العنوان محمد إقبال..روحانية القلب لا جفاف العقل
الكاتب أحمد فال ولد الدين
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 58
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 46
السبت 11-أبريل-2009
تحرير الإيمان من جفاف «الدرس الفلسفي» الأعمى وتخليصه من الروح «الكلامية» نال اهتمام إقبال في عصر«التعقل»
من أكثر القضايا التي اهتم بها محمد إقبال وتأمل فيها طويلًا، قضية «الإيمان الحقيقي بالله تعالى والتعلق الصادق به». وسنتناول في هذه العجالة رؤية الشاعر والفيلسوف المسلم محمد إقبال الإشكالية الإيمان بين العقل والقلب. والدكتور إقبال بما أنه كان خريج فلسفة، سلخ شبابه في دراستها، وبما أن العصر الذي جاء فيه كان عصر «تعقل» ومحاولات دائبة لرد كل شاردة إلى العقل، فقد اهتم كثيرًا بقضية تحرير الإيمان من جفاف «الدرس الفلسفي» الأعمى، وتخليصه كذلك من الروح «الكلامية» التي سلبته سر قوته ونضارة فطرته.
وجد إقبال العالم في بداية القرن العشرين مفتونًا بـ «العقل» الجاف وبالوقوف عند حدود الحس، فأخذ على نفسه أن يكفكف من غلوائه: الاعتصام بحبل الحس ضيعنا *** في الليل عن بحثنا عن شاطئ البصر
وإقبال يستعير عبارة «القلب» للتعبير عن الإيمان الفطري العملي الوثيق بينما يستخدم كلمة «العقل» إشارة إلى العقل الجامد والمادة الفلسفية اليابسة، ودائمًا ما يؤكد أن الإيمان تجربة روحية تؤيدها مبادئ العقل، لكن لا يستدل على جزئياتها بالعقل لأن عالمها الذي تتحرك فيه أكبر منه.
فالإنسان يتنازعه عالمان عالم الروحانيات المنبثق من النفحات الإلهية وعالم «الأرضيات» و«الشيئيات»، أو الطيني المبتذل المنبثق من عالم الحس المحدود .
ووظيفة الإنسان في حقيقة الأمر في هذه الدنيا إنما هي أن يسير في جهاد دائب من أجل ألا يقعد به الأرضي «الطيني» المحدود زمانًا ومكانًا، عن الروحي الأبدي الخالد.
ومحمد إقبال يريد المسلم ألا يكون «رماده الأرضي» هو ما يسيره، بل يتمنى أن يكون «قلبه» بما فيه من حرارة وحيوية ونشاط هو الذي يقوده ويهديه:
أنا أرجو ألا يقوم رمادي *** أبدًا هاهنا بتقويم قلبي
وهذا القلب إذا أضعفه الهم وأضناه الخور وتراكمت عليه الماديات الكثيفة لا دواء له البتة بالفكر الجاف، ولا بالعقل السلبي المقيد المحدود بعالمه:
خور القلب لا يداويه «رازي» *** رغم ما في كلامه من براعة
فخور القلب لدى المؤمن لا علاج له في كلام الفيلسوف المعروف «الرازي» بل شفاؤه في حصر العقل في عوالمه الخاصة به، وترك القلب يقود الإنسان في عالمه الروحي، وقد شبه إقبال رحلة القلب إلى ربه برحلة الطائر إلى عشه فيقول: «والإيمان كالطائر، يعرف طريقه الخالي من المعالم.«
الحرارة والاكتئاب:
في موضع آخر يرى أن المؤمن وسط هذا التغول المستفحل للعقل وقيمه على حساب الروحي وعالمه، لا بد له من أن يحسن استخدام السلاحين معًا، سلاح «العقل» وسلاح «القلب» من غير تصادم أو تعارض:
ما خضت طول العمر إلا وقعة *** نشبت على لغز من الألغاز
بـ «حرارة الرومي»، كنت أخوضها *** حينًا، وحينًا بـ «اكتئاب الرازي»
وترى إقبال هنا يرمز رمزًا دالًا إلى «العقل» بـ «الاكتئاب»، فيه «اكتئاب الرازي» رمز لعقلانيته مما يؤسس قاعدة لدى شاعرنا وهي أن الفكر عندما يجف ويبتعد عن عوالم الروح لا يصل بصاحبه إلى برد اليقين أو سعادة القلب، وإنما مصيره الحيرة التي لا تؤدي إلى طائل منها، وهذا هو ما عبر عنه الفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ) في أبيات تفيض حسرة وندمًا أنشدها قبيل وفاته:
نهاية إقدام العقول عقالٌ *** وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وغاية مسعانا أذىً ووبال
والعقل أقرب إلى عالم المحسوسات؛ لأنه يستمد قياساته منها، لذلك دائمًا يحتفظ بنسب «أرضي» يقعد به عن المجالات التي يتحرك فيها القلب بحرية، ولذلك يترصد عقل الإنسان قلبه للإيقاع به، وقد نقل إقبال بإعجاب قول الإمام جلال الدين الرومي بأن «العقل يترصد قلب الإنسان النابض ويحرمه ذلك الذخر من الحياة الكامنة فيه».
وهذا القلب في رحلته إلى ربه لا بد له وأن يصل في مرحلة من مراحل رحلته الخالدة إلى برد يقين يتمسك به ليكون علامة رضى المحبوب، ويتوسل إقبال إلى الله تعالى ألا يظل قلبه حائمًا معلقًا يبحث في مجالات الفكر القاحلة، وإنما يريد أن يأسره حب الله ويملك عليه قلبه وعقله:
مازال فكري في سمائك حائمًا *** فاسجنه في فلك من الأفلاك!
تأبى على ملائكية فطرتي *** أن أستمر بهذه الأشراك
الضمير المسلم:
الثنائية بين «العقل» و«القلب»، تقليد فاضح للحضارة الغربية ومحاولة لاستبدال «الحَجر» بـ «البخور»
إعلاء العقل على حساب العاطفة جعل «نداء التوحيد» كلامًا تلوكه الألسنة دون تغيير شيء في حياة الناس
وبما أن الضمير المسلم قد انقسم كثيرًا بين قوم يرخون العنان طويلًا للقلب الجموح بعيدًا عن سلطة الشرع والعقل، وبين آخرين يبالغون في التمسك بأذيال النصوص، فقد اعتبر المعركة كلها معركة «من طين»، حضر فيها كل شيء إلا الإخلاص.
ويرى أن هذه الثنائية بين «العقل» و«القلب»، تقليد فاضح للحضارة الغربية ومحاولة لاستبدال «الحجر» (في كناية عن العقل) رغم صلابته وبلادته بـ «البخور» (كناية عن القلب) بشفافيته وانسيابيته .
وهذا الإعلاء من قيمة العقل على حساب العاطفة، في رأي شاعرنا، هو الذي جعل «صرخة التوحيد» اليوم لا تهز ولا تطرب ولا تغير من حال أهلها شيئًا، بل أصبحت عبارة عن كلام تلوكه السنة لا تدرك الطاقة «الانفجارية» التي يحملها، بعكس أذان الصحابي الجليل بلال صلى عليه وسلم الذي كان يتردد في أذن الزمان، فتميد له روح الجبال الشم وتفتح به الأمصار الحصينة، لأن نفوس المسلمين حينها كانت حديثة عهد بنبعه الصافي:
أين الأذان الذي كانت تميد له *** روح الجبال؟ وأين الصعق في السور
وغياب هذا الإيمان هو الذي جعل أمة العرب وهي التي يجب أن تقود الركب مصابة بخور حرمها أن تفعل «سجودها» وتحوله إلى طاقة فعالة، فأصبحت تتمسك به في شكل «شعائر» خالية من الروح:
طفت في أمة الصحراء أسألها *** فإذا بها أمة الصحراء في خور
رأيتهم في سجود لا اتجاه له *** وماله في وجوه القوم من أثر
وبما أن إقبالًا يبكي لخلو عصره من «القلب» فإنه لا يرى دواء لهذا العالم إلا «دواء البصيرة» أما طريق «العقل» و«الفكر» المتحررين من سلطان القلب فلا يؤديان إلا إلى أودية موحشة من «الحيرة» و«الشك»:
دواء البصيرة-هذا الدواء- *** رجاؤك في كشف داء البصر
وما العقل إلا جدال العلوم *** وحرب الظنون ورجم النظر
فالبشرية أعظم من أن تكون مخلوقة لمجرد «وقفة» عابرة على هذا الكوكب مثل آلاف الحشرات بل لا بد أن تكون مخلوقة لهدف نبيل: مصيرك أرفع من وقفة *** وأول معناه ذوق السفر
وما يميز اللآلئ في قاع المحيطات هو خاصية «خلود البريق» الذي تتمتع به، وكذلك الإنسان فإن سر تميزه في هذا الكوكب إنما هو خلوده في الدار التي سيعبر إليها :
وسر اللآلي خلود البريق *** وإلا فمعدنها من حجر
وما هي جدوى هذه البشرية إذا كانت تجذب الإنسان إلى الأرض، وتمنعه من تملي عالم الروحانيات الرحب، وتصرفه إلى عالم الأشياء التي «تجذب ببريقها» الزائف لا بجاذبية جمالها غير المحسوس؟
بشرية الإنسان:
ما قيمة بشرية الإنسان إذا كان جسمه هو الذي يقوده كأي حيوان، لا توثباته الدفينة في عالم الغيب المكنون، والتي لا يستطيع التعبير عنها إلا بتأوه مكبوت، أو دمعة حارة؟
وما هي جدوى دم في العروق *** إذا كان يطفئ نار الفكر
هذا الدم يجب ألا يطفئ نار الفكر، بل العكس تمامًا يجب أن يوقد حرارة القلب، إذ ما هي جدوى هذا «الدم» المبثوث في أركان الآدمي إذا لم تمنحه خاصية الحرارة التي يتمتع بها؟
رجل يحرك قلبه دمه *** لا الفقر يحزنه ولا الجود
إياك من لم يهدهم دمهم *** سود الدماء عقولهم سود
وهناك فرق شاسع بين المؤمن الذي يسعى لرعاية قلبه، وآخر مشغول بتلبية حاجات بطنه وإشباع رغباته، وبين الرجلين يكمن الفرق بين الحرية والعبودية:
يجاهد للقلب حر الجهاد *** وللبطن صعلوك أوطانه
وذاك يحصل سر الخلود *** وهذا يموت بميدانه
ولعل من الصور الفظيعة التي رسم إقبال الحالة التفريق بين حاجات القلب وحاجيات العقل، تلك الصورة التي رسمت لحال القلب في الغرب، حيث العقل يقود الغرب إلى الانتحار في بحر العلوم الصناعية غير الإنسانية، بينما يسيره «القلب»، متعثرًا كسيفًا خلف الركب مشرفًا على الهلاك:
انظر خراب فؤاد الغرب يأكله *** وعقله في «كمال» وافر بطر
يقوده العقل في نهر يفجره *** وخلفه عقله يمشي على كدر
فصلاح شأن «العقل» لا يؤدي بالضرورة إلى عافية «الروح»، وإلا لما كانت الحضارة الغربية تعاني هذه الفجوة العميقة بين «عقلها» البطر المنطلق، وبين «قلبها» الكسيف المتعثر الحزين.
المراجع
1- ديوان محمد إقبال، الأعمال الكاملة، ديوان جناح جبريل.
2- محمد إقبال، تجديد الفكر الديني.
3- ابن كثير، البداية والنهاية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل