العنوان بين التخلي الإسلامي والإهمال الدولي.. محنة المهاجرين الأفغان في المناطق الحدودية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 52
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 30
السبت 17-يناير-2004
في مدينة كويتا عاصمة إقليم بلوشستان الواقع على الحدود بين أفغانستان وباكستان يعيش ما يزيد على نصف المليون أفغاني في محنة صنعتها الظروف المعيشية الصعبة للغاية.
وقد حاولنا في مركز الدراسات الأسيوية التعرف على أوضاعهم فذهبنا إلى هناك... وننقل ما رصدناه على الطبيعة.
يقول المهاجرون الأفغان القاطنون مخيم قادري - نسبة إلى صاحب الأراضي التي استأجرها لإقامة مخيمات الإيواء بالمنطقة إن الأمم المتحدة تخلت عن مواصلة تعاونها معهم قبل نحو 3 سنوات وكانت قد أعدت لكل ١٠٠ عائلة أفغانية مهاجرة بئرًا لا تصلح في الحقيقة إلا لعائلة واحدة لسد حاجتها من مياه الشرب والأغراض المعيشية الأخرى. ويضيف شيخ
أفغاني ومع ذلك فقد تحملنا هذا الوضع.
لكن الآبار بدأت تتوقف الواحدة بعد الأخرى سواء بنفاد مياه الشرب أو تعطل جهاز توليد المياه. ورغم أننا قدمنا عدة طلبات إلى مكتب الأمم المتحدة بالمدينة إلا أنه لا حياة لمن تنادي ومع ذلك استمرت في مدخل المخيم لافتة كبيرة كتب عليها مياه صالحة توفرها الأمم المتحدة للمخيم ولم نقم بتكسيرها رغم أن الأمم المتحدة لم تربطها علاقة تذكر بالمخيم ويؤكد سكان المخيم أن الأمم المتحدة لم يعد لها وجود في المخيمات وخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر إذ توقفت جميع المساعدات التي كانت توزعها عليها وأصبحت المساعدة الوحيدة المتوافرة لديها هي تشجيعنا على الرحيل والعودة إلى ديارنا.
كان العديد من الأسر في المخيمات الأفغانية قد وافق على العودة بعد أن وعدتهم الأمم المتحدة بمساعدة مالية ١٠٠ دولار للأسرة الواحدة إضافة إلى طحين وأرز وزيت وخيمة وأدوية.
وبدأت المخيمات الصغيرة فعلًا في الرحيل وحزم أمتعتها بعد أن وجدت سفرًا مجانيًا ضمن شاحنات الأمم المتحدة ومساعدات مالية وغذائية.
وفوجئ الناس بعكس ما وعدوا به فقرروا العودة من جديد إلى حيث كانوا ليبنوا مخيمات جديدة في الإقليم لكنها لم تعرهم أي اهتمام بدواعي فقدان الأمن والاستقرار في أفغانستان وتروج بأن المهاجرين قد خدعوها بتسلم المساعدات المالية وغيرها ثم العودة من جديد.
حرمان المهاجرين:
يعيش ١٠٠ ألف أفغاني داخل مدينة كويتا وحدها ويتوزع باقي اللاجئين على المناطق المجاورة وخاصة القريبة من الحدود ويؤكد سكان المخيمات أن الوضع تأزم أكثر بعد ١١ سبتمبر حينما بدأت المؤسسات العربية وخاصة الخليجية بغلق مكاتبها وتوقيف أنشطتها الدواع أمنية وحرم أطفالنا من التعليم ووجدوا أنفسهم مضطرين لجمع القمامات والأوساخ وبيعها من أجل الحصول على مصدر رزق وأصبح جل أطفالنا يقضون أكثر أوقاتهم في جمع القمامة والبحث عن الأكياس والأوراق والقارورات ثم بيعها في أسواق المدينة. ويقول الملا بسم الله: إن الخطر هنا أن أطفالنا أو الجيل الجديد لا يعرف كيف يقرأ القرآن ولا يعرف دينه ولا هويته الإسلامية ولا يعرف لا القراءة ولا الكتابة وبما أنه ولد في بيئة مثل باكستان وفي مناطق تنتشر فيها أجهزة الكبل والفيديو وتعرض الأفلام الهندية والغربية، فأصبح يقضي وقته في هذه الملاهي والفساد والمساجد في مخيماتنا قليلة وإن وجدت فهي تفتقر إلى مياه الوضوء وتهديد خطر السقوط لأنها كلها مبنية بالطوب والطين وبوسائل تقليدية وليس بداخلها لا كهرباء ولا ماء ولا مدفئة ومع ذلك فنحن حريصون على إقامة غرف للعبادة.
في الماضي كانت المؤسسات الخيرية تقدم لنا العون والمساعدة في توفير المياه الصالحة للشرب والأدوية والمستوصفات والتعليم لكنها تخلت عنا بحجة أن الاستقرار عاد إلى وطننا مع حكومة كرزاي أو بحجة مخاوف من اختلاط مخيماتنا بعناصر مطلوبة للأمريكان وخاصة بعد 11 سبتمبر يضيف الملا بسم الله أن الفراغ اليوم بات تملؤه المؤسسات الأخرى التي قررت الشروع في بناء آبار المياه الشرب وتنظيم دورات طبية مجانية وفتح مدارس تعليمية والأفغان هنا في حاجة إلى مساعدة ويتقبلونها من أي راغب في الخير مهما كانت عقيدته ومذهبه والا فسيواجهون الموت خاصة في منطقة تصل فيها درجة البرودة إلى نقطة التجمد ويموت سنويًا في هذه المخيمات مئات الأطفال والرضع بسبب البرودة الشديدة وعدم توافر إمكانات التدفئة.
باكستان وعلاقتها بالمهاجرين:
يفيد سكان مخيم قادري بأن الحكومة الباكستانية استمرت في السماح لهم بالإقامة على أراضيها منذ ٢٢ سنة خلت واستمرت في تجديد الإقامات لهم لكل خمس سنوات. كما حثت أصحاب الأراضي الذين استأجروا أراضيهم للأفغان على التعاون مع المهاجرين الذين يدفعون شهريًا مقابل ثمن الأرض التي يعيشون عليها. دولارات على أن يبنوا بيوتهم الطينية بأنفسهم...
هذا للمحظوظ منهم والباقون يكتفون بخيم بالية لا تدفع مطرًا ولا حرًا. وفي السنوات الماضية رفض - ملاك الأراضي السماح للمهاجرين بالإقامة على أراضيهم مما اضطرهم إلى التنقل من منطقة إلى أخرى مما حمل الحكومة على السماح للأفغان المهاجرين وخاصة البشتون بشراء أراض في إقليم بلوشستان والعيش فيها كمواطنين من الدرجة الثانية كما سمحت لهم بشراء أراض لبناء بيوتهم ومساجدهم ومستشفياتهم وغيرها. ويقول المهاجرون إن الحكومة طلبت منهم عدم إحراجها بإيواء عناصر مطلوبة للعدالة. وأنهم في نفس الوقت يتعرضون لعصابات السطو والسرقة في وضح النهار.
المهاجرون والعودة:
يؤكد سكان المخيمات أن مطلبهم الرئيس اليوم هو الأمن والاستقرار وأي حكومة تحقق لهم الأمن والاستقرار فسيقبلون بها. ويقول ابن ملا: «بسم الله الذي أرسل إلى أفغانستان لمعرفة الأوضاع قبل أن تسافر عائلته وتعود إليها أنه تم القبض عليه عدة مرات وهو ذاهب إلى أفغانستان من قبل القوات الأمريكية والقوات الشمالية الأفغانية للشك في أنه أحد عناصر طالبان نتيجة زيه المشابه لمقاتلي طالبان (عمامة كبيرة ولحية). كما قبضت عليه العناصر الشمالية بسبب انتمائه العرقي إلى البشتون. وذكر أن منطقته قندوز في الشمال الأفغاني التي غالبيتها من البشتون قد اضطر الآلاف من سكانها إلى مغادرة مناطقهم بعد التطهير العرقي الذي تمارسه ضدهم المليشيات الأوزبكية والطاجيكية وخاصة التنافس المسلح بين مليشيا عبد الرشيد دستم الأوزبكي ومليشيا الجنرال عطاء الطاجيكي ويتساءل المهاجرون أين الحكومة وأجهزتها المفترض أن تحميهم من التطهير العرقي وتوفر لهم الأمان من أجل العودة إلى ديارهم. ويقولون إن حامد كرزاي غير مأمون في قصره وفي كابول نفسها. وعن طالبان يقول المهاجرون إنها حققت مطلبًا رئيسًا لهم وهو الأمان والاستقرار بحيث عادوا إلى ديارهم ولم يتعرضوا للتطهير العرقي ولا العصابات السطو والإجرام وقطاع الطرق. كانت طالبان قد تمكنت من السيطرة على الوضع الأمني وعلى الفوضى التي عاشتها أفغانستان بعد انهيار النظام الشيوعي.
الوضع الإغاثي العربي:
بعد حوادث ۱۱سبتمبر تغير كل شي في وسط المهاجرين الأفغان في إقليم بلوشستان حيث أغلقت الدول العربية والإسلامية مكاتبها في المنطقة بسبب الضغوط الأمريكية والأوضاع الأمنية التي رافقت حوادث سبتمبر وخاصة بعد الهجوم الأمريكي على جماعة طالبان وإزاحتها عن السلطة. وقد أدى ذلك إلى حرمان آلاف الأفغان من التعليم والصحة والإغاثة. ويقول المهاجرون إنه بعد تخلي المنظمات العربية عنهم بدأت جمعيات إغاثية أخرى تتقرب إليهم وتعمل على ملء الفراغ الذي تركوه.
(اللويا جركا).. ودوره في السياسة الأفغانية:
في منتصف شهر ديسمبر الماضي بدأ اجتماع مجلس (اللويا جركا) الذي يضم كبار أعيان وممثلي القبائل والزعماء السياسيين والتكنوقراط في أفغانستان، إلى جانب قادة المنظمات
الجهادية السابقة.
كان الهدف من الاجتماع مناقشة مسودة الدستور الذي وضعته حكومة حامد قرضاي ليكون الدستور الجديد للبلاد. وقد نشب خلاف شديد بين المجتمعين ولعبت الإثنية العرقية دورها في هذا الخلاف حيث انقسم المجلس بين البشتون الذين يمثلهم الرئيس قرضاي، والشماليين الذين يمثلون الطاجيك والأوزبك الذين يمثلهم وزير الدفاع دوستم بدأ الخلاف بين المطالبين بنظام رئاسي تكون فيه الصلاحية لرئيس الدولة والمطالبين بنظام برلماني تتوزع فيه السلطة بين الرئاسة والبرلمان بحيث تتوزع السلطة بين البشتون وباقي العرقيات كما احتدم الخلاف حول اللغة الرسمية للبلاد بين مطالب بأن تكون اللغة الرسمية هي لغة البشتو وأخرى بأن تكون اللغتان البشتو والفارسية اللغتين الرسميتين للبلاد. ونتيجة ضغوط مارستها أمريكا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد استمرار التأخير في الاتفاق لنحو ثلاثة أسابيع انتهى مجلس (اللويا جركا) إلى إقرار النظام الرئاسي وأن تكون اللغتان البشتو والفارسية لغتين رسميتين للبلاد وأن يكون النشيد الوطني باللغة البشتونية. وعين الاجتماع نائبين لرئيس مجلس اللويا جركا من الأوزيك والطاجيك على أن يكون رئيس (اللويا جركا) من البشتون.
كان هدف إنشاء مجلس (اللويا جركا) قبل سنوات طويلة هو حل مشكلات الفيسفاء القبائلية والعرقية والإثنية الذي تعرفها البلاد عبر قيام ممثلين عن القبائل والقوميات بالاجتماع كلما دعت الضرورة والفصل في أهم القضايا التي تواجه البلاد. ويقول الأفغان إن تاريخ اللويا جركا مرتبط بتاريخ قبائل البشتون ونشأتهم. وكانت أول جلسة (اللويا جركا) قد عقدت في عام ١٨٩٧ في منطقة ميوند بولاية قندهار في جنوب افغانستان بهدف محاربة القوات الإنجليزية التي كانت تهدف إلى احتلال البلاد.
وفي عام ۱۹۱۹ حاول الملك أمان الله خان أن يطوع اللويا جركا وكان هدفه نشر الثقافة الغربية ومحاربة الهوية الإسلامية بعد جولته الطويلة التي قادته إلى الغرب لكنه فشل في إقناع اللويا جركا بالاجتماع بعد أن قاد العلماء الأفغان وعلى رأسهم الملا فضل عمر مجددي حملة لإفشال ما كان يروج له. وأدت هذه المحاولة إلى الانحراف بمجلس (اللويا جركا) عن أهدافه بعد أن كان أمر تعيين ممثلي القبائل مفوضًا إلى القبائل نفسها لكن تدخل أمان الله في شأنها ومحاولة فرض ممثلين ليخدموا أهدافه أدى إلى تحول (اللويا جركا) إلى مجلس للفساد.
وفي عام ١٩٦٤ طلب الملك ظاهر شاه اجتماع (اللويا جركا) لكن الاجتماع فشل.
وفي عام ۱۹۷۲ وبعد وصول السردار محمد داوود إلى السلطة عبر انقلاب عسكري على ابن عمه الملك ظاهر شاه حاول دعوة (اللويا جركا) للاجتماع بهدف منحه الثقة وتزكيته رئيسًا للبلاد إلى جانب مطالبته بتأييده في فكرة إنشاء دولة بشتونستان والدعوة إلى اعتبار أراض باكستانية جزءًا منها لكنه فشل في مسعاه. وفي عام ۱۹۷۷ وقع انقلاب عسكري شيوعي قتل خلاله السردار داوود وطلب الانقلابيون اللويا جركا للاجتماع لكن الاجتماع فشل في الحصول على النصاب المطلوب.
وفي عام ١٩٨٤ طلب الرئيس الشيوعي بابرك كارمل اجتماع (اللويا جركا) لكنه فشل في ذلك.
وفي عام ۱۹۸۷ حاول الرئيس الشيوعي الجديد نجيب الله طلب (اللويا جركا) للاجتماع وأعلن عن أهداف ضد الإسلام وأدى هذا إلى فشل القمة.
ومن عام ۱۹۹۲ إلى عام ١٩٩٦ أنشأ المجاهدون حكومتهم الانتقالية وأعلنوا عن إنشاء مجلس للشورى بديلًا عن (اللويا جركا).
لكن المجلس فشل في تمثيل جميع العرقيات. ومع وصول حركة طالبان إلى السلطة في عام ١٩٩٦ أنشأت مجلسًا شبيهًا بـ (اللويا جركا) ضم ألف عالم دين أجمعوا على إعطاء البيعة للملا عمر ونصرة الإمارة الإسلامية.
وتحول هذا المجلس إلى شبه هيئة شورية تجتمع كلما يطلبها الملا عمر لكنها انهارت بعد الإطاحة بحكم طالبان في عام ٢٠٠١.
وفي عام ۲۰۰۲ طلب (اللويا جركا) واجتمع لتزكية الحكومة الموالية لأمريكا..
وفي عام ۲۰۰۳ اجتمع للمصادقة على دستور البلاد الجديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل