العنوان محمد ناصر الدين الألباني كما عرفته
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1981
مشاهدات 69
نشر في العدد 522
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 31-مارس-1981
● كان ناصر الدين وما زال كالمطر لا يبالي على أي أرض سقط
● لم يؤسس ناصر الدين جماعة خاصة للدعوة، وإنما جعل علمه للناس جميعًا، وتعاون مع الجماعات الإسلامية كافة
● مدح الناس وذمهم لناصر الدين عنده سواء!
فوجئت بالمقدمة التي قدمت بها المجتمع لعالم من علماء المسلمين، وعَلَم من أعلام الدعوة إلى الله، وشيخ المحدثين وإمامهم في العصر الراهن، ألا وهو أستاذي محمد ناصر الدين الألباني- حفظه الله وبارك في عمره- ولأول مرة فيما أظن تهتم المجتمع أن تكتب شيئًا عن ناصر الدين الذي لا يكاد يجهله مسلم يهتم بأمر الدعوة إلى الله في العصر الحاضر، ولا يستطيع أن يستغني عن مؤلفاته وتحقيقاته طالب علم معاصر، فمعظم الكتب العلمية التي يتداولها الناس الآن مصدرة بتحقيقاته، وتخريجه لأحاديثها، وبحوثه الفقهية بأيدي الناس جميعًا، كصفة صلاة النبي، وحجاب المرأة المسلمة، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وكذلك فطلاب العلم الذين نقلوا عنه وتتلمذوا على يديه، وتربوا في حلقاته وصحبته لا يحصون كثرة، وهم منتشرون في العالم الإسلامي أجمع، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. أقول فوجئت وأسفت أن تنشر المجتمع حديثًا مطولًا لناصر الدين الألباني مأخوذًا عن شريط مسجل له.
وبدلًا من أن تقدمه للناس بما يليق به كعالم جليل ومحقق فذ نفع الله الناس بعلمه وتحقيقاته، إذا بها لا تذكر عنه إلا كلام بعض الحاسدين، وليت المجتمع عندما ذكرت كلام هؤلاء وقفت موقف الحياد، بل ساقت اتهامات أولئك، كقولها: إن الشيخ ناصر أيضًا «انجرف إلى الهجوم على الإخوان في معرض هجومه على التقليد المذهبي» «وإنه لا يرى توحيدًا للمسلمين إلا وفق معتقداته الكلامية وآرائه الفقهية».. الخ والله أعلم بالسرائر والقلوب!!
موقف ناصر الدين من الجماعات الإسلامية والتنظيمات الحزبية
لم ينضم ناصر الدين طيلة حياته إلى جماعة معينة من جماعات الدعوة، ولم يعاد أي جماعة منها، ونصح لها جميعًا، ولم يدخر وسعًا في تربية شباب أي مجموعة منها، وقام بنشر العلم الشرعي بكل طاقته في كل اتجاه، ومع كل جماعة، وتلامذة الشيخ من جميع الجماعات والتنظيمات الإسلامية، فله تلاميذ وأحباب من «جماعة الإخوان المسلمين» ومن «حزب التحرير الإسلامي»، ومن «عباد الرحمن» ومن «السلفيين»، ولم ينشئ الشيخ أيضًا تنظيمًا خاصًا ولا أقام جماعة خاصة بنظام خاص، لا لعجزه عن ذلك ولا لأنه يرى أن هذا حرام وإثم، ولكن لأنه يرى أن الأولى به أن ينشر علمه للناس جميعًا، والجماعات كافة، وذلك أنه يرى أن المنهج السلفي لفهم الدين هو المنهج الكفيل بعودة المسلمين إلى الدين الحق عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا.
وناصر الدين لا يهمه أن يحمل هذا المنهج السلفي أي أناس تسموا بأي اسم.. سموا أنفسهم إخوانًا مسلمين، أو سلفيين أو تحريريين أو غير ذلك، كل همه أن يفهم هذا الدين فهما صحيحًا، وأن يطبق تطبيقًا سليمًا، وأن يكون سير الناس مبنيًا على الكتاب والسُنة الصحيحة، والشيخ ينهى عن التحزب والعصبية بأي لون وأي شكل، ويرى أن نهضة المسلمين منوطة بتعاونهم جميعًا، وتضافر جهودهم، وتوجهها في كل اتجاه في بناء العقيدة أو تصحيح العمل أو مقارعة الباطل. وكل ذلك قد ذكره الشيخ مفصلًا في دروسه ومحاضراته، وكتبه، وعلمه لتلاميذه الذين تلقوا العلم عنه.
ولكن ناصر الدين أخذ نفسه بقول كلمة الحق حيثما قدر على ذلك، وقام بنقد وتصحيح الآراء الإسلامية التي يراها مجانبة للصواب والحق، لا يجامل في ذلك أحدًا حتى نفسه ولا أخلص محبيه وأصدقاءه وإخوانه، ولا أقرانه في العلم من العلماء السلفيين، ومن غيرهم، فلا يسمع حديثا يرى أنه ضعيف إلا وبين ضعفه عنده، ولا يسمع رأيًا مخالفًا للحق إلا وكتب عنه ونبه عليه في كتبه أو دروسه، نصحًا للعامة وتنبيهًا للخاصة، وقد أنشأ بذلك حركة عظيمة للوعي الديني، وتحري الحق فيما يكتب ويقال، لا عند طائفة خاصة فقط، بل عند عامة العلماء الذين يؤخذ عنهم ويتتلمذ الناس على أيديهم، ولهذا قدمت طائفة كبيرة منهم كتبهم له لنقدها، وتصحيح أحاديثها، وبذلك استفاد بهذا المنهج عموم المسلمين، فقل استخدام الحديث الضعيف، وعظم تحري الناس للحق، وابتدأ الناس فِهم الدين بطريقة علمية مبنية على الدليل والبرهان، بعد أن كان أخذ الدين وتلقيه سائرًا بطريق التقليد والعشوائية وتجميع الصحيح مع الضعيف والشرك مع التوحيد، والهدى مع الضلال والبدعة مع السنة.
ولكن هذا المنهج النقدي العلمي الذي أخذ الشيخ نفسه به أوجد لناصر الدين مجموعات كبيرة من الحاسدين، فمجرد أن يرى أحد المتعلمين أنه نقد في رأي له، أو استدلال خاطئ إذا به ينقلب على الشيخ تجريحًا، وهكذا وجد الذين يقدمون آراءهم على قول الله وقول رسوله، ولا شك أن هذه هي سنة الله فيمن يصدع بالحق، والعجب أن ناصر الدين لا يأبه لذلك، فقد لازمته ثلاث سنوات فوجدت أن مدح الناس له ومذمتهم عنده سواء!! إنه فقط يرى أنه حامل دعوة وصاحب حق يريد إبلاغه، فإن مدحه الناس لم يقم لهم وزنًا وإن ذموه لم يغير هذا من موقفه شيئًا، بل ولا من نصحه لهم، ومحبته الخير من أجلهم، ولا نزكيه على الله، ونحسبه في ذلك كله مخلصًا دينه لله والله أعلم بالسرائر.
باختصار كان ناصر الدين وما زال كالمطر لا يبالي على أي أرض سقط، ولقد عهدته ما حجب علمه عن طالب قط، ولا جعل دروسه لمجموعة دون مجموعة، ولا حابى سلفيًا على إخواني أو تحريري. بل تلقينا العلم على يديه بالجامعة الإسلامية، فلا تكاد تنتهي محاضرته التي تستمر ساعة كاملة لفصل معين إلا ويخرج فيخرج الطلاب إليه من كل الفصول وبكل الأعمار، فلا يذهب إلى حجرة المدرسين للاستراحة وإنما يفترش الأرض في فناء الجامعة ويلتف الطلاب حوله ويدور النقاش العلمي إلى أن يأتيه المراقب فيفرق الطلاب ويأخذ الشيخ إلى المحاضرة الثانية، وهكذا إلى نهاية الدوام.. لم أشاهد الشيخ جلس قط في غرفة الأساتذة وشرب فنجانًا من الشاي كما يشربون، وفي منزله مساءً كنا نجتمع عنده من كل الجماعات ومن كل المشارب فما أعلم أنه قدم أو حابى أحدًا أو بخل بعلمه على أحد. أو جعل جماعة من الجماعات غرضًا لنقده، وهدفًا لانتقاصه، وإنما كان كل همه أن يقول الحق فيما يعرض من أسئلة أو مناقشات يزن كلامه في كل ذلك بموازين هي بموازين الذهب أشبه.
وبالرغم من أن هذا أثره على الناس وفضله عليهم إلا أن كثيرًا منهم عاداه وما انفكوا.. ونريد أن نسأل فقط: ما الحكمة التي قصدتها المجتمع من نشر مقدمتها عن ناصر الدين وما الفائدة من وراء ذلك؟ وهل ناصر الدين ليس بعالم كما زعمت لأنه لم يحفظ المتون ولم يكن له شيخ؟ وهل هذا صحيح أيضًا؟ ومن من العلماء المشهورين في نظر المجتمع الذي يحفظ المتون؟ وهل أفسد التعليم الديني إلا المتون؟ وما قولهم في الأئمة الأربعة الذين وجدوا قبل أن تؤلف المتون؟ وهل ناصر الدين ليس بداعية كما زعم الزاعمون لأنه اعترض عليه؟ ومَنْ مِنَ الدعاة لم يعترض عليه؟!
ونحب أن نقول في ختام الكلمة: إن الذين يطعنون في أمثال ناصر الدين الألباني لا يطعنون إلا أنفسهم، فالعالم الإسلامي كله يعلم من ناصر الدين؟
وليس قولك من هذه بضائره ** العرب تعرف من أنكرت والعجم
ونسأل الله أن تكون منزلته عند الله أجل وأعظم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
وعلى كل حال في تلك المقدمة التي نحن بصدد الرد عليها شبهات كثيرة نرجو أن يتسع صدر مجلة المجتمع لردنا عليها في حلقات قادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل