنسان على مستوى العالم.. تقيم العدل في حياة البشر مسلمين وغير مسلمين، وتقضي على الظلم والجور وأئمة الظلم والجور﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: 25).

 يقول الرازي في «مفاتيح الغيب» مفسرًا هذه الآية: إن المراد بالحديد هنا القوة إذ لو عصى الناس وتمردوا على الشريعة -سواء كانوا حكامًا أو محكومين- لزم استخدام السيف في وجههم. ثم ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستقر في المدينة وما كاد العام الأول للهجرة ينتهي حتى وضع دستورًا مؤقتًا لتنظيم الحياة العامة هناك (انظر نصه في مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، د. محمد حميد الله ص ۳۹).

 ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة من الناحية التشريعية السياسية وعلى علم بأحوال الناس وفهم لظروفهم وقد عرف هذا الدستور بالصحيفة أو دستور المدينة. أما أطراف هذه الصحيفة فثلاثة: المهاجرون، والأنصار ويهود يثرب، وغني عن البيان أننا لا نستطيع -كمتخصصين في علم السياسة الوضعية- أن نجد غير هذه الدولة الإسلامية في التاريخ قد قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب مما يدلل على رسوخ الفكر السياسي لدى منشئيها وعلى رأسهم المصطفى صلى الله عليه وسلم.

لقد حددت الصحيفة المذكورة المسؤولية الشخصية والبعد عن الإثارات القبلية ووجوب الخضوع للسلطة الجديدة المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وسلم وأجهزته للتصرف. واعتبرت الذين يسكنون المدينة أمة واحدة من دون الناس. وحددت موقف الرسول من شؤون الحرب والسلم وأن حرب الأفراد وسلمهم لا تؤقته القبيلة وإنما يدخل ضمن اختصاصات الدولة الجديدة وقيادتها المركزية.

نادى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الصحيفة بضرورة معاونة الدولة الإسلامية الوليدة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه.. كذلك حدد الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيفة العلاقة بين الدولة الإسلامية وقطاع اليهود الذين لا يؤمنون بدعوتها، وأسس في الجزيرة العربية -ولأول مرة في تاريخها- سلطة مركزية ترجع إليها الأمة.

 نسأل ختامًا: إذا لم يكن هذا من قبيل ممارسة الحكم، فما هو الحكم إذن؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

144

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 52

103

الثلاثاء 23-مارس-1971

لعقلك وقلبك

نشر في العدد 2106

0

السبت 01-أبريل-2017

هل تعلم أن..؟