; مداد القلم | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم

الكاتب العم عبد الله المطوع

تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992

مشاهدات 77

نشر في العدد 983

نشر في الصفحة 50

الأحد 05-يناير-1992

الرحمة

الحمد لله الذي علم بالقلم وهدانا طريق الرحمة الأقوم، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة الذي أرسله الله لكل الخلق بشيرًا بالدين الأقوم..

الإنسان من غير قلب أشبه بالآلة الصماء والحجر الصلد، فإن حقيقة الإنسان ليست في هذا الغلاف الطيني من لحم ودم وعظم وإنما هي تلك النفحة الربانية والجوهرة الروحية التي بها يحس ويشعر وينفعل ويتأثر ويتألم ويرحم.. هو ذلك القلب الحي الذي يرق للضعيف ويتألم للحزين ويحنو على المسكين ويمد يده إلى الملهوف.

بهذا القلب الحي ينفر من الإيذاء وينبو عن الجريمة ويصبح مصدر خير وبر وسلام لما حوله ومن حوله.. المؤمن إنسان ذو قلب رحيم، لأن مثلك الأعلى أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، وأن يكون له حظ من أسمائه تعالى وهي الرحمة.. الرحمة التي وسعت كل شيء وشملت المؤمن والكافر والبر والفاجر واستوعبت الدنيا والآخرة.

والمؤمن يعتقد دائمًا أنه فقير إلى الله وفقير إلى رحمة الله.. بهذه الرحمة يعيش في الدنيا ويفوز في الآخرة، ورحمة الله من عباده الرحماء، و«من لا يرحم لا يرحم».. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تؤمنوا حتى ترحموا.. قالوا يا رسول الله كلنا رحيم! قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة» ومن صفات المؤمنين في القرآن: ﴿وَتَوَاصَواْ بِٱلصَّبرِ وَتَوَاصَواْ بِٱلمرحَمَةِ﴾ (البلد:١٧) فالقلوب المؤمنة لا تخلو من رحمة الله، أما الكفر بالله والآخرة يتبعه قلب غليظ قاس، والقلوب القاسية هي التي ترتكب عادة أبشع الجرائم التي تقشعر لها الأبدان.

﴿وَإِنۡ عَاقَبتم فَعَاقِبُواْ بِمِثلِ مَا عُوقِبتم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرتم لَهُوَ خَير لِّلصَّٰبِرِينَ﴾ (النحل: ١٢٦).

﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئة مِّثلها فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّه إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (الشوري:٤٠).

ويصور لنا الشاعر مواقف الرحمة من رسول الرحمة كيف كان يقابل السيئة بالحسنة.

وجاء عقبة يلقي فوقه قذرًا               

والمصطفى ساجد في حرمة الحرم

هنالك اهتز ركن العرش من غضب       

ومادت الأرض من بيدا ومن أكم

وقال ربك إن الناس قد جحدوا             

فإن دعوت على الكفار أفنهم

فقال يا رب إن القوم ما علموا            

فاغفر لقومي في الدارين واهدهم

وهذا تصوير لقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة عندما قال لقريش: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: لا أقول لكم إلا ما قال أخي يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»!

وهكذا لا تظهر حقيقة الإيمان في الاختبارات الشفوية أو الممارسات الفردية إنما تظهر في الاختبارات العملية ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ (آل عمران:١٧٩).

ورحم الله الإمام الشافعي حيث يقول

لما عفوت ولم أحقد على أحد     

أرحت نفسي من هم العداوات 

ومن خصائص الإيمان الصادق حب العمل.

فليس الإيمان مجرد إدراك ذهني أو تصديق قلبي غير متبوع بأثر عملي في الحياة.. إنه اعتقاد وعمل وإخلاص.

ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

وقد ذكر القرآن الكريم الإيمان مقرونًا بالعمل في أكثر من سبعين آية من آياته، ولم يكتف بمجرد العمل، ولكنه يطلب عمل الصالحات، وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما يصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع وما تصلح به الحياة المادية والروحية.

والمؤمن لا يكتفي بالاندفاع الذاتي إلى العمل والبناء، بل يهمه أن يجوده ويتقنه ويبذل الجهد لإحسانه وإحكامه لأنه يعتقد أن الله يرقبه في عمله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل على رقيب     

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تخفي عليه يغيب     

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب

وأن غدًا للناظرين قريب     

وما أجمل هذا المعاني إذا اتصف بها المسلم!

«الراحمون يرحمهم الرحمن» «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»..

والرحمة هي النقيض للظلم وقال جل وعلا: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل