العنوان محنة البوسنة الألغام.. ميراث البوسنيين الدامي من الصرب
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007
مشاهدات 50
نشر في العدد 1752
نشر في الصفحة 34
السبت 19-مايو-2007
۱۸۰۰۰ حقل.. تحتوي على ١٫٥ مليون لغم. تشغل ٤٠٠كلم2
تناقص عدد الإخصائيين ورفض الصرب تسليم خرائط الألغام حالًا دون نجاح جهود ٣٩ فريقًا دوليًا
توقعات الخبراء بخلو البوسنة من الألغام في ٢٠١٠ تحتاج المزيد من الأموال والتعاون الدولي
الألغام من جملة الأهوال والمخاطر التي خلفتها الحرب في البوسنة والهرسك (١٩٩٢ - ١٩٩٥)، ويبلغ عددها ١,٥ مليون لغم، تحتل نحو ٤٠٠كلم٢ من مساحة البوسنة.. فيما تشير البيانات غير الرسمية إلى أن عددها يبلغ ٥ ملايين لغم..
٤٠٠ كلم من الألغام: وتسببت تلك الألغام في قتل أعداد كبيرة من الأطفال والمدنيين، وكذا العائدين إلى ديارهم بعد موجات التطهير والتهجير العرقي.. فتحولت الحياة في شوارع ومزارع البوسنة - بسبب جنون العدوان - إلى معاناة ومآسٍ يومية.
ورغم جهود تطهير الألغام التي تنجز ۱۰ كلم٢ سنويًا، لا يزال نحو ٤٠٠ كلم٢ ملغمة؛ في سراييفو ووسط البوسنة وفي زينتسا ترافنيك، وفي الشمال: بيهاتش ودوني فاكوف وكليوت وغيرها، كما لا يزال شرق البوسنة وسريبرينتسا مليئًا بالألغام، الأمر الذي يهدد ما يزيد على مليون وثلاثمائة ألف بوسنوي، من قبل حقول الموت المزروعة بالألغام.
أجساد ممزقة
وفي ضوء تلك الأوضاع أصبحت أنباء مقتل أطفال عائدين من المدرسة، أو يلعبون في ساحات منازلهم، من الأخبار الروتينية في وسائل الإعلام البوسنية..
من هذه النماذج الدامية؛ أثناء عودة محمد مهدوفيتش «١٦سنة» وأحمد هايريتش «١٤ سنة» ومنصور در فيشوفيتش «١٤سنة» من مدرستهم - وجميعهم من منطقة «سلادنا» قرب سريبرينيك «شرق البوسنة والهرسك» - عثروا على عبوة متفجرة غير معروفة إلى الآن. وببراءة الأطفال عبثوا بها فانفجرت، وأصيبوا جميعًا بجروح طفيفة..
ويقول خبراء الألغام: للأسف مثل هذه الأحداث أصبحت ظاهرة في السنوات العشر الأخيرة في البوسنة والهرسك، بالرغم من وجود العديد من منظمات نزع الألغام والتحذير المستمر في وسائل الإعلام من مخاطرها، إلا أن الحوادث الناجمة عن الألغام لاتزال تحصد حياة الأبرياء وتترك أشلاء البعض الآخر يعانون الإعاقة..
وقد سجلت ۱۳۹۷۱ حادثة انفجار، أوقعت ١٥۸۱ ضحية منها أطفال، منذ نهاية الحرب في ١٩٩٥م حتى الآن.
ووفقًا لبيانات مركز إزالة الألغام في البوسنة والهرسك، فقد لقي - في فترة ما بعد الحرب - ٤٨٦٨ شخصًا حتفهم، بينما أصيب ۱۷۳۸ شخصًا بجروح خطيرة وأصيب ۲۸۲۱ بجروح طفيفة.. معظمهم من المدنيين.
حقول الموت
ويقع معظم حوادث الانفجار في المناطق الريفية، التي غالبًا ما يقطنها المهجرون العائدون، عندما يبدأ الناس باستصلاح أراضيهم، أو يذهبون إلى الغابات لقطع الأخشاب.
ومما يفاقم الأوضاع وجود نحو ۱۸۰۰۰ حقل ألغام، تحوي ١.٥ مليون لغم معظمها من الألغام المتبقية التي لم تنفجر.
وقد تم حتى الآن إزالة ٨٢٤١ لغمًا و١٦٦٤ قذيفة هاون لم تنفجر، وتم تنظيف ٥٤٣ منزلًا التي عاد إليها المهجرون.
ويشير الخبراء إلى أن نحو ٨٠٪ من بقايا الألغام يوجد في الأماكن التي كانت مسرحًا للقتال..
ويؤكد «مركز إزالة الألغام» البوسني أن الألغام تم زرعها بطرق مختلفة، لا توجد طريقة منطقية يساعد على العثور عليها.
ويقول أحد خبراء الألغام: «أذكر أننا حين كنا ننظف أحد المواقع قرب مدينة «شاماتس»، كانت هناك ألغام قد وضعت فوق بعضها البعض، وقد زرعت في كل مكان، فكنا نعثر عليها معلقة على الأشجار أحيانًا».
واستنادًا إلى ما تقوله بيانات مركز إزالة الألغام البوسني فإن عدد الحوادث الناتجة عن تفجر الألغام في تزايد من عام إلى آخر منذ نهاية الحرب، وحتى اليوم.
جهل السكان المحليين
ومما يضاعف أخطار الألغام - حسبما يؤكد مركز إزالة الألغام - جهل السكان المحليين بها، فيقومون بقص الحبال أو العلامات التي وضعتها فرق التطهير حول حقول الألغام.. وكان مركز إزالة الألغام قد باشر عمليات البحث عن الألغام وإزالتها سنة ۱۹۹۷م، واكتشف أنه بعد تحديد حقول الغام، بوضع الأوتاد والحبال حول المساحة، وكان مكتوبًا عليها تحذير بوجود ألغام. وقبل أن يصل الخبراء إلى الطرف الأخير لحقول الألغام، كان السكان قد بدأوا بنزع الأوتاد من الجهة الأخرى.
ويعلق المركز في إحدى تقاريره: «لا ندري إذ كان السكان قد احتاجوا فعلًا إلى الأوتاد الخشبية لاستعمالها للتدفئة، أو كان صنيعهم عبثًا، وعدم إدراك لخطورة ما قاموا به، حيث قتل بعد ذلك ٥ أشخاص في ذلك المكان»، في الوقت الذي يردد السكان المحليون أن «إخصائي إزالة الألغام هم السبب، لأنهم لم ينظفوا المنطقة أو يحددوها، ونحن في الواقع قمنا بذلك».
وتزداد عدد الحوادث التي يذهب ضحيتها المدنيون في فصل الصيف، حيث تقل حركة الناس في الخريف، ولا يعملون في الحقول خلال فصل الشتاء، ومع قدوم الربيع يبدأ الناس بتجهيز الأراضي للزراعة، أو يذهبون للغابات لقطع الأخشاب، وحينئذ يكون الخطر أكبر واحتمال أن يطأ أحدهم على لغم أو مجموعة منهم على لغم أو أكثر واردًا.
حوادث الخبراء: معدات الوقاية تلعب دورًا مهمًا في عمل الخبراء، ورغم امتلاكهم للمعدات اللازمة.. كثيرًا ما يتعرضون الحوادث متفاوتة الخطورة، والأمر يعتمد كليًا على اللغم.
ويقول الخبراء إن تلك المعدات أنقذت حياتهم من موت محقق. ويقول خبراء الألغام في البوسنة إنهم يمتلكون معدات جيدة وعلى مستوى عال من الجودة، حصلوا عليها من قبل الأُمم المتحدة ومؤسسات أخرى، إلا أن ذلك لم يمنع من تعرضهم لانفجارات متكررة؛ فاللغم عندما يكون قديمًا يصعب فكه، وبما أن الألغام في البوسنة زرعت خلال الحرب فإن العمل يصبح معقد جدًا.
يقول عمر باشيتش أحد خبراء الألغام «للمجتمع»: كنت أعمل في مركز الأمم المتحدة لمكافحة الألغام مع زملائي، كنا نعمل على الطريق العام تريبينيا - دوبروفنيك... وكانت الألغام مزروعة بطريقة عشوائية. وفي لحظة وجدت نفسي واقفًا على لغم سرعان ما انفجر وأصبت بجروح خطيرة..
ويضيف عمر الذي فقد قدمه، أنه ليس نادمًا بسبب عمله في هذا المجال الخطير، مشيرًا: «لقد عملت من أجل منفعة كل سكان البوسنة والهرسك».
ويتابع عمر: «عندما بدأت العمل كان السبب الرئيس هو المال؛ لأننا - كخبراء ألغام - كنا نتقاضى أجورًا عالية في ذلك الوقت، ولكن بعد ذلك أحببت ذلك العمل وفهمت مغزاه، وهدفه النبيل.. وهو عمل ليس سهلًا، لأننا في الأغلب ننزع الألغام من مناطق لم تطأها قدم إنسان لعدة سنوات، أرضها مغطاة بالأعشاب البرية. وعندما يكون الخبير في حقل الألغام يجب أن يعمل في سكون تام لأن أي صوت أو حركة يمكنهما أن يقطعا تركيزه وبذلك يضع حياته وحياة باقي أفراد الفريق في خطر».
ويضيف باشيتش: «كنا نقوم بتنظيف إحدى القرى التي عاد إليها سكانها، وكانوا فقراء معدمين. وبعد أن نظفنا حديقة منزل أحد العائدين.. ذهبت زوجته إلى القرية وأحضرت بعض القهوة والسكر وصنعت فطيرة بالبطاطس ودعتنا لتناولها. فأثر فينا ذلك الموقف، وأعتقد أنه شيء عظيم فعلًا، عندما تنهي عملك وترى الناس وهم يضحكون..
وأصبح ذلك الشعور هو الدافع الأساسي لكل الخبراء، الذين قبلوا العمل وسط الموت».
ألغام في طريق التطهير
ورغم الخطورة القائمة، ومحاولات المنظمات الدولية تنفيذ خطط إستراتيجية الإزالة الألغام، إلا أن التحديات مازالت كبيرة أمام تلك الخطط، بالرغم من وجود٣٩ منظمة مختصة بإزالة الألغام في البوسنة..
لكن عدد الخبراء يختلف من يوم لآخر، فهو في تناقص تدريجي، بسبب المخاطر التي يتعرضون لها. وحسب الخطة الإستراتيجية لإزالة الألغام من البوسنة والهرسك، من المتوقع أن يتم تنظيف البوسنة والهرسك. من الألغام حتى عام ٢٠١٠م.
لكن خبراء الألغام يؤكدون صعوبة إنجاز عملية التطهير الشاملة خلال الفترة المحددة، نظرًا لتناقص عدد العاملين وقلة الموارد المالية المرصودة لعمليات إزالة الألغام، التي تتناقص من سنة إلى أخرى بدلًا من أن يكون لها معدلها الدائم.
ففي مركز البوسنة والهرسك المكافحة الألغام يعمل نحو ١٦٠ عاملًا ومختصًا، وإذا قورن هذا العدد مع الحقيقة القائلة بأن في البوسنة والهرسك نحو ١.٥ مليون لغم، تم إزالة ٨٢٤١ فقط، بما يؤكد الحاجة الماسة العدد أكبر بكثير من الأشخاص، لتنظيف ما يقرب من ٣ ملايين م٢.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1119
137
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994