العنوان بين سماحة الإسلام وتعسف الحكام
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992
مشاهدات 64
نشر في العدد 990
نشر في الصفحة 50
الأحد 23-فبراير-1992
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ
هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)
(إبراهيم: 35).
إنما جاء الإسلام
ليحطم الأصنام وليذهب بريحها وليقضي على آثارها، وليحرر الناس من رقها، فهؤلاء
الوجهاء المتكبرون المتعاظمون، الذين انتفخت أوداجهم بالغرور، وانطلقت ألسنتهم
بقول الزور، هؤلاء الحكام المستبدون، الذين يستغلون في شعوبهم معاني الثقة
والتعظيم والطاعة والتكريم، فيحكمونهم ويكتبون حريات شعوبهم بالقهر. فلا يسمحون
لهم بالإدلاء برأي، ولا يتقبلون منهم المشورة والنصح، بل يعتبرون من حدثته نفسه
بذلك خارجًا على النظام العام، جاحدًا لحقوق المواطنة، خائنًا تجب محاكمته، آثمًا
تتلمس له المعايب، وتصب على رأسه المصائب.
إن مرض القداسة
والتأله الذي أصاب حكام المسلمين بدائه فلا يرجى من شفائه هو مرض فرعون القديم
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا
سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29).
حتى روضت الشعوب
فقال قائلهم: «والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين».
أما في ظل شريعة
الإسلام فقد تربى الفرد الحر الكريم الذي يؤمن بربه ويعتز بنفسه ويشعر بكرامته،
وحقه في حياة حرة آمنة عادلة لا سلطان فيها لغير الحق، ولا سيادة فيها لغير الشرع،
ولا امتياز فيها إلا بالتقوى. تجلت فيها سماحة الإسلام مع المخالفين في الدين أو
المعارضين للإمام.
فهؤلاء نصارى
نجران وقد دخلوا المسجد النبوي بعد العصر فشاطرهم الرسول إياه فكانوا يستقبلون
المشرق وهو يصلون بصلاتهم، وعقد ميثاقًا مع يهود المدينة لما ظهر عليهم، احترمت
فيها عقائدهم والتزمت الدولة بدفع الأذى عنهم حتى نقضوا عهده فنكل بهم، وأوصى بأهل
الذمة خيرًا والإحسان إلى القبط، وكان لا يقتل المنافقين مع علمه بهم لأنهم أظهروا
الإسلام وتلفظوا به، وعمر أبى أن يصلي في كنيسة القيامة حتى لا يتخذها المسلمون
ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدًا، وفي المسجد الأموي في دمشق رضي المسلمون أن
يشاطرهم فيها النصارى وكانوا يولونهم من الوظائف ما يتناسب وإبداعهم فمن الأطباء
ابن أثال وابن بختيشوع وسلمويه ومن الشعراء الأخطل النصراني وإبراهيم ابن هلال
الصابئ المجوسي وكل هؤلاء مخالفون في الدين، وكانت الحلقات العلمية تزخر بالنقاش
الهادئ مع اختلاف الأديان يبحث فيها المسائل دون إثارة لمشاكل طائفية.
قال خلف ابن
المثنى:
لقد شهدنا عشرة
في البصرة يجتمعون لا يعرف مثلهم في الدنيا علمًا ونباهة: هم الخليل بن أحمد صاحب
النحو «سني» والحميري الشاعر «شيعي» وصالح بن عبدالقدوس «زنديق ثنوي» وسفيان بن
مجامع «خارجي صفري» وبشار بن برد «شعوبي خليع ماجن» وحماد عجرد «زنديق شعوبي» وابن
رأس الجالوت «يهودي» وابن نظير المتكلم «نصراني» وعمر بن المؤيد «مجوسي» وابن سنان
الحراني «صابئ» وكانوا يجتمعون وينشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار ويتحدثون في جو
من الود لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في ديانتهم ومذاهبهم.
ألست معي أن قول
غوستاف لوبون: «إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل المسلمين ولا دينًا
سمحًا مثل دينهم» هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافًا للمسلمين.
أما المعارضون
للإمام، فكثير حيث إن الأئمة والعلماء كانوا يجرؤون على نقد الخلفاء ومحاسبتهم وفي
ظل هذه الحرية تربى الفرد الذي يقول لأمير المؤمنين علانية: «لو رأينا فيك
اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا» وترد المرأة على الخليفة وهو على المنبر، ويقف العلماء
أمام الحكام فيعظونهم علانية كسفيان الثوري وقد دخل على أبي جعفر المنصور بمنى
فقال: ارفع لنا حاجتك فقال سفيان: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلمًا وجورًا..
وهذا سليمان بن
عبدالملك يرسل إلى أبي حازم ليدعوه ويسأله: ما تقول في؟ قال: أوَتعفيني؟ قال: لابد
فإنها نصيحة تلقيها إلي. فقال يا أمير المؤمنين: إن آباءك قهروا الناس بالسيف
وأخذوا هذا المال عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا فيهم مقتلة
عظيمة وقد ارتحلوا فلو شعرت بما قالوا وقيل لهم!
والرجل يقوم
لمعاوية وقد أخر العطاء (الراتب) وهو على المنبر- يقول له: إنه ليس من كدك ولا كد
أبيك ولا من كد أمك. فلا يملك معاوية إلا أن ينزل عن المنبر ويغتسل ليذهب عنه
الغضب، ويقول: صدق أبو مسلم: إنه ليس من كدي.. هلموا إلى عطائكم.
وعلي بن أبي طالب
قبل بمعارضة الخوارج مادامت معارضتهم فكرية سياسية وإن كان فيها نقد لتصرفه ما لم
تتحول إلى عصيان مسلح يهدد أمن المسلمين ووحدتهم، بل حينما ظهر عليهم لم يتبع
مدبرهم ولم يذفف على جريحهم ولم يستبح أعراضهم وأموالهم.
أما تصفية الخصوم
في الظلام وسحلهم في الشوارع وإبادة الناس فهي حريات حكام اليوم!