العنوان محنة الإمبراطورية: (۲) السرية والنزعة العسكرية وسقوط الجمهورية
الكاتب الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 44
الجمعة 11-يونيو-2004
كل دولة في العالم يمكن أن تسأل نفسها: ماذا لو توجهت آلة الحرب الأمريكية ضدنا؟ وهذا يدفع الكثير من الدول إلى السعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل
بوش قبل الرئاسة: لو كانت هذه البلاد «أمريكا» دكتاتورية فإن هذا سيسهل الأمر كثيرًا طالما كنت أنت الدكتاتور
أمريكا تسير على نفس مسار الهبوط الذي سار عليه الاتحاد السوفييتي
قبل تغيير الحكم في العراق غير بوش والمتحمسون من حوله نظام الحكم في أمريكا نفسها
أمريكا تسير على نفس مسار الهبوط الذي سار عليه الاتحاد السوفييتي
عرضنا الحلقة الأولى من كتاب محنة الإمبراطورية: السرية والنزعة العسكرية وسقوط الجمهورية، للكاتب الأمريكي د.شالمرز جونسون أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة بركلي والمستشار السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية،وتواصل في هذه الحلقة عرض الكتاب.
نظرية القتل المستهدف
للولايات المتحدة طرق أخرى لتنفيذ استراتيجيتها العالمية الجديدة ومنها ما تسميه هي وحليفتها «إسرائيل».،«القتل المستهدف».ففي خلال شهر فبراير ۲۰۰۳ سعت إدارة بوش للاستفادة من الخبرة الإسرائيلية لإيجاد ذريعة قانونية لاغتيال المشتبه بأنهم إرهابيون.وفي خطابه عن حالة الاتحاد في عام ٢٠٠٣،قال الرئيس بوش:إن المشتبه بأنهم من الإرهابيين الذين لم يقبض عليهم ولم يواجهوا المحاكمة «تم التعامل معهم»،ولاحظ «أن أكثر من ثلاثة آلاف من المشتبه بهم قد قبض عليهم في العديد من الدول»،وأن كثيرين آخرين واجهوا مصيرًا مختلفًا،دعنا نقل عنهم فقط «وإنهم الآن لا يشكلون أي تهديد لأمريكا ولا لأصدقائنا أو حلفائنا».
ولا شك أن الأسلحة الفائقة التطور تستدعي ردًا خلاقًا مثل الذي استعملته القاعدة في 11 سبتيمر حتى استعملوا الطائرات الأمريكية الداخلية كأسلحة. ومما يقلق الولايات المتحدة إمكانية حصول الإرهابيين على أسلحة دمار شامل من إحدى الدول «المارقة»،مع أن أكبر احتمال في الحقيقة لحصولهم على مثل هذه الأسلحة هو عن طريق سرقتها من المخزون الهائل لهذه الأسلحة في أمريكا وروسيا،ويكاد يكون من المؤكد أن مادة الأنثراكس التي استعملت في عمليات إرهابية في أمريكا في سبتمبر ۲۰۰۱م.وهي من النوع الذي يستعمل في الأسلحة الجرثومية.جاءت من مخازن البنتاجون، وليس من دولة فقيرة في العالم الثالث،ويبدو أن الحكومة الأمريكية قد حلت لغز هذه الموجة من الهجمات باستعمال أنثراكس.ولكنها-بسبب شدة الإحراج مما حدث،لا تريد القبض على المسؤولين عنها وعرضهم على محاكمة علنية،وفي تلك الأثناء فإن التأكيد على استخدام جيش محترف «من الذين يتخذون العسكرية مهنة لهم»،وما يحتويه من «قناصة البشر»،يؤكد أكثر فأكثر ارتباط أمريكا بالطغيان.فهؤلاء قد اخترقوا فروعًا عديدة من أفرع مؤسسات الدولة،وهم يصنفون كل ما يفعلون كوثائق سرية لا يجوز نشرها على الملأ.
وبسبب هذه السرية من طرف الحكومة،فإن الشعب الأمريكي في أغلبه يجهل حقيقة أن حكومته لديها شبكة واسعة من القواعد تمتد في جميع القارات.عدا القارة القطبية الجنوبية.وأن نزعتها العسكرية تتعدى كوكب الأرض مع بدء عسكرة الفضاء الخارجي.
ويجب هنا التفرقة بين العسكرية-وهي وجود دفاع قوي للبلاد.وبين النزعة العسكرية.لأن النزعة العسكرية ليس هدفها الدفاع عن البلاد،وإنما معناها وجود إيمان قوي وعميق في الجندية كطريقة حياة وكوسيلة لكسب الأموال الطائلة وتوسيع النفوذ إلى مواقع ليس من المفترض وجود تأثير للعسكريين فيها .وحتى الإحصاءات الحكومية المنشورة تظهر مدى انتشار النشاط العسكري في الخارج،فتقدير وزارة الدفاع يظهر أنه حتى سبتمبر ۲۰۰۱ «قبل حرب أفغانستان والعراق» نشرت أمريكا ٢٥٤,٧٨٨ جنديًا في ١٥٣ دولة،ولديها ٧٢٥ قاعدة عسكرية في ٣٨ دولة،عدا ٩٦٩ قاعدة داخل أمريكا-ووجود هذه القواعد يسبب استثارة لمشاعر مواطني هذه الدولة. فمثلًا قاعدة یونجسان في سيول بكوريا الجنوبية هي أكبر رمز لمدى الفظاظة وعدم الاكتراث للمشاعر. حيث تمثل القاعدة مركز قيادة قوات الاحتلال اليابانية الذي أنشئ عام ١٨٩٤. ويعتبر رمزًا للاحتلال الياباني المقيت، وقد كانت هذه القاعدة في الماضي خارج مدينة سيول، ولكنها-بعد التوسع العمراني. أصبحت تشغل ٦٣٠ فدانًا من أعلى الأراضي في قلب المدينة المكتظة بالسكان.
وما تحويه القاعدة يثير حنق السكان بدرجة أكبر،فهي تحتوي مركز ترفيه يحتوي على سوق كبير وفندق فاخر وناد صحي،وإمكانات أخرى كثيرة تجعل أقل جندي أمريكي يعيش في مستوى من الرفاهية لا يمكن للطبقة المتوسطة في كوريا تحقيقه.
جنود فوق القانون: ولكن أكثر ما يثير الحنق عدم خضوع القوات الأمريكية لقوانين البلاد التي توجد فيها قواعدهم،وليس هذا الحنق مقصورًا على دول العالم الثالث،فقد عم السخط إيطاليا منذ عدة سنوات.عندما أدرك الإيطاليون أن المتورطين في حادث اصطدام طائرة أمريكية بأسلاك المصاعد في أحد أرقى مراكز التزلج على الجليد لا يخضعون للقانون الإيطالي،وقد أدى الحادث إلى سقوط العشرات من المتزلجين ليلاقوا حتفهم،بينما اعتبرت محكمة عسكرية أمريكية أن الطيار وزميله غير مذنبين وتشكل جرائم الاغتصاب التي يرتكبها الجنود الأمريكيون أسوأ ما يسببه وجود هذه القوات من مشكلات.وعند حدوث هذه الجرائم فإن السلطات الأمريكية تسارع إلى نقل الجنود المتهمين إلى وحدات أخرى،أو محاكمتهم في محاكم عسكرية أمريكية ينتهي معظمها بتبرئة المتهمين.
المجمع الصناعي العسكري
كل هذا العدد الضخم من القواعد العسكرية الذي تديره البنتاجون مع ميزانيتها الهائلة خلق مجمعًا من المصالح يجمع العسكريين وشركات صناعة الأسلحة.بالإضافة إلى أخطبوط ظهر أخيرًا وهو شركات تقديم الخدمات العسكرية «المقاولون العسكريون» وهذا المجمع من المصالح يدير إمبراطورية توازي المجتمع المدني الأمريكي وتحاول.مع إحساس الشعب بالعظمة نتيجة كسب الحرب الباردة.جذب هذا المجتمع إلى طريقها وموافقته على أساليبها.
وهذه النزعة الإمبراطورية لم تبدأ مع إدارة بوش الحالية، ولكن الموقف تصاعد بخطورة بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي وبالذات بعد غزو العراق، لأن إدارة بوش تخلق حالة تدفع أي دولة في العالم لأن تتساءل «ماذا إذا توجهت آلة الحرب الأمريكية ضدنا» ؟،ثم تصل إلى النتيجة الحتمية: إن الخطأ الذي ارتكبه صدام حسين ليس محاولته أن يحصل على أسلحة الدمار الشامل، بل الخطأ هو أنه لم يحصل عليها فعندما تحصل دولة ما عليها. مثل كوريا الشمالية. فإن أمريكا تنتبه لخطواتها وهذا سيدفع الكثير من الدول للسعي للحصول على مثل هذه الأسلحة.
وإذا كان شيخ حرب لا نهائية يحوم حول العالم،فإن الصورة داخل الولايات المتحدة ليست أفضل،لأن النزعة العسكرية الإمبريالية تهدد الحكومة داخل أمريكا.بنفس القدر من الخطورة التي تهدد بها سيادة الدول الأخرى،وإذا ما كانت قدرة بوش والمتحمسين حوله على إحداث تغيير «حقيقي» في نظم الحكم في العراق،وغيره مازالت محل جدل،فإن مما لا شك فيه أنهم فعلًا حققوا ذلك داخل الولايات المتحدة،وقد قال بوش في المناظرة الثانية في حملة الرئاسة الأمريكية بتاريخ ١١ أكتوبر ۲۰۰۰م لو «كانت هذه البلاد دكتاتورية فإن هذا سيسهل الأمور كثيرًا طالما كنت أنا الدكتاتور».وبعد مرور أقل من عام رد بوش على سؤال طرحه بوب وود ورد من صحيفة واشنطن بوست:« إنني أنا القائد-لا يجب علي أن أشرح.ليس علي أن أشرح لماذا أقول شيئًا،وهذا هو الشيء الرائع لكوني رئيسًا ربما كان على الأشخاص أن يشرحوا لي لماذا يقولون ما يقولون.ولكن لا أشعر أن علي أن أشرح أي شيء لأي شخص».
وقد بذل بوش وإدارته جهدًا حثيثا لتوسيع سلطات الرئاسة على حساب الأفرع الأخرى للحكومة «الكونجرس والفضاء»، فالمقطع الثاني من المادة الأولي من الدستور ينص بوضوح على أن «الكونجرس تكون لة سلطة إعلان الحرب» ويمنع الرئيس من اتخاذ هذا القرار. وقد كتب أكثر واضعي الدستور نفوذًا. جيمس مادسن. في عام ۱۷۹٣م أن أكثر محتويات الدستور حكمة هي الفقرة التي تنص على حكر حق إعلان الحرب والسلام على الفرع التشريعي «الكونجرس»، للفرع التنفيذي «الرئيس والإدارة». فإن ائتمان شخص واحد «على قرار كهذا»،وما يصحبه من إغراءات شيء لا يمكن أن يتحمله أي إنسان بمفرده.
ولكن بعد ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ أعلن بوش من جانب واحد أن الأمة في «حالة حرب»، ضد الإرهاب، وأعلن متحدث باسم البيت الأبيض لاحقًا أن الرئيس «يعتبر أي معارضة لسياساته عملًا لا يقل عن الخيانة».
أسبوع العار:وفي أسبوع العار بحق الكونجرس.وهو الأسبوع من 3 أكتوبر إلى ١٠أكتوبر سنة ٢٠٠٢م.صوت مجلسا الكونجرس بإعطاء الرئيس سلطة مفتوحة لشن الحرب على العراق.تشمل الحق في استعمال أي وسائل ضرورية بما فيها القوة العسكرية والأسلحة النووية لتوجيه ضربات وقائية في الوقت الذي يراه هو.وحده.مناسبًا،وكانت نتيجة التصويت في مجلس النواب ٢٩٦ إلى ٣٣،وفي مجلس الشيوخ ٧٧ إلى ۲۲ لم تكن هناك أي مناقشة أو مجادلة.فقد كان الأعضاء في حالة من الهلع السياسي لا يمكن معها مناقشة مثل هذا الأمر مباشرة،وبدلًا من ذلك رأينا على سبيل المثال السناتور الجمهوري بيت دومينيتشي يتحدث عن العيد المنوي لإنشاء نادي ٤.هـ.والسناتور الجمهوري جيم بانج يتحدث عن مستقبل المزارعين في ولاية كانتاكي التي يمثلها.والسناتورة باربرا بوكسر تعطي الكونجرس نبذة تاريخية عن مدينة ماونتن فيو في ولاية كاليفورنيا.
استحداث صفة جديدة في القانون الدولي
ومما لا يقل خطورة إقدام إدارة بوش على إعطاء نفسها الحق في أن تحكم إذا كان أي مواطن أمريكي أو أجنبي جزءًا من منظمة إرهابية.وبالتالي تجريده من حقوقه الدستورية أو الحقوق التي يكفلها له القانون الدولي،فقد قامت حكومة بوش بسجن ٦٦٤ فردًا من ٤٢ دولة،بينهم أطفال في سن المراهقة.في معسكر اعتقال في قاعدة جوانتانامو،حيث لا يطالهم حكم الدستور الأمريكي وقامت بنعتهم بصفة «محاربين غير شرعيين »،وهي صفة لم تكن معروفة في القانون الدولي من قبل،وبذلك قررت أنهم لا تنطبق عليهم معاهدات جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب،ولم يتم توجيه أي نهم إلى أي منهم.
والحالتان الصارختان هنا هما حالة المواطنين الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة ياسر عصام حمدي وهوزيه باديللا.فياسر حمدي عمره ٢٢ سنة،وولد في مدينة باتن روج في ولاية لويزيانا ولكنه نشأ في السعودية،وقد ادعى البنتاجون أنه اعتقل أثناء محاربته إلى جانب طالبان في أفغانستان،بينما اعترفت فيما بعد أنه في الواقع سلم نفسه إلى تحالف قوات الشمال «الأفغاني»،قبل أن يقوم بأي عمل قتالي على الإطلاق،أما باديللا فقد ولد في بروكلين بمدينة نيويورك لأسرة أصلها من بورتوريكو، وقد اعتقل في مطار أوهير بشيكاغو عند وصوله من پاکستان بتاريخ ٨ مايو ٢٠٠٢م،وقد احتجز مدة شهر بدون توجيه أي تهمة له وبدون السماح له بالاتصال بمحام أو العالم الخارجي.
ثم نقل بعد ذلك إلى سجن عسكري في مدينة شارلستن بولاية كارولينا الجنوبية،ونعته الرئيس بوش بأنه «رجل سيئ» و«عدو محارب» ولم توجه إليه أي تهمة،وباءت بالفشل جميع المحاولات لإجبار الحكومة على توجيه التهمة إليه أو محاكمته أو إطلاق سراحه،وتذرعت الحكومة بأنه ليس للمحاكم سلطة على سجين عسكري.
وبهذا فإنه بعد عام ونصف العام على أحداث ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ أصبحت على الأقل مادتان في «وثيقة الحقوق» مجرد حروف ميتة،وعلى وجه التحديد المادة الرابعة التي تحرم التفتيش والمصادرة بدون إذن من القضاء، والمادة السادسة التي تضمن وجود محام للدفاع ووجود محلفين موثوقين وحق الفرد في مواجهة من يتهمونه،والحماية ضد تجريم النفس (عن طريق الإدلاء بمعلومات تجعله يقع تحت طائلة القانون)،وأهم من كل شيء إجبار الحكومة على الإفصاح عن التهم «ضد الأفراد» ونشرها على الملأ .وبهذا يتحقق النصف الثاني من تحذير توماس جيفرسون القديم: «عندما تخشى الحكومة الناس فهذه حرية،أما عندما يخاف الناس من الحكومة فهذا هو الطغيان ».
الانهيار المالي
أما المحنة الأخيرة للإمبراطورية فهي الانهيار المالي، وهي تختلف عن المحن الأخرى في أن الإفلاس ربما لا يقضي على الدستور الأمريكي، كما ستفعل الحرب اللانهائية وفقدان الحرية والتعود على الكذب من قبل الرسميين، ولكنها أكثر محنة تؤدي بالتأكيد إلى احدث حالة من الأزمة: فقد أثبتت أمريكا أنها جاهزة عسكريًا لحرب مع العراق وربما حتى مع كوريا الشمالية، واحتمال أن تكون جاهزة أيضًا لحرب مع إيران، ولكنها ليست جاهزة اقتصاديًا لأي من هذه الحروب، وليس فقط للحروب الثلاثة متتابعة، وفي مدة قصيرة.
إن الهيمنة العسكرية الدائمة على العالم عملية مكلفة:ففي العام المالي ٢٠٠٣م وصلت ميزانية الدفاع-التي وقعت في ٢٣ أكتوبر ٢٠٠٢ م-إلى ٣٥٤٨ مليار دولار،وفي العام المالي ۲۰۰٤م طلبت وزارة الدفاع زيادة مييزانيتها إلى ۳۸٠ مليار،وعندما عرضت الميزانية على الكونجرس استنفد النواب المتزلفون وقت المناقشة للتأكد من الوزير أنه لا يحتاج نقودًا أكثر،أو في اقتراح مشروعات تسليح ضخمة جديدة تنفذ في دوائرهم الانتخابية،كان لسان حالهم يقول:إنه مهما أنفقت أمريكا على «الدفاع» فإنه ليس بكاف.إن أكثر دولة تنفق على الدفاع بعد أمريكا هي روسيا ولكنها تنفق ما لا يزيد على ١٤% مما تنفقه أمريكا،وتكافئ النفقات العسكرية الأمريكية المالية مجموع النفقات العسكرية للسبع والعشرين دولة التي تليها في كثرة الإنفاق العسكري،ولا تشمل الميزانية العسكرية الأمريكية المذكورة ميزانية المخابرات.ومعظمها تتحكم فيه البنتاجون.ولا تشمل كذلك نفقات حرب العراق ولا الطلب الذي تقدمت به البنتاجون للحصول على ميزانية خاصة قدرها ١٠ مليارات دولار لمكافحة الإرهاب.
وقد اختلفت التقديرات للكلفة المحتملة الحرب العراق بشكل كبير،ففي عام ٢٠٠٢م،قد لورانس لندسي.كبير المستشارين الاقتصاديين لبوش.أن مهاجمة العراق ستتطلب نحو ١٤٠ مليار دولار،ولكن هذا الرقم يبدو صغيرًا الآن،ففي مارس ۲۰۰۳م،قالت إدارة بوش: «إنها ستحتاج مبلغًا إضافيًا يتراوح بين ٦٠ و ٩٥ مليار دولار لتغطية الحشد العسكري حول العراق فقط،بما في ذلك حاملات الطائرات والذخائر والإمدادات الأخرى، بما فيها الوقود الذي سيستهلك في العمليات.ولا يشمل هذا المبلغ تكلفة الاحتلال الذي سيعقب الحرب ولا تكلفة إعادة الإعمار في العراق.
لقد تكلفت حرب العراق الأولى حوالي ٦١ مليار دولار،ولكن حلفاء أمريكا دفعوا ٥٤.١ مليار أي ٨٠% من التكلفة الكلية،وتحملت الولايات المتحدة المبلغ الزهيد الباقي وهو نحو ٧ مليارات،بينما ساهمت اليابان وحدها بثلاثة عشر مليارًا،ولكن شيئًا من هذا لن يحدث مرة أخرى،فالعالم كله تقريبًا أجمع على أن القوة العظمي الوحيدة إذا أرادت أن تخوض حربًا استباقية خاصة بها.فإن عليها تحمل التكلفة،المشكلة أن الأموال أصبحت شحيحة في أمريكا،فالعجز «المتوقع» في الميزانية الفيدرالية العام ٢٠٠٣م يصل إلى ٢٠٤ مليارات دولار بدون حساب تكلفة حرب العراق وبدون التبعات المالية الناتجة عن العجز في المشروعات التي تضمنها أو تدعمها أو تنفق عليها الحكومة الأمريكية،أما على مستوى الولايات،فكلها تعاني من عجز مالي،وتناشد الحكومة الفيدرالية مد يد المعونة وخاصة لمواجهة الالتزامات التي فرضها الكونجرس على الولايات بخصوص سبل مقاومة الإرهاب.
وتحسين الدفاع المدني، ويقدر قسم الميزانية التابع للكونجرس أن العجز المالي للحكومة الفيدرالية سيتعدى 1.1 تريليون دولار «ألف مليار» خلال السنوات الخمس القادمة، بالإضافة إلى الديون الحالية على الحكومة التي وصلت قيمتها في فبراير ۲۰۰۳م إلى ٦,٤ تريليون دولار.
إن الإمبريالية الأمريكية والنزعة العسكرية للولايات المتحدة وصلتا إلى مرحلة متطورة جدًا.بحيث أصبحتا تشكلان عقبة في وجه النمو في أمريكا، ولذلك فإن الانحدار قد بدأ فعلًا، إن البلاد تسير الآن على نفس مسار الهبوط الذي سار عليه غريمها في فترة الحرب الباردة.الاتحاد السوفييتي-إن رفض الولايات المتحدة تفكيك إمبراطوريتها من القواعد العسكرية بعد اختفاء خطر الاتحاد السوفييتي،إضافة إلى ردها الخاطئ على أحداث 11 سبتمبر قد جعلا انحدارها أمرًا لا مفر منه تقريبًا.إن هناك تطورًا واحدًا يمكنه أن يوقف هذه العملية السرطانية «انزلاق أمريكا إلى الإفلاس».وهو أن يستعيد الشعب السيطرة على الكونجرس،ويصلحه ويصلح قواعد الانتخابات.بحيث يصبح الكونجرس مجلسًا ديمقراطيًا يمثل الشعب تمثيلًا حقيقيًا،وفي الوقت نفسه قطع الأموال عن البنتاجون وعن وكالة المخابرات المركزية.فهذه على كل حال هي الطريقة التي أمكن بها وقف حرب فيتنام.
يقول جون ليكاريه. الروائي الذي اشتهر بكتاباته عن دور أجهزة المخابرات في الحرب الباردة: «لقد دخلت أمريكا إحدى نوبات الجنون، ولكنها هذه المرة أسوا من أي نوبة أخرى، أسوا من المكارثية، ومن خليج الخنازير، وعلى المدى الطويل ستكون أكثر سوءًا من كارثة حرب فيتنام، إن وجهة النظر هذه أكثر تفاؤلًا من وجهة نظري،فإذا كان ما يحدث هو نوبة من الجنون فقد يمكننا التغلب عليها لأن أمريكا لا يزال فيها مجتمع مدني قوي يمكنه،على الأقل نظريًا.التغلب على المصالح المتكرسة للقوات المسلحة ولمجمع الصناعات العسكرية،ولكنني في الحقيقة أخشى أن تكون أمريكا قد تخطت نقطة اللاعودة وأنه لا توجد وسيلة لإعادة الحكومة الدستورية اللهم إلا عملية إصلاح ثورية للنظام الأمريكي،بدون إصلاح الجذر والفرع فإن «تمسيس بالانتظار،وهي إلهة الانتقام التي تعاقب على التكبر والغطرسة حسب المعتقدات اليونانية الباطلة» والولايات المتحدة الآن على مسار نهايته عندها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل