العنوان محنة الإمبراطورية.. السرية والنزعة العسكرية وسقوط الجمهورية
الكاتب الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي
تاريخ النشر الجمعة 04-يونيو-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1603
نشر في الصفحة 38
الجمعة 04-يونيو-2004
أطلقت القوات الأمريكية في عام ١٩٩١ م ٩٤٤ ألف قذيفة من اليورانيوم المستنفد وهي مادة صنفتها الأمم المتحدة ضمن أسلحة الدمار الشامل.
النسبة الحقيقية الرسمية لضحايا أمريكا في حرب العراق الأولى هي ٢٩,٣٪ وليست ۰,۱۲٪ كما أعلن عام ١٩٩١م.
نشرت شركة متروبوليتان للنشر كتابًا للمؤلف شالمرز جونسون في عام ۲۰۰۰م عنوانه «الصدمة المرتدة: تكاليف ونتائج الإمبراطورية الأمريكية» تنبأ فيه بأن سياسات أمريكا في الخارج تخلق مناخًا يصبح فيه تعرضها لضربات انتقامية أمرًا محتملًا، ومما كتبه «إن سياسة العالم في القرن الحادي والعشرين ستكون في أغلب الظن في معظمها ردود أفعال للصدمات المرتدة نتيجة لسياسات النصف الثاني من القرن العشرين أي للحرب الباردة ثم إصرار واشنطن على الاحتفاظ بترسانتها الهائلة بعد انتهاء هذه الحرب»، وقد لاقى ذلك الكتاب رواجًا متوسطًا عند نشره، لكنه بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١م تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعًا، بينما كان الناس يحاولون فهم ما حدث من هجمات في ذلك اليوم وأسبابها ودوافعها، وفي يناير عام ٢٠٠٤م ظهر كتابه الجديد «محنة الإمبراطورية»، وتصدر قوائم أفضل المبيعات فورًا، وفيه يحذر من الوجود الأمريكي الواسع في الخارج، ويتوقع حدوث مآس كثيرة ومنها احتمال انتهاء الجمهورية الأمريكية ذاتها ما لم يتحرك الشعب ويمسك بلجام النزعة العسكرية المتصاعدة وميولها العدوانية. فقد قوبل الكتاب الجديد بترحيب كبير من العديدين من الكتاب والمؤلفين والصحف الكبيرة، وقد وجد جونسون نفسه وهو في الثانية والسبعين من عمره واحدًا من أكثر الناس انتقادًا للسياسة الأمريكية، وهذا يعتبر تغيرًا كبيرًا في مواقف هذا الأستاذ للعلوم السياسية المتقاعد من جامعة بركلي التي تعتبر واحدة من أرقى الجامعات في أمريكا، والذي قضى سنوات طويلة في العمل كمستشار لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث كان يقوم بتقييم ونقد التقارير الاستخباراتية لها ومن كلماته اللاذعة في نقد السياسة الحالية قوله: «كيف يمكن للرئيس بوش أن يسأل الكونجرس لماذا يكرهوننا وكل ما عليه فعله لمعرفة الإجابة التأمل في أركان حكومته التي تحتوي عددًا كبيرًا من الشخصيات التي انتهت مدة صلاحيتها بعد خدمتها في إدارات سابقة كانوا خلالها يتعاملون مع صدام حسين وأسامة بن لادن ومانويل نورييجا وأشباههم أو يؤيدونهم»، ثم ينتقد بشدة الوجود العسكري الأمريكي في الخارج ويقول متعجبًا: «كيف كان سيشعر الأمريكيون إذا وجدوا أنفسها في موقف العديد من مواطني الدول الأخرى؟»، ويشرح قائلًا: «لو كان عندنا في سان دييجو فرقة عسكرية تركية مثلًا فسيكون عندنا شباب وطنيون أمريكيون يقومون باقتناص فردين منها كل أسبوع».. وقال إنه يخشى أن عواقب العدوان الأمريكي في الخارج ستعود لتطارد الأمة وذكر كيف سقطت الإمبراطورية الرومانية وكيف شهد في حياته سقوط إمبراطوريات اليابان وألمانيا والاتحاد السوفييتي، وقال: «رغم أن سني ٧٢ سنة ونظرًا لتسارع الأحداث فإنني قد أشهد في حياتي انهيار الإمبراطورية الأمريكية». ويعقب جونسون: «إن الأمل ليس مفقودًا تمامًا، ولكن لابد أن يأتي التغيير من الناس أنفسهم»، ويمتدح المؤلف الحركة الشعبية المناوئة للعولمة التي بدأت في سياتل ۱۹۹۹م، وكذلك الإدانة الشعبية الواسعة في العالم لحرب العراق، ويشرح سبب تحوله من شخص شارك في الحرب الباردة إلى منتقد لسياسة الحكومة ويقول إنه اعتبر الاتحاد السوفييتي خطرًا وأن مواجهته مسؤولية مهمة لتأمين الأمن القومي الأمريكي، حتى جاء عام ۱۹۹۱م، وانهار الاتحاد السوفييتي وتوقع أن يعود السلام بعائد كبير، ولكنه فوجئ برد الفعل الذي تبعه. «توقعت أن يتم تفكيك الجهاز الهائل الذي خاض الحرب الباردة ولكننا تصرفنا بطريقة مثيرة لأشد الحنق لأن حكومتنا بدأت على الفور في محاولة إيجاد عدو بديل: الصين- عدم الاستقرار في العالم- حرب المخدرات- الإرهاب... باختصار أي شي».. ولذلك بدأ جونسون في مراجعة موقفه قال: سألت نفسي هل كانت الحرب الباردة غطاء وعذرًا يختبئ خلفه مشروع إمبراطوري أمريكي؟ وكانت الإجابة نعم.. ومن يومها راجع د.جونسون مواقفه كلها وكتب هذين الكتابين اللذين حققا رواجًا كبيرًا. ومن الأشياء التي سببت تغييرًا كبيراً في مواقفه أنه تقاعد من الجامعة في عام ۱۹۹۲م وأنشأ مركز دراسات السياسة اليابانية، وفي عام ١٩٩٦م تسلم دعوة من محافظ جزيرة أوكيناوا في اليابان ليعلق على وجود القوات الأمريكية في الجزيرة في أعقاب الضجة التي ثارت هناك بعد اختطاف واغتصاب فتاة في الثانية عشرة من عمرها من قبل اثنين من مشاة البحرية وبحار.
وقد احتفظت أمريكا بوجود عسكري في اليابان منذ عام ١٩٤٥م. ولكن جونسون صعق من زيارته حين علم أن هناك ٣٨ قاعدة أمريكية في جزيرة أوكيناوا وحدها، والعسكريون فيها لهم شواطئ ومضمارات جولف وأماكن ترفيه أخرى خاصة بهم وحدهم في أغلى المناطق في الجزيرة، وكأن هذا كله ليس كافيًا لاستثارة أهل الجزيرة، فإن حوادث الاغتصاب شائعة جدًا هناك من قبل الأمريكيين حتى إن الجنود يحالون إلى محاكم عسكرية بسببه بمعدل شخصين كل شهر منذ عام ١٩٤٥م.
«يمكن لقوى الطغيان أن تنجح في السيطرة على الشعوب الأجنبية، ولكن هذا لابد أن يتم بعد سيطرتها التامة على شعبها وتحطيم جميع مؤسساته المدنية».. المفكر حنا أرندت .
بعد سقوط بغداد يصبح من حق بلير وهوارد- رئيسي وزراء بريطانيا وأستراليا- أن يحصلا على مكافأتهما، وهي تناول الغداء مع الإمبراطور الطفل في مزرعته في كروفورد بولاية تكساس، فقد جيَّش الأمريكيون ٢٢٥ ألف جندي لحرب العراق وشارك البريطانيون بخمسة وأربعين ألفًا والأستراليون بألفين، ولم تكن المهمة حربًا بأي مقياس، بل إنها أثبتت فقط ادعاءات معارضي الحرب بأن قتل العراقيين وقهر المدينة العتيقة كما قهرتها جحافل المغول لم يكن له داع للتعامل مع المضايقات التي سببها نظام صدام، فقد تركت هذه الحرب أمريكا وحليفتها أضعف بكثير مما كانتا قبلها فقد تعرض التحالف الغربي لصدع لا يمكن إصلاحه، كما ذهبت أحلام بريطانيا لقيادة الاتحاد الأوروبي أدراج الرياح، وتخطط البنتاجون «وزارة الدفاع الأمريكية» لخلق دولة عميلة في العراق مجزأة فعليًا بين طوائفها الثلاث الشيعة والسنة والأكراد كما ضعفت هيبة القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بشكل خطير، ولا يستطيع المرء حل لغز موافقة البريطانيين والاستراليين على المشاركة في هذه المهزلة، بينما كان في إمكانهم بمنتهى السهولة البقاء في بر الأمان والوقوف إلى جانب الصواب. لقد استمرت الولايات المتحدة في الانزلاق نحو الإمبريالية وتنامي النزعة العسكرية فيها ولكن قادتها أخفوا نياتهم الإمبراطورية في الشعارات مثل القوة العظمي الوحيدة والشرطي الذي يتحتم عليه أداء واجبه والتدخل لأسباب إنسانية، والعولمة، ولكن هذه الشعارات تغيرت بوصول جورج بوش إلى سدة الحكم في عام 2000م وصار واضحًا جليًا وجود النزعة الأمريكية لتكون وريثة الإمبراطورية الرومانية، حتى كتبت الصحفية الإنجليزية «مادلين بانتج »أن الإمبراطورية الأمريكية كانت دائمًا تصورًا خيالياً يطرحه أناس من أقصى اليسار، ولكنها أصبحت حقيقة واقعة مدعاة للقلق.
وفي التاسع عشر من مارس ۲۰۰۳م أقدمت أمريكا على خطوة إمبريالية هي غزو العراق وهو دولة مستقلة ذات سيادة يبلغ عدد سكانها حوالي ثمانية بالمائة من عدد الأمريكيين، ولا يوجد لديها عملياً أدنى قدرة للدفاع عن نفسها ضد الترسانة الأمريكية المتفوقة. لقد أقدمت أمريكا على حربها الثانية ضد العراق بدون سبب شرعي، وفي وجه معارضة شديدة في جميع أنحاء العالم ضد أعمالها ودوافعها ضاربة عرض الحائط بالأعراف الدولية التي وجدت خلال الحرب الباردة والتي ترجع جذورها إلى القرن السابع عشر وهي الأعراف المبنية على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وعدم شرعية الحروب العدوانية.
أمريكا تركب نمر نابليون
ومنذ أن قررت الولايات المتحدة ترسيخ تفوقها العسكري على العالم أصبحت تقف وحيدة تثير الخوف والكراهية فاسدة وتنشر الفساد، تفرض النظام باستعمال إرهاب الدولة تارة وبالرشوة تارة أخرى، وكذلك غرقت في شعارات إعلامية جنونية وزائفة، وبسلوكها هذا فهي تستدعي تكاتف العالم ضدها. لقد ركبت أمريكا نمر نابليون (أصيبت بحمى القهر العسكري للغير) ولكنها الآن لا تستطيع الترجل عنه. إن ظهور المنحنى في الإمبراطورية هو نتيجة لا يمكن الهروب منها للنزعة العسكرية والإمبريالية التي اختارتها الصفوة الحاكمة في أمريكا بعد ١١ سبتمبر، والتاريخ خير شاهد على أن هذه النزعة يعقبها دائمًا ندامة وآلام، ولربما كان شعار النصرانية- الصليب- هو أشهر رمز يذكر بالندامة والآلام التي نتجت عن الإمبراطورية الرومانية، وهو شاهد على أبشع ميتة ابتدعها الرومان لعقاب من يخرج عن الصراط عندما كان شعار الأباطرة هو «دعهم يكروهننا طالما أنهم يخافوننا».
4 محن تنتظر أمريكا
ويبدو لي أن هناك أربعة أنواع من المحن ستعاني منها أمريكا، وسيضمن تأثيرها التراكمي بلا شك أن تصير الولايات المتحدة إلى صورة ليس لها أي علاقة بصورتها التي رسمها لها دستور عام ۱۷۸۷م. أولى هذه المحن دخول أمريكا في حالة حرب لا نهاية لها تؤدي من ناحية إلى تزايد عمليات الإرهاب ضد الأمريكيين حيثما كانوا، وفي ناحية أخرى إلى تفشي لجوء الدول الصغرى إلى تطوير الأسلحة النووية لمحاولة درء العدوان الإمبراطوري عليها. وثاني هذه المحن ضياع الديمقراطية والحقوق الدستورية داخل أمريكا عندما تطغى الرئاسة على سلطات الكونجرس، بينما تتحول الرئاسة نفسها من فرع تنفيذي- على قدم المساواة مع الفرع التشريعي والفرع القضائي للسلطة- إلى طغمة عسكرية حاكمة، وثالث محنة تتمثل في طمس الحقائق التي تستبدل بها الدعايات والتضليل الإعلامي الذي يمجد الحرب واستخدام القوة والطبقة العسكرية. والمحنة الرابعة والأخيرة خطر الإفلاس نتيجة لصب أمريكا مواردها الاقتصادية في أعمال عسكرية لتحقيق العظمة بدلًا من الإنفاق على التعليم والصحة وتوفير الأمن للمواطنين.
إن بوش ومن يرسمون السياسة الخارجية من رجاله لا يفهمون سبب انهيار الاتحاد السوفييتي فهم يظنون خطأ أننا كسبنا الحرب الباردة، ولكن الحقيقة هي أننا لم نخسرها بنفس السرعة التي خسرها بها الاتحاد السوفييتي، وذلك بسبب ثروتنا الكبيرة، ولكنني أؤمن بأننا نعاني من كثير من المشكلات التي سببت انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية المطاف.
الحرب الاستباقية
تحت ذريعة الرد على هجمات القاعدة في 11 سبتمبر ٢٠٠١م، أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة ستسود العالم بالتفوق العسكري وستوجه حروبًا استباقية ضد أي منافس محتمل لها، وقد بدأ يوضح جوهر هذه السياسة في خطابه أمام طلبة الأكاديمية العسكرية في قاعدة وست بونيت، في الأول من يونيو ٢٠٠٢م، وفي تقريره عن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. الصادر في ٢٠ سبتمبر ٢٠٠٢م قال الرئيس في خطابه في وست بونيت إن لأمريكا الحق في قلب أي حكومة في العالم يُخشى أن تشكل تهديدًا للأمن الأمريكي، وقال: إن على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لشن الحرب على الإرهاب ضد عدد من الدول يصل إلى ستين دولة إذا ما أرادت التأكد من أن أسلحة الدمار الشامل لن تسقط في أيدي الجماعات الإرهابية، وقال عن ذلك: لا بد من نقل المعركة إلى أرض العدو وأن نخرب خططه ونواجه تهديداته في مهدها وأن على الأمريكيين أن يكونوا مستعدين لتوجيه ضربات وقائية إذا دعت الضرورة لحماية حريتنا وحماية حياتنا. إن الطريق الوحيد لتحقيق الأمن في عالمنا هو طريق العمل، وأمتنا ستعمل ما عليها.
وبالرغم من أن بوش لم يذكر هذه الدول الستين بالاسم إلا أن العدد الذي ذكره يمثل تصعيدًا للعدو الذي ذكره نائب الرئيس تشيني الذي قال في نوفمبر ٢٠٠١م: إن هناك من أربعين إلى خمسين دولة تريد الولايات المتحدة مهاجمتها بعد إزالة إرهابيي القاعدة من أفغانستان. وقد برر الرئيس في خطابه هذا العملية العسكرية الهائلة التي يقترحها باستخدام مبادئ عامة مقبولة عالميًا، فقال: سوف ندافع عن السلام ضد تهديدات الإرهابيين والطغاة، وسوف نحافظ على السلام بإقامة علاقات حسنة مع القوى الكبرى، وسوف ننشر السلام بتشجيع المجتمعات الحرة والمفتوحة في جميع القارات، ثم أضاف: إن المعايير الأخلاقية واحدة في كل ثقافة وفي كل وقت وفي كل مكان، وهي مقولة غير صحيحة، ولكن بورودها من فم رئيس الولايات المتحدة في مناسبة رسمية أصبحت بمثابة هدف معلن تبذل الجهود لتحقيقه بلا هوادة.
استراتيجية الأمن القومي
أما في تقريره عن استراتيجية الأمن القومي فإن الرئيس بوش قد توسع في هذه الأهداف حين قال: إن أمريكا يجب أن تقف بحزم مع مطالب الإنسانية التي لا يمكن التفريط فيها: الكرامة وحكم القانون، وتحديد سلطات الحكومات، وحرية التعبير وحرية العبادة والمساواة أمام القانون واحترام المرأة وقبول التعددية الدينية والعرقية وحماية الملكية الخاصة. وقد ورد في مقدمة التقرير- الذي كتبته كونداليزا رايس في أغلب الظن- هناك نموذج واحد حقيقي وصحيح لنجاح الأمم- هو النموذج الأمريكي طبعًا- وهو حقيقي وصحيح لكل شخص في كل مجتمع فعلى الولايات المتحدة أن تدافع عن الحرية والعدالة لأن هذه المبادئ حقيقية وصحيحة لكل الناس في كل مكان.
مثل هذه الاستراتيجية واسعة النطاق ينتج عنها في أغلب الظن زعزعة في الاستقرار العالمي أكبر بكثير مما كان الإرهابيون الذين قاموا بتفجيرات ۱۱ سبتمبر يأملون أن يحققوه بأنفسهم، وذلك لأن تصرفات الولايات المتحدة تجعلها تبدو وكأنها مصرة على تنفيذ التهديدات بنفسها التي تقول إنها تحاول منع الإرهابيين من تنفيذها.
مشكلات لم تكن في الحسبان
لكن تنفيذ استراتيجية الأمن القومي المقترحة سيواجه بصعاب جمة، وسينتج عنه العديد من المشكلات التي لم تكن في حسبان أو نية من وضعوها، فبحلول منتصف عام ٢٠٠٣م كانت القوات الأمريكية مكلفة بمهام فوق طاقتها بصورة خطيرة، وكانت الحكومة الأمريكية تنزلق أكثر فأكثر في الديون حتى تستطيع تمويل آلتها الحربية الضخمة، وقد استأثرت وزارة الدفاع بما يصل إلى ٩٣٪ من الميزانية المخصصة للشؤون الخارجية بينما حصلت وزارة الخارجية نفسها على ٧٪ فقط من هذه المخصصات، ولا توجد إمكانية لتحويل أي مخصصات أخرى إلى أي مغامرات عسكرية في المستقبل. لقد حشد البنتاجون ربع مليون جندي لغزو العراق، كما أن هناك الآلاف من الجنود مشغولون باشتباكات يومية في أفغانستان، وهناك أيضًا مئات الأطقم البحرية والجوية المشغولة دائمًا برعاية الأسلحة الاستراتيجية في المياه المحيطة بكوريا الشمالية، كما أن بضعة آلاف من مشاة البحرية تم إرسالهم إلى جنوب الفلبين لمحاربة حركة إسلامية عمرها قرن من الزمان، وعلاوة على ذلك، فإن هناك المئات من الخبراء العسكريين الأمريكيين يشاركون في حرب في كولومبيا تشبه في سمائها المراحل المبكرة لحرب فيتنام، كما أن أمريكا تحتفظ بوجود عسكري في ١٤٠ دولة من مجموع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها ۱۸۹ دولة وهذا يشمل قوات كبيرة الحجم في 5 من هذه الدول، وإضافة إلى ذلك فإن الولايا المتحدة ترتبط بمعاهدات واتفاقيات دفاع ملزمة مع ما لا يقل عن ٣٦ دولة. وحتى بدون العائق المالي، فهناك عامل آخر هو عدم قبول الشعب الأمريكي بخسائر بشرية كبيرة في أي حرب، ولتحقيق النصر العسكري دون تلاحم مع العدو، فقد أخذت البنتاجون على نفسها عبء إعداد ترسانة ضخمة وباهظة التكاليف تعتمد على الحاسوب والتحكم من بعد. وأنفقت ببذخ على القنابل الذكية ووسائل الاستشعار في ميادين المعارك، والذخائر الموجهة بالحاسوب والطائرات والسفن الفائقة القدرة. والهدف من كل هذا العتاد وكلفته الغالية هو إبعاد القوات عن مرمى نيران العدو .
الأسوأ يأتي بعد المعركة
ولكن للأسف، وكما أظهرت الحربان في أفغانستان والعراق فإن القوات البرية عليها أن تدخل الميدان في أعقاب الهجمات الجوية الصاروخية الكاسحة، فالحرب الأولى مع العراق سنة ۱٩٩١ أنتجت أربع فئات من الضحايا : القتلى في العمليات والجرحى في العمليات والقتلى في الحوادث بما فيها ما يسمى النيران الصديقة والجرحى والمرضى بعد انتهاء العمليات. وخلال عام ۹۰- ۱۹۹۱م خدم في منطقة الخليج ٦٩٦٧٦ فردًا كعناصر في عمليات درع الصحراء وعاصفة الصحراء من هؤلاء قتل في المعارك ١٤٨ وجرح ٤٦٧، بينما قتل ١٤٥ في الحوادث، فبلغ مجموع الضحايا ٧٦٠ فردًا وهو عدد صغير إذا أخذ في الاعتبار حجم العمليات التي تمت، ومع ذلك فحتى مايو ۲۰۰۲م ذكرت إدارة شؤون العسكريين المتقاعدين في أمريكا أن ٨٣٠٦ جنود قد ماتوا، وأن( ۷٠٥. ۱٥۹) جرحوا أو أصيبوا بأمراض نتيجة لأداء الخدمة في تلك العمليات، ومما يستدعي القلق أيضًا أن ٢٠٦٨٦١ عسكريًا أي حوالي ثلث جيش وارسكوف قائد قوات عملية تحرير الكويت قدموا طلبات لتغطية تكاليف رعايتهم الصحية أو طلب معاشات أو تعويضات بناء على أمراض أصابتهم نتيجة لأداء الخدمة عام ۱۹۹۱م، وبعد مراجعة هذه الطلبات فإن الإدارة قد صنفت ١٦٨۰۰۱۱ فردًا منهم بأنهم معاقون، وفي ضوء هذه الوفيات والإعاقات فإن نسبة ضحايا حرب الخليج الأولى هي في الحقيقة نسبة مهولة تصل إلى 29.3%.
اليورانيوم المستنفد
والسبب الرئيس المحتمل لهذه الوفيات والإعاقات يعود إلى استخدام اليورانيوم المستنفد على نطاق واسع في الذخيرة. وهذا الموضوع محل جدل محتدم، فبعض الباحثين- غالبًا يتم تمويلهم من البنتاجون- يجادلون بأن اليورانيوم المستنفد لا يمكن أن يكون سبباً لهذه الأمراض وأن السبب المحتمل هو الغبار والمخلفات الناتجان عن تدمير مصانع صدام حسين لإنتاج الأسلحة الكيماوية والجرثومية في عام ۱۹۹۱م، أو ربما كان السبب توليفة من حبيبات اليورانيوم المستنفد من نواتج تدمير مخازن غاز الأعصاب مع الهواء الملوث بنوائج احتراق آثار النفط في ذلك الوقت، ولكن ما يعزز فرضية أن اليورانيوم المستنفد هو السبب في هذه الأمراض ظهور أعداد كبيرة من حالات السرطان غير الطبيعية وكذلك العيوب الخلقية في الأطفال المولودين في العراق، وكذلك في مناطق كوسوفا التي استخدمت فيها أمريكا اليورانيوم المستنفد في الذخيرة التي أسقطت في الغارات الجوية في عام ١٩٩٩م، وأكثر من ذلك فإن إصرار الجيش الأمريكي على استعمال اليورانيوم المستنفد في ذخيرته يعتبر استهزاء بقرار الأمم المتحدة الصادر عام ١٩٩٦م، الذي يعتبر اليورانيوم المستنفد واحدًا من أسلحة الدمار الشامل.
اليورانيوم المستنفد- أو يورانيوم ۲۳۸- هو أحد مخلفات المفاعلات الذرية وصواريخ كروز لأنه أثقل من الرصاص بنسبة ٧٠٪ ويخترق الدروع بسهولة ولكنه يتبخر عند التصادم مع الهدف، وتتغير تركيبته بحيث يمكن أن يكون مميتاً جداً، وتحتوي كل قذيفة تطلقها دبابة أمريكية على ٢ إلى ١٠ أرطال من اليورانيوم المستنفد، وبذلك يمكن اعتبار مثل هذه الذخيرة أساسًا «قنبلة قذرة».. ربما ليست مشعة بمفردها، ولكن هناك شك كبير في أن استخدام أعداد منها معًا يتسبب في أمراض خطيرة وتشوهات في المواليد. وقد أطلقت القوات الأمريكية في الكويت والعراق عام ۱۹۹۱م ما يصل إلى ٩٤٤ ألف قذيفة بها يورانيوم مستنفد واعترفت البنتاجون بأنها تركت في ساحة القتال كمية تتعدى ٣٢٠ طنًا على أقل تقدير من اليورانيوم المستنفد، وقد أظهرت دراسة أجريت على الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب أن أولادهم كانوا أكثر عرضة للتشوهات بما فيها عدم وجود عيون وأمراض الدم ومشكلات جهاز التنفس والتحام الأصابع. وعلى الرغم مما تسببه من دمار لقواتنا وللمدنيين منا، فإن الجيش الأمريكي يظل ملزمًا باستعمال أكثر أنواع القنابل فتكًا، حتى بدون التستر وراء الادعاء بأنها تستعمل بدقة ضد أهداف العدو العسكرية المهمة، ويمكن للمرء أن يقرأ عن هذا الجانب من عقلية الجيش الأمريكي في كتابات هارلان أولمان، وهو مسؤول رفيع في البنتاجون وصنيعة كولن باول التي يدافع فيها عن مهاجمة أمريكا لأعدائها بنفس الطريقة التي هزمت بها اليابان في الحرب العالمية الثانية، والتي يقول فيها: الأسلحة والذخائر الباهرة، وهي المكافئ العصري للقنبلة الذرية، يجب أن تطور وتصنع، وكما أقنعت القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي الإمبراطور والقيادة العسكرية بأنه لا جدوى حتى من استعمال الهجمات الانتحارية ضد الجيش الأمريكي، فإن مثل هذه الأدوات لابد من استعمالها لتحقيق نفس النتائج مع أعداء أمريكا. وأولمان هو من خرج بفكرة أن أمريكا يجب أن تردع وتتفوق على عدوها عن طريق إدراك العدو وخوفه من ضعفه أمام قوتنا التي لا تقهر ويسمى هذا النهج الرعب والصدمة حتى إنه اقترح ذات مرة تطور واستعمال موجات كهرومغناطيسية لتهاجم الجهاز العصبي للأفراد وتسبب لهم رعبًا يؤدي إلى موتهم.
المجمع العسكري الذي يروج للنزعة العسكرية يشمل العسكريين المحترفين والشركات العملاقة التي جعلت من العنف والدمار مصدر أرباحها الضخمة، وشركات الخدمات العسكرية والمرتزقة، وهذه الأخيرة ظهرت على الساحة مؤخرًا مع الاتساع في خصخصة الأنشطة العسكرية، حتى وصل الأمر إلى أن كل ما على الجندي عمله هو شن الحرب وليس عليه أن يعرف شيئًا عن تنظيف الثكنات ونوبات الحراسة وطهي الطعام ولأن هذه شركات خاصة للمقاولات العسكرية، فلا تنطبق عليها قواعد الانضباط العسكري وكل عملياتها تعتبر أسرارًا خاصة بها لا يمكن تطبيق الرقابة العامة عليها كما في حالة القوات المسلحة. على المرء أن يتساءل لماذا تدفع القوات المسلحة ألف دولار يوميًا ليقوم أحد المرتزقة بأعمال يمكن أن يقوم بها أحد المارينز براتب شهري ۲۳۰۰ دولار؟ لابد أن هناك خطأ ما في هذا الوضع.
بعد انتهاء الحرب الباردة سادنا شعور بالعظمة وإدراك لقوتنا الهائلة جعلنا نعتقد أننا نملك هذه القوة لأننا نستحقها وساد عند النخبة منا دافع للسيطرة على الآخرين بسبب أننا نملك الوسائل لتحقيق ذلك، وكان منطقهم هو أننا كي ندافع عن قواعدنا في الخارج فيجب أن نؤمن المناطق التي تقع فيها هذه القواعد، وكي نحقق ذلك علينا التوسع وإنشاء قواعد جديدة تساعد على حماية القواعد القديمة.
نحن بلا أدنى شك في خطر من الهجمات الإرهابية أكبر بكثير مما كنا في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م فقد انزلقت أفغانستان في فوضى تماثل الفوضى التي سادتها قبل وصول طالبان إلى الحكم، تدعي آلة الدعاية الأمريكية تحقيق نصر أمريكي كاسح في أفغانستان، بينما الحقيقة هي أن قادة طالبان والقاعدة قد هربوا وتحولت البلاد في وقت قصير إلى محضن لتفريخ الإرهابيين، ونتائج أعمالنا في العراق ستعود لتطاردنا لا محالة.
ستعاني أمريكا لعقود من تبعات الحرب في العراق الناتجة عن مشورة سيئة وتخطيط أسوأ