العنوان محور الكذب والتلفيق والخداع
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003
مشاهدات 101
نشر في العدد 1563
نشر في الصفحة 26
السبت 09-أغسطس-2003
حديث الساعة في كل أرجاء الدنيا هو: «محور الكذب والتلفيق والخداع» فقد اختفى الحديث عن «محور الشر» الذي ابتكره كاتب خطابات الرئيس بوش وتراجعت التهديدات الأمريكية ضد إيران وكوريا، واختفت سورية من المشهد حتى لا تظهر في «خريطة الطريق»، وظهر محور حقيقي لم يبتكره كاتب بل صنعته الحقائق: «محور الكذب»، إنه الكذب الصراح الذي لا يستحي في «أمريكا» ويحاول التجمل في «بريطانيا»، بينما يتجلد في« أستراليا».
في هذه البلاد الثلاث التي شاركت قواتها في الحرب على العراق يواجه كل من «توني بلير» رئيس الوزراء البريطاني والرئيس بوش في أمريكا، ورئيس الوزراء الأسترالي حملات التشكيك في صدقية ما قدموه من معلومات تبرر خوض الحرب، وسرعان ما انهارت جبهة الكذب لتبدأ مواجهة حملات التحقيق في التلفيق والخداع.
خطورة الأمر أن هذه بلاد قد تتحمل أخطاء شخصية من زعمائها مثل الفضيحة الجنسية للرئيس كلينتون، إلا أنها لا تحتمل خطيئة مثل الكذب على البرلمان لأسباب عديدة:
فالصراعات الداخلية في كل حزب حاكم قوية، والمتربصون ببلير كثر، وهم الذين بدأوا الحملة على زعيم حزب العمال في بريطانيا.
والصراعات بين الأحزاب الكبرى محتدمة وهي تنتظر مثل تلك اللحظة النادرة، الكذب على البرلمان؛ لأن الكذب هنا لا يعني فقط فقدان المصداقية، بل يعني تضليل ممثلي الأمة واستنزاف موارد البلاد في حملات حربية غير مبررة، خاصة عندما تلوح ملامح الفشل ويبدأ الاستنزاف الحقيقي في الأفراد والأموال، مثلما يحدث الآن في العراق، نزيف الجنود والنعوش الطائرة العائدة التي بدأت تستفز مشاعر الأمهات والأسر الذين يتساءلون: لماذا ذهب أولادنا إلى هناك؟ ولماذا يبقون في هذا المستنقع؟ لصالح أمريكا أم لصالح بوش وإعادة انتخابه وقد لا يطول بهم الوقت حتى يتحولوا إلى السؤال الصحيح: لصالح أمريكا أم لصالح إسرائيل؟
هنا يبدأ البحث عن الضحايا الذين يضحون بمناصبهم ومصالحهم الشخصية لصالح رئيسهم مثلما فعل جورج تينت، مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية لينقذ بوش، فتحمل مسؤولية الكذب بخصوص المعلومات المتعلقة بسعي العراق للحصول على يوارنيوم وأنه في سبيلة لصنع قنبلة نووية، واستخدم بلير هذه المعلومات الكاذبة ليضيف من عنده أن صنع القنبلة النووية لن يستغرق أكثر من 45 يومًا.
لكن بلير لا يجد من يضحي من أجله، بل يخوض هو وأركان حكمه حربًا ضد هيئة الإذاعة البريطانية التي نقلت معركتها ضد بلير شخصيًا وأيدها مجلس أمناء الهيئة، ولم تتخذ لجنة التحقيق موقفًا مناهضًا لها فاستمرت المعركة مستعرة ضد رئيس الوزراء، وأعادت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم فتح التحقيق من جديد حول الملف الذي أصدرته حكومة بلير عن أسلحة الدمار الشامل العراقي، ووصف المراقبون إعادة التحقيق بأنه تطور خطير.
استقالة «تينت» قد تنقذ «بوش»، بينما قد يضطر بليره إلى الاستقالة.
وحتى لو ثبت أن المخابرات الأمريكية ضللت الرئيس فهو يتحمل المسؤولية كاملة خاصة أن هذه الوكالة الاستخباراتية تتمتع بميزانيات هائلة وتقوم بمهام على مستوى العالم كله تتضمن انقلابات عسكرية أو ديمقراطية وقيادة حملات إعلامية أو عصيان مدني لإحداث تغييرات في نظم الحكم في كل قارات الدنيا؛ فكيف يتم الوثوق بمعلوماتها أو عملياتها بعد اليوم، خاصة إذا جاءت في إطار استراتيجية أمريكية عليا تهدف إلى الانفراد بالهيمنة على العالم وتستخدم الضربات الاستباقية لإجهاض أي خطر محتمل، وهذا ما سوف يقود إلى إشعال حروب ونزاعات عديدة.
وبدأ الديمقراطيون في أمريكا يستثمرون الموقف لصالحهم وهم الذين احتشدوا خلف الرئيس أثناء الحرب ونتيجة حملة التضليل والخداع التي كنا نظن أنها موجهة إلى الرأي العام العالمي والأمريكي، فإذا بها تشمل الجميع وأسوأ ما يمكن تصوره أن تشمل الرئيس شخصيًّا كبديل لإنقاذ ماء وجهه.
لا يتصور أحد تطورات الأمور في كل من بريطانيا وأمريكا واستراليا.
في بريطانيا يحاول حزب المحافظين استعادة مكانته، وقد يفلح إذا تحالف مع الديمقراطيين الليبراليين، إلا أن إزاحة حزب العمال تبقى أصعب من إزاحة بلير عن زعامة الحزب؛ إذ من المتوقع أن يفقد بلير مستقبله السياسي على مذبح صداقته الحميمة لأركان محور الشر الأمريكي.
أما جون هوارد في أستراليا فيبدو متماسكًا أكثر ويظهر أنه سيكون أقل المتضررين نظرًا لضعف حزب العمال المعارض.
ويبقى مستقبل الرئيس بوش غامضًا في ظل سطوة الإعلام المؤيد له، لكن العوامل الجديدة أضافت إلى الرصيد السلبي الذي أصبح يهدد شعبيته التي تتراجع كل يوم:
الفشل الأمريكي في إدارة شؤون العراق.
امتناع فرنسا وألمانيا عن المشاركة بقواتهما بالعراق.
إصرار الدول العربية الكبرى على إقامة حكومة عراقية منتخبة قبل التورط مع أمريكا التي تريد أن تنفرد بالكعكة العراقية، حتى إن المندوب السامي بول بريمر، منع عودة الطيران المصري إلى مطار بغداد ومنع العمال المصريين من دخول العراق.
الهجمات المتكررة ضد قوات الاحتلال بمعدل 25 هجومًا يوميًّا، وقد اعترف قائد القوات المركزية الأمريكية فرانكس بشراسة المقاومة، كما اعترف القائد الجديد جون أبي زيد بأنها حرب عصابات منظمة.
وقد ينضم إلى جبهة المقاومة آخرون، وإذا لم ينضم مقاومون مسلحون جدد، فعل الأقل ستنشأ جبهة وطنية سياسية معارضة للاحتلال وهذا يضيف إلى الرفض الشعبي للاحتلال مما يساعد المقاومة.
ازدياد أعداد القتلى من الجنود الأمريكيين (الرقم الآن أعلى من الذين سقطوا خلال أسابيع الحرب الثلاثة) وظهور لوبي ضاغط لسحب «الأولاد» من العراق
فشل خريطة الطريق وعرقلات شارون المستمرة لها مما يهدد مشروع التسوية الذي يريد بوش إضافته لرصيده الانتخابي.
عدم تحقيق إنجاز اقتصادي داخلي يساعد على استعادة الشعبية المتآكلة بل بوادر الفشل الاقتصادي تهدد بمزيد من تدهور الشعبية.
هل تفلح الملايين المتدفقة للحملة الانتخابية في إنقاذ «بوش»؟
هل تندفع العصابة الحاكمة (سواء سميناها عصابة إسرائيل، أو عصابة تكساس أو عصابة المحافظين الجدد) إلى مغامرة أخرى في إيران لاستعادة شعبية حالة الحرب؟ أم ينجح باول، في لجم الاندفاع هذه المرة؟
الخطير في الأمر أن الانفراد الأمريكي الذي أرادته هذه العصابة سيتحول إلى كارثة، فلن يثق بهذه الإدارة ولا بهذا المحور الكذاب أحد في العالم.
فها هو حلف الأطلسي الذي يريد الكونجرس شده إلى المستنقع العراقي يتردد في الاستجابة.
وها هم حلفاء أمريكا من العراقيين المعارضين الذين ورطوها بالتقارير الكاذبة يستشعرون حجم الخديعة الأمريكية.
والسؤال الموجه إلى الفلسطينيين والعرب وأصدقاء أمريكا من المثقفين العرب هل ما زالوا يثقون بوعود أمريكا؟
هل تثبت خريطة الطريق، ذات الرعاية الأمريكية في ظل «محور الكذب»؟
هل يتورط «أبو مازن»، «ودحلان»، في فتنة فلسطينية وحرب أهلية مقابل الأوهام والخداع والتضليل ويضحك شارون - موفاز - يعالون عاليًا؟!
هل ما زلنا نتوقع أن تعزز أمريكا الديمقراطية في المنطقة العربية؟ أم تصدق وزير الدفاع رامسفيلد في تراجعه المهين الذي قال فيه إن «هدف الحرب لم يكن إزالة أسلحة الدمار الشامل بل إحداث تغييرات في المنطقة»، وأنه لم تكن هناك معلومات جديدة تبرر شن الحرب بل إن الإدارة أعادت قراءة المعلومات القديمة في ظل استراتيجية جديدة للهيمنة والسيطرة فقررت شن الحرب؟!
والسؤال: لصالح من من دول المنطقة؟ الجواب: لصالح الكيان الصهيوني الذي أظهر أبشع ما فيه وفي العقيدة الصهيونية من إفرازات يمثلها محور الشر الحقيقي: النازيون الجدد في الحكومة الصهيونية.
علينا أن نعيد قراءة الأحداث من جديد وأن نبني رؤيتنا واستراتيجيتنا على الحقائق الصلبة على الأرض بدلاً من الأكاذيب والضلالات.
الحقائق التي تقول:
وهناك مقاومة صمدت في فلسطين أكثر من ألف يوم مشكلتها الحقيقية أنها أعادت طرح القضية الفلسطينية في جذورها..
وهناك مقاومة بدأت في العراق مرشحة للتصاعد والتأثير.
هناك رفض شعبي هائل للمخططات الأمريكية - الصهيونية.
لقد انكشف محور الكذب سريعًا، وهذا في صالح العرب والمسلمين..
ولم يعد الحديث عن حقيقة الأكاذيب بل عن مصير المتورطين خاصة بعد مقتل خبير الأسلحة ديفيد كيلي في بريطانيا، وبعد الكشف عن تقرير لجنة الكونجرس في التحقيق حول أحداث 11 سبتمبر وتوجيه الانتقادات إلى أجهزة المخابرات الأمريكية.
الدورس المستفادة
أن هناك محاسبة تقوم بها جهات متعددة الصحافة والإعلام الحر الذي لا يخضع لتوجيهات الحكومة؛ فدور الـ BBC في بريطانيا قبل وأثناء وبعد الحرب هو الدور الرئيس في فضح الممارسات الحكومية البريطانية.
أن النصر الذي تحققه الجيوش لا يعمي الأبصار عن الحقائق وأن انتصار بلير وبوش لم يغن عنهما شيئًا أمام محاسبة الرأي العام والبرلمانات، كما حدث من قبل مع تشرشل، بعد النصر المدوي في الحرب العالمية الثانية، فقد سقط في أول انتخابات بعدها.
أن آفة الكذب لا تغفرها الشعوب خاصة إذا تعلقت بالشأن العام؛ لأنها تقوم على أجساد الضحايا والاستقطاعات المالية التي تتم من أقوات الناس وثروات الشعوب.
أن التداول على السلطة ووجود حياة سياسية سليمة يجعل من الرقابة البرلمانية والسياسية أمرًا واقعًا؛ لأن هناك من يتربص بالمنافسين وهذا إن ظنه البعض مذمومًا في عرفنا إلا أنه يجب هنا وزن سلبياته بجانب إيجابياته؛ فوجود حالة التربص تؤدي بالسياسيين إلى محاسبة أنفسهم والنأي عن الوقوع في الأخطاء القاتلة.
يجب البحث عن المستفيدين من ذلك كله الآن، فلمن تعمل عصابة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية والتي ورطت الجميع حتى الآن؟
الأصابع كلها تتجه إلى العصابة الليكودية الصهيونية في الإدارة والتي يتغلب ولاؤها للكيان الصهيوني على ولائهم لأمريكا نفسها.
وأخيرًا..
هل أن لنا أن نعلم أن درس الحرية هو أثمن الدروس، وأنه في ظل الحرية يمكننا مراقبة الحكام ومحاسبتهم وهل كان يمكن - إذا كان في مصر مثلاً برلمان وصحافة حرة- أن يحاسب المصريون رئيسين سابقين على ما اقترفاه؟!
الأول: الرئيس عبد الناصر على هزيمة يونيو النكراء؟!
الثاني: الرئيس السادات على إهدار ثمرات نصر أكتوبر في معاهدة كامب ديفيد؟!
وهل حقًّا نعيش أزهى عصور الديمقراطية؟ إذا كانت ديمقراطيتنا هي أزهى الديمقراطيات فكيف نسمي ما يحدث في بريطانيا وأمريكا؟!! أعتقد أنهم بحاجة إلى خبرائنا ليعلموهم كيف تكون الديمقراطية؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل