العنوان محنة المسلمين في الهند.. قديمة متجددة
الكاتب حامد عبدالله
تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001
مشاهدات 74
نشر في العدد 1446
نشر في الصفحة 24
السبت 14-أبريل-2001
مستقبل غامض يواجه أكبر أقلية مسلمة في العالم
المساجد محاطة بأسوار حديدية، والهندوس يسعون لتحويلها إلى معابد
المسلمون ۲۰۰ مليون نسمة لكنهم يمثلون ٥٪ فقط في الجيش، و ٢٪ في الإدارة!
٦٠ ألف قتيل وجريح من المسلمين ضحايا الزلزال الأخير، وشكاوى من تحيز السلطات في توزيع المساعدات
لجنة الأقليات الهندية: المسلمون يعيشون تحت خط الفقر، متخلفون في المجال التعليمي بنسبة تزيد عشرة أضعاف على أقرانهم من الطوائف الأخرى
السيخ ١٧ مليون نسمة لكن تمثيلهم ١٣٪ في الجيش، و ١٤٪ في الإدارة
المتطرفون الهندوس والفقر والجهل أخطار مزمنة تواجه مسلمي الهند
مليار ونصف مليار دولار حجم التجارة العسكرية الهندية، الصهيونية، والهندوس يعولون كثيرًا على التعاون مع اليهود
لم أكن بحاجة لأتقبل اعتذارًا من الشيخ محمد إسرافيل، إمام مسجد شاهي بالعاصمة الهندية نيودلهي بعد أن أبقاني لدقائق أمام بوابة السور الحديدية المحيطة بالمسجد؛ للتأكد من هويتي، فالأيام التي قضيتها متنقلًا بين غرب ووسط وجنوب الهند في مهمة صحفية، أكدت لي حجم المعاناة التي تعيشها أكبر أقلية مسلمة في العالم كما كشفت لي بوضوح، حالة الغموض الكبيرة التي تلف مستقبل الإسلام في شبه القارة الهندية.
وبلكنة عربية مكسرة، قال لي الشيخ محمد إسرافيل: نعتذر إليك عن التأخير، ولكننا مضطرون لذلك؛ حيث نعيش ليل نهار في خوف، ونتوقع أن ينقض علينا الهندوس في أي لحظة؛ ليدمروا مسجدنا، ويبنوا فوقه معبدًا خاصة بعد أن نجحت محاولاتهم، وحصلوا على قطعة أرض كبيرة ملاصقة للمسجد؛ لبناء معبدهم عليها، لكننا ما زلنا نقاوم بدعم من مجلس السفراء العرب بدلهي.
ويعد مسجد شاهي، أو مسجد السفراء العرب، أقدم وأكبر المساجد في نيودلهي، وقد عاش المسلمون الهنود ينتظرون لسنوات طويلة ترميم المسجد الذي يعود إنشاؤه لنحو ٦٠٠ عام، إلى أن تضامن السفراء العرب، وحصلوا على دعم من مؤسسة زايد للأعمال الخيرية بدولة الإمارات؛ لترميم المسجد، ليتحول إلى منارة إشعاع إسلامية؛ حيث يتعلم في مدرسته المئات من أبناء المسلمين، وقد نجح السفراء العرب في حماية المسجد بإنشاء سور خارجي حوله، وبوابة حديدية وأصر محمد سعد رشيد - مدير مدرسة المسجد - أن يصطحبنا في جولة بحرم المسجد، مؤكدًا أن نحو ٣٥٠ طالبًا من فقراء مسلمي الهند، يقيمون بالمسجد إقامة كاملة، وقد أعدت لهم إدارة المدرسة برنامجًا تعليميًّا وترفيهيًّا، يبدأ فجرًا وينتهي بحلقات السمر بعد صلاة العشاء، وأضاف: نواجه مشكلات عديدة أبرزها نقص الأموال للصرف على الطلاب، لكننا نجاهد حتى لا ينطفئ نور الإسلام في الهندن والحمد لله سنخرج هؤلاء الطلبة الصغار دعاة للإسلام، وقد حفظ غالبيتهم أجزاء عديدة من القرآن، ونقوم حاليًا بتدريسهم الأحاديث النبوية وتعلمهم الفضائل الإسلامية، وإن توافرت لنا الأموال فسوف نعلمهم حرفًا ومهنًا، يستطيعون بها مواجهة أعباء الحياة، كما يحدث في مدرسة دار العلوم بدیوبند، التي تعد من أكبر المدارس الإسلامية التي تخرج فقهاء في الدين، وفنيين في علوم الكمبيوتر، وحاليًا توجد في كل قرية يعيش فيها مسلمون مدرسة لتعليم الإسلام، ونتمنى أن يتم تزويدنا بكتب تشرح معاني القرآن الكريم؛ حيث إن غالبية الكتب الإسلامية المتداولة حاليًا باللغة الأوردية.
تناقض كبير
ويلتقط محمد سهيل لقماني - إمام المسجد الحديث - مؤكدًا أن المسلمين يشعرون بتناقض كبير بين البرامج المعلنة والخفية للأحزاب السياسية الهندية؛ حيث تتقرب إليهم قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية بأيام قليلة، لكن بعد أن تفوز تنقلب ضدهم، وتمارس أشكالًا متعددة من التمييز العنصري.
وتعد المساجد ومدارسها الدينية الوعاء الأول، وقد يكون الوحيد الذي ينهض بمهمة ترسيخ الإسلام بين مسلمي الهند ونشره بين أتباع الطوائف الأخرى التي تعد بالآلاف، ويعد الإسلام العقيدة الثانية في الهند بعد الهندوسية، إلا أن السلطات الهندية تقلل من أعداد المسلمين؛ حيث تؤكد في إحصاءاتها الرسمية، وعلى لسان كبار قياداتها، أنهم لا يزيدون على ۱۲۰ مليون نسمة، بينما هم يزيدون على ۲۰۰ مليون.
بون شاسع
وفي أثناء تجوالك في الهند، ترصد البون الشاسع بين المعابد الهندوسية والمساجد، تجد الأولى مباني فخمة، تتسع لآلاف البشر، وتقع في وسط المدن، وتندهش حينما ترى في مدينة بومباي، وفي ميدان المهاتما غاندي 4 معابد تحيط بك، وعندما تسير نحو ٣٠٠ متر تفاجأ بمعبد خامس، ثم سادس، أما المساجد فهي صغيرة ومتهالكة، وتقع في أماكن تحيطها القذارة، وحسبما تؤكد منظمة الطلبة المسلمين لعموم الهند، فإن عدد المساجد بولايات ومدن وقرى الهند تزيد على المليون مسجد، إلا أنها صغيرة، وتتسع بالكاد لأعداد المسلمين في صلاة الجمع، ويتمسك المسلمون الهنود بقوة بمساجدهم، بما يبعث في نفس الزائر للهند لأول مرة الاطمئنان لكن سرعان ما يزول هذا الاطمئنان عند تجوالك؛ لترى الهندوس يتعمدون بناء معابدهم الفخمة بجوار المساجد أو بملاصقتها، حتى يسهل عليهم الاستيلاء عليها في المستقبل، وفي الغالب تجد المساجد محاطة بأسوار وأبواب حديدية ضخمة لحمايتها من الهندوس وما زال المسلمون يتمسكون ببقايا مسجد بابري في أيديا؛ حيث يواصلون رفع مذكرات للقضاء الهندي تثبت أحقيتهم في المسجد، وتؤكد بطلان ادعاءات الهندوس، واليوم فإن موقع المسجد ما زال تحت حراسة مشددة من الشرطة، وقد تطول قضيته أمام المحاكم لسنوات، إلا أن المسلمين يتخوفون من انقضاض الهندوس على المسجد فجأة، وبناء معبدهم على أنقاضه، وخاصة أن السلطات الهندية تغمض عينيها عن تجاوزات كثيرة يرتكبها الهندوس ضد المسلمين.
معاناة حقيقية:
وفي جنوب مدينة بومباي العاصمة الاقتصادية للهند، عثرنا بعد رحلة بحث طويلة، على مدرسة عربية لتدريس الإسلام وتعليمه، وبمجرد أن دخلناها انفجر مديرها الشيخ محمد صلاح الحسن قائلًا: لقد تعمدوا أن يضعوا صندوقًا ضخمًا من الزبالة أمام باب الدخول لمدرستنا تفوح منه روائح كريهة؛ لتطفيش الطلاب، وقد رفعنا مذكرات ورسائل للسلطات الهندية لإزاحة القمامة، لكن لا حياة لمن تنادي، وأتساءل: هل يعقل ذلك وفي أي شريعة؟، يذكر أن المدرسة تفتح أبوابها صباحا ومساء للطلبة والطالبات الذين يغلب عليهم الفقر، ويقول الحسن: طلبتنا غير ملتحقين بمدارس الحكومة، كما لا يوجد نظام تعليمي إسلامي موحد، أو مناهج تعليمية جيدة، ونعاني من قلة الكتب المترجمة للغة الأوردية أو الهندية، ولذلك تنتشر الخرافات والبدع بين المسلمين بصورة كبيرة، علمًا بأن مشكلة التعليم بالنسبة للمسلمين تعد جزءًا من أزمتهم العامة؛ حيث يعيشون في مستويات متعددة تحت خط الفقر، ولا توجد لديهم رابطة واحدة تنطق باسمهم جميعًا، أو تتابع مشكلاتهم، ونحن لا نتقاضى رسومًا من الطلبة؛ لأنهم معدمون، وقد أتى بهم أولياء أمورهم، ليتعلموا الدين بدلًا من أن يتجولوا في الشارع،
وغالبية مسلمي الهند، كما أكدت تقارير لجنة الأقليات الهندية الرسمية يعيشون تحت خط الفقر بمراحل، وهم متخلفون في المجال التعليمي بنسبة تزيد عشرة أضعاف على أقرانهم من الطوائف الأخرى، كما أنهم لا يدرون شيئًا عن التقدم الذي تحقق في مجالات العلوم والتقنية الحديثة التي أثبتت فيها الهند تفوقًا ملحوظًا.
ولا توجد مرافق خدمية في المناطق التي تقطنها الأقلية المسلمة، وقد كشفت دراسات عديدة أن ما بين ۱۰ و ۱۸ فردًا يعيشون تحت سقف واحد لا تزيد مساحته على 10 أقدام مربعة، كما يعاني ما يقرب من 75% من المسلمين ذكورًا وإناثًا من مرض السل والأمراض المزمنة الأخرى.
وبوسعك، وأنت تخترق شوارع المناطق التي يقطنها المسلمون في بومباي، أو نيودلهي، أو أحمد آباد، أن ترصد المأساة كاملة؛ حيث تری آدميين حفاة يرتدون ملابس رثة، وقد غطت الأتربة رؤوسهم وأجسامهم، وحينما تقترب منهم، تلمح اصفرار وجوههم، ونحافة أجسامهم، وبروز العظم من أجسامهم، وتتفاقم الحالة الاقتصادية السيئة للمسلمين في معظم الولايات خاصة أسام، وراجستان، وكيرالا، والبنغال الغربية، وفي بومباي، توجد قلة من تجار الذهب المسلمين، إلا أن غالبية المسلمين يعيشون في فقر مدقع.
ويصور الطريق إلى مسجد ومزار الحاج علي شاه بخاري بوسط بومباي الحالة المزرية التي يعيشها المسلمون، فيوميًّا يتجمع حول المزار آلاف من المسلمين الذين يفتك بهم الفقر، والدجل، والشعوذة، تدخل إلى مسجد الحاج علي عبر طريق طويلة، يبدأ ببوابة صغيرة ينتشر على يمينها ويسارها باعة متجولون يثيرون الضوضاء، وهم يعرضون عليك بإلحاح شراء ملابس، وعطور، وأطعمة رخيصة، وما إن تدخل إلى الطريق المؤدي للمسجد، حتى ترى شيوخًا وأطفالًا مسلمين، يطلبون منك المساعدة وأعينهم تفيض بالدمع، وتراهم حفاة الأقدام، وقد ارتدوا ملابس غاية في الرثة، ويبدو على وجوههم الشحوب والإنهاك، وتزداد الصورة مأساوية، حينما تشاهد على يسارك فتاة مسلمة في الخامسة عشرة، وقد اختارت لنفسها بين أماكن القمامة، بيتًا فرشت فيه حصيرة بالية، ووسادة رديئة، وستارة قديمة، علها تكون حجابًا تستظل بها عن عيون المارة.
جهل وتوسل
وتستمر في السير للمسجد، حتى ترى طريقًا موازيًا، امتلا بمئات المسلمين، وعلى يمينك ويسارك بقعة كبيرة من المياه الراكدة تثير روائح كريهة، وتشاهد مسلمين كثيرين، وقد افترشوا أجزاءً من البقعة العفنة، بعد أن جففتها الشمس واختاروها مأوى ينامون فيه بجانب القمامة، وعلى الطريق، تسمع لغة عربية ركيكة لله يا بخاري، ترى امرأة حملت طفلها دون ملابس تقيه الحر، تطلب المساعدة، وأخرى نامت على الطريق وبجوارها طفلها الرضيع، بعد أن وضعت على رأسه لفافة بالية لعلها تقيه من شدة الحرارة، وفي جانب آخر تجد شيوخًا حفاة الأقدام، تبدو عليهم مظاهر التعب والإنهاك يطلبون المساعدة، وترى امرأة عجوزًا، حولتها السنون لشبح بشري، تستجديك للحصول على طعام ودواء، وتدخل المسجد، فإذا بك محاصر برائحة أطعمة، والمئات من المسلمين يتزاحمون لزيارة قبر الحاج علي بخاري، بينما انهمك آخرون في ترديد أغاني وأناشيد تمجد الحاج علي باللغة الهندية.
المسلمون والزلزال
وقد اكتملت لدي صورة معاناة ومأساة المسلمين، بعد أن سمحت لنا السلطات الهندية بالسفر إلى مدينة بهوج بغرب الهند التي ضربها زلزال ٢٦ يناير الماضي؛ للوقوف على جهود الحكومة لمعالجة آثار الزلزال المدمر، والتقاء ممثلي الهيئات الإغاثية الدولية والعربية، وبمجرد دخولنا بهوج، حاولت مرارًا أن أحصل من ممثلي جمعية الصليب الأحمر الهندي أو المسؤولين الهنود على أي معلومات تتعلق بوضع المسلمين الهنود ببهوج، والقرى المجاورة لها، والتي يصل عددها لنحو ٩٠٠ قرية، وكذلك حجم الدمار الذي لحق بأرواحهم وممتلكاتهم، لكنني لم أجد إجابة شافية، إلا أن الأمين العام لجمعية الصليب الأحمر الهندي، قال: «إن بلاده لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، فالهند دولة علمانية. خلال الأيام التي قضيتها في بهوج والمناطق المجاورة لها، تأكدت أن كلام المسؤولين الهنود ليس صحيحًا، بل العكس هو الصحيح، ثبت لي ذلك عندما قابلت ممثلين من ٥ جمعيات إسلامية في معسكر الإيواء الدولي الذي أقامته السلطات الهندية في ساحة كلية رامدراوجي، وعلى مدار 3 ساعات روى لي ممثلو جمعيات الدعوة والتبليغ حركة الطلبة المسلمين لعموم الهند، الجماعة الإسلامية، والخير الجميل، ونهضة المجتمع، رووا وقائع مفصلة حول انحياز السلطات الهندية للهندوس في توزيع المواد الإغاثية، سواء التي وصلت من هيئات الإغاثة العالمية أو جمعيات الإغاثة الإسلامية، وخلال جولتنا بالمدينة والقرى المجاورة، حصلنا على معلومات دقيقة، تؤكد أن المسلمين بالمدينة يمثلون نسبة ٢٠٪ من عددهم، لكن أعدادهم تزداد بصورة كبيرة في القرى المجاورة، ولا يمثل المسلمون قوة اقتصادية أو اجتماعية، أو سياسية في المناطق التي ضربها الزلزال بمساحة وصلت إلى ٥٠×٤٠ كم مربع، بل العكس هو الصحيح؛ حيث يعيشون تحت خط الفقر بمراحل.
المساجد مدمرة
وقد هرع مسلمو مدينة بهوج وقراها إلى العراء، بعد أن ضرب الزلزال بيوتهم، وحولها إلى كومة من التراب إلا أن فجيعتهم ازدادت حينما لم يجدوا مسجدًا من مساجدهم البالغ عددها 7٧ مسجدًا لتأدية الصلاة بعد أن أصابها الزلزال المدمر بقوة وصلت إلى ٧,٩ بمقياس ريختر، فاضطروا للصلاة في العراء، بعد أن خذلتهم الحكومة الهندية في توفير مسكن آمن لهم، وبالطبع، لم تمارس المساجد الدور الكبير الذي أدته المعابد الهندوسية؛ حيث تحولت الأخيرة إلى مكان لإيواء وإطعام الآلاف من المتضررين مثلما حدث مع معبد سوامينا رايان؛ حيث تدفقت عليها البطانيات والطعام، والملابس من الاتحاد الدولي للصليب الأحمر، الذي اتخذ مقرًّا له في معسكر الإيواء الدولي ببهوج، وتحيز في توزيع المواد الغذائية والإغاثية لصالح الهندوس، ولم يقبل المسلمون على المعابد الهندوسية، رغم حاجتهم الشديدة للطعام والمأوى، وظلوا ينتظرون سيارات الهيئات الإغاثية في طرقات شوارع المدينة لتلقي إليهم الفتات من الطعام، ورأيناهم يقفون طوابير طويلة للحصول على نصيب ضئيل من المساعدات التي أرسلتها دولة عربية وروابط جمعيات إسلامية، ولم تتمكن الدول العربية والإسلامية التي أرسلت المساعدات الإغاثية للهند من تسليم جزء بسيط من مساعداتها للمسلمين، وعندما طلب وفد دولة عربية أن يوزع دفعة كبيرة من مواده الإغاثية على أهالي المناطق المسلمة لم يسمح له إلا بتوزيع نحو ۲۰۰ بطانية و ٥٠ خيمة بعد جهود مضنية، وذلك من إجمالي المساعدات التي قدمها، وزادت على 8 آلاف بطانية، و ٤٠٠ خيمة وعشرين ألف حذاء وملبس.
وقد نشر بعض الصحف المحلية صورًا لمسلمي قرية خافدا، وهم يتضورون جوعًا ودون مأوى، وكتبت صحيفة «ذي تايمز أوف إنديا» تؤكد عدم وصول المساعدات لتلك القرية القريبة.
حركة الطلبة المسلمين
ورغم هذا الانحياز الأعمى ضد المسلمين العزل الفقراء، فقد حاولت الجمعيات الإسلامية الهندية تخفيف لوعة المسلمين ومداواة جروحهم. في داخل معسكر الإيواء الدولي ببهوج التقينا سی کی شمیم الإسلام من منظمة حركة الطلبة المسلمين لعموم الهند، فأوضح أن منظمته أرسلت لمناطق الزلزال ٢٥٠ عضوًا من بينهم ٤٠ طبيبًا للإغاثة، وقال: لقد نجحت منظمتنا بمساعدة الجمعيات الإسلامية الأخرى في إقامة مستشفى ميداني متحرك، وتردد علينا في الأيام الأولى للكارثة نحو ٣٠٠ شخص يوميًّا، ولمدة أسبوعين، وقد عالجنا أكثر من 5 آلاف جريح ومصاب من المسلمين وغير المسلمين، وكنا نتمنى أن تركز وسائل الإعلام الهندية والعالمية على أنشطتنا، ولكن للأسف اهتمت بالصهاينة فقط، ويذكر شميم أن منظمته أقامت معسكرًا لإيواء المتضررين بالقرب من مدخل المدينة، ورفعت عليه شعار الإسلام، وقدم خدماته للمسلمين وغير المسلمين، متمنيًا أن تقدم الدول العربية والإسلامية الدعم المادي والمعنوي لمسلمي الهند، خاصة أنهم يمثلون أقلية تتعرض لألوان شتى من العذاب، كما تحتاج إلى ترجمات لمعاني القرآن؛ لأن مسلمي الهند، يعانون من قلة الكتب الدينية المترجمة.
ومن معسكر الإيواء الدولي ببهوج، اصطحبتنا سيارة إلى القرى المسلمة التي تضررت، مرت السيارة على قرى ونجوع تم تدميرها كاملًا، وتحولت بمن فيها من البشر والحيوانات والجماد إلى ركام من التراب وعندما دخلنا إلى قرية أنجاز المسلمة، فوجئنا بحشود ضخمة من النساء والشيوخ والرجال والأطفال، في حالة مأساوية، وقد اصطفوا في الشوارع، علهم يحصلون على جزء من المساعدات الإغاثية التي تدفقت على الهند، وتم توجيه غالبيتها لمعسكرات الجيش بالطبع، لم تكن البيوت أحسن حالًا من ساكنيها، فالزلزال قضى على العشرات منها، وظلت هناك أكواخ من الطين والبلاستيك تهاوت أجزاء كبيرة منها، واضطر المسلمون لسكنى الشوارع.
وفي قرية بيه، بغرب الهند التي تبعد عن بهرج بنحو ٨٥ كيلو مترًا، كانت المأساة أشد إذ اصطحبت حركة الطلبة المسلمين لعموم الهند سيارة تحمل إغاثة لتوزيعها على المسلمين المتضررين، وتأكد لها أن مسلمي بيه ظلوا أكثر من عشرين يومًا ينتظرون قطرة ماء، أو كسر خبز، أو خيمة بالية، ولكن لا حياة لمن تنادي.
ضعف ظاهر
وعلى الرغم من الدور النشط للجمعيات الإسلامية الهندية في كارثة الزلزال، إلا أن الواقع يؤكد أن أثار الكارثة كانت أكبر من طاقة وإمكانات الجمعيات الإسلامية، ويوجد في الهند أكثر من ٥٠٠ جمعية إسلامية، أبرزها ٥ جمعية ومنظمة إسلامية، تمثل ثقلًا حقيقيًّا على الساحة الهندية.
وقد ساهم هذا العدد الكبير من الجمعيات في ضعف الكيان الإسلامي الهندي، وسريان حالات التمزق والتشتت بين أتباعه وعدم وجود إستراتيجية واضحة المعالم ومبرمجة على سنوات محددة لتعميق الإسلام في نفوس مسلمي الهند ونشره بين أبناء الطوائف الأخرى التي يمكن إقناعها بسهولة باعتناق الإسلام لهشاشة ما يعتقدونه لدرجة أن هناك جماعات كثيرة تعبد الفئران والقطط والكلاب أو الصور، والجماد، أو البشر، وما زال المسلمون الهنود يبحثون، ويطالبون بإلحاح برابطة إسلامية عامة، تدافع عنهم، وتحل مشكلاتهم، أو تقدم لهم ما يطلبونه من احتياجات، خاصة أثناء الكوارث، كما حدث أيام زلزال الهند.
مصادر دبلوماسية عربية عاشت في الهند سنوات طويلة، ذكرت لنا أن الحكومة تحاول بكل قوة التقليل من شأن الأقلية المسلمة التي تتراوح بين ۱۷۰ و ۲۰۰ مليون نسمة، وتتظاهر عالميًّا بحمايتها، مؤكدة أن الهند دولة ديمقراطية تحترم كل الأديان، لكن الواقع يؤكد غير ذلك؛ حيث إن أبناء المسلمين لا يتم تعيينهم في الأماكن المهمة والحساسة، كما أن أوضاعهم الاقتصادية غاية في السوء، ولا شك أن سياسة الحكومة تساهم في تفاقم تلك الأوضاع، وأوضحت المصادر أن طائفة السيخ تعد من أقوى الطوائف في الهند، على الرغم أن عدد أبنائها في العالم يصل إلى ١٨ مليون نسمة، منهم ١٦ مليونًا في البنجاب، ومليون متفرقون في أنحاء الهند والمليون المتبقي خارج الهند، ويتحكم السيخ في جانب كبير من عصب الحياة الهندية؛ حيث يسيطرون على الصناعة، والتجارة، والأراضي، وقد اندرج عدد كبير منهم في الجيش بنسبة تزيد على ١٣٪ من تعداده، بينما المسلمون لا تتعدى نسبتهم في الجيش ٥٪، أما في مجال الإدارة، فتصل نسبة السيخ ١٤٪، بينما تصل نسبة المسلمين إلى ٢٪.
والسيخ طائفة قوية متعاونة بدرجة كبيرة، وتحرم التسول على أبنائها، ويوجد لديها في كل معبد صندوق لدعم الفقراء، بحيث يقرضون الفقير من الصندوق مبلغًا من المال للبحث عن عمل، وبعد أن يحصل السيخي الفقير على عمل، يقوم برد المبلغ الذي اقترضه، وبعد أن ينتهي من تسديد القرض، يلتزم بدفع ١٠ من دخله الشهري للمعبد.
ظاهرة إيجابية
ولفتت المصادر إلى ظاهرة إيجابية بدأت تستشري بين المسلمين الهنود، تتمثل في ظهور شخصيات مسلمة، تتولى بناء المدارس والمستشفيات، وإدخال أجهزة الحاسب الآلي في المدارس الدينية، وتلك نقطة إيجابية للغاية، تحسن من صورة وأوضاع المسلمين.
وقد تزامنت زيارتنا للهند مع حدثين مهمين أكدا متانة علاقات التعاون العسكري الهندي، الصهيوني، والتي ما زال المسؤولون الهنود يقللون من شأنها، الحدث الأول، هو مشاركة وزير الدفاع الصهيوني في معرض الطيران الهندي ۲۰۰۱م، ونشرت صحيفة ذي آسيان على صدر صفحتها الأولى خبرًا، يؤكد أن الكيان الصهيوني قدم عروضًا لشراء طائرة لاكشيه للتجسس دون طيار، وذلك بعد أن طورتها المصانع الهندية بصورة كبيرة.
أما الحدث الثاني، فهو التركيز الإعلامي المكثف على مساعدات الصهاينة للهند إبان أزمة الزلزال، وقد احتلت أخبار المستشفى الذي أقامه الصهاينة في بهوج مانشيتات الصحف الهندية الكبرى والمحلية، وتصدر خبر تسمية أول طفل هندي ولد باسم السفاح شارون في الصفحات الأولى، وقد أثار تركيز الإعلام الهندي على المساعدات الصهيونية التي لم تتعد ربع ما قدمته بعض دول الخليج استغراب مجلس السفراء العرب، خاصة أن صحيفة واحدة نشرت خبر المساعدات العربية بصورة مقتضبة للغاية، وفي مكان غير بارز بالصفحات الداخلية.
تراجع كبير:
والواضح، كما أكدت مصادر دبلوماسية مطلعة لـ «المجتمع» أن العلاقات الهندية العربية في تراجع شديد، ويؤكد الجميع أن هند الستينيات التي قادت دول عدم الانحياز تغيرت كليًّا عن هند اليوم، وأن الائتلاف الحاكم، الذي يضم ٢٤ حزبًا، يرى أن علاقاته مع الكيان الصهيوني أفيد من الغرب؛ حيث يمتلك التكنولوجيا العسكرية، والنووية التي تطلبها الهند بقوة، بينما يستطيع الصهاينة الاستفادة من الهند عن طريق الاستعانة بخبراء تقنية المعلومات الهنود الذين يوجدون في مدينة بنجلور، ويقودون حركة التطوير التقني في العالم، وتقدر المصادر حجم التجارة العسكرية الهندية بمليار ونصف مليار دولار، إضافة إلى تجارة الماس، التي يصل حجمها إلى مليار و ٥٠ مليون دولار، وينتشر اليهود في ولاية جوجرات التي تضم شركات صهيونية تخصصت في صقل الماس، خاصة بعد أن توافرت لهم الأيدي العاملة الهندية الرخيصة.
وتتصادم علاقات الهند مع الصهاينة بمصلحتها الحقيقية مع البلدان العربية خاصة دول الخليج التي تحتضن نحو 3 ملايين من العمالة الهندية، يقومون بتحويل سنويًّا ما بين ١٤ و ١٦ مليار دولار إلى الهند.
وتصل حجم التجارة غير النفطية بين الهند ودول الخليج إلى 3 مليارات دولار، وهو ما يؤكد امتلاك دول الخليج والدول العربية أوراق ضغط عديدة، تستطيع وقف الانحياز الهندي للصهاينة، وكذلك ضمان حقوق الأقلية المسلمة فيها.