; مداد القلم... دماء مسلمي البوسنة؟! | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم... دماء مسلمي البوسنة؟!

الكاتب د. سعيد حارب

تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992

مشاهدات 75

نشر في العدد 1002

نشر في الصفحة 50

الأحد 24-مايو-1992

هل رأيت يومًا مشهد إنسان يشهر سكينًا في وجه إنسان آخر، ويهدده، ويطعنه ثم يقطع جسده، ويرميه جثة هامدة، ما هو شعورك وأنت ترى هذا المشهد؟!

لاشك أنه موقف رهيب على النفوس الكريمة، ولاشك أنك ستسرع لنجدة المظلوم.

إن هذا المشهد بل أشد منه يتكرر كل يوم حيث تقف القوات المدججة بالسلاح مقابل العزل من أبناء المسلمين في البوسنة والهرسك، فتفتك بهم وتتركهم ضحايا على الأرصفة أو في الأقبية أو المساجد، دون أن تهز منهم شعرة أو تحرك فيه ضميرًا، وإذا كان هذا الموقف أمرًا طبيعيًا بالنسبة للقاتل فإنه ليس كذلك بالنسبة للمتفرج أو المشاهد، فكيف بالمسلم الذي يشعر بمدى الرابطة الإيمانية التي تجمعه مع هؤلاء المسلمين.

إن وسائل الإعلام تنقل لنا كل يوم مشهدًا حيًّا لجرائم القتل التي ارتكبها الصرب بروح صليبية حاقدة، إذ تنقل هذه الوسائل عمليات القتل خطوة بخطوة حيث يؤتى بالمسلم مقيدًا ثم يطلب منه أن يقف مقابل الجدار لتنطلق إلى رأسه رصاصات الغدر والحقد.

لقد هزت هذه المشاعر كثيرًا من الناس في شتى أرجاء العالم، بينما ما يزال كثير من المسلمين يتساءل عن حقيقة إيمان هؤلاء، وهل هم مسلمون؟ أم دخلوا في الإسلام حديثًا؟ وما مدى التزامهم بالإسلام؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تدل على موت الحس والشعور لدى هؤلاء المسلمين!

وغاب عن هؤلاء حقائق التاريخ التي لا تنسى.. حيث كانت منطقة البوسنة والهرسك ساحة صراع بين الدولة العثمانية وأوروبا.. وكم دارت على أرضها من معارك حامية، إذ كانت هذه المنطقة محطة انطلاق للمسلمين إلى أوروبا، وحين شعرت أوروبا بذلك حشدت كل إمكانياتها لصد تقدم المسلمين وانطلاقهم من هذه المنطقة، وقد تحقق لهم ذلك، إذ ضعفت الدولة العثمانية في أواخر عهدها بل سيطر عليها أعداؤها ومُزقت ولم تعد تشكل تهديدًا لأوروبا، بل أصبحت الرجل المريض الذي يتصارع الناس على تركته ولم تعد البوسنة والهرسك منطقة تهديد لأوروبا، فقد نسيها الناس إلا أن حقد الصليبيين لم ينسَ التاريخ، فحفظ لمسلمي هذه المنطقة دورهم في حمل رسالة الإسلام وجهادهم لأجله، ولذا فقد توالت الهجمات عليهم انتقامًا لهذا الموقف، وأصبحت دماء المسلمين تسيل على تراب أرضهم، ثم دخلت المنطقة في محل من النسيان حتى الحرب العالمية الثانية حين تقاسم المنتصرون تركة المهزومين، فكان أن وقع المسلمون تحت سيطرة الشيوعيين الصرب الذين تدثروا برداء الشيوعية وهم في حقيقة الأمر يحملون الحقد الصليبي ولكن بالمنجل والمطرقة، فساموا المسلمين سوء العذاب، وسكت العالم مرة أخرى عن المذابح، وكان أكثر الناس سكوتًا هم العرب والمسلمين لأن القاتل هذه المرة هو صديقهم الحميم «الرفيق تيتو» أحد أركان عدم الانحياز، فعمل في المسلمين قتلًا وتنكيلًا، وذبح المئات بل الألوف منهم إلى أن استقر الأمر بعد ذلك للصرب الحاقدين.

واليوم.. بعد أن بدأت مفاصل الدولة الشيوعية السابقة في يوغسلافيا بالتفكك، سار المسلمون في الطريق الذي سار فيه غيرهم من الكروات والسولاف مطالبين باستقلالهم.. ملبين للشروط التي وضعت أمامهم.

لكن أعداءهم أرادوا أن يجعلوا منهم درسًا وعبرة للآخرين، فانطلق الحقد التاريخي الدفين بكل ما يملك من قوة قتلًا وسفكًا للدماء، وهتكًا للأعراض وسلبًا وتدميرًا للأموال، إذ لم يلقوا أدنى مقاومة، فالمسلمون لا يملكون سلاحًا، بل لا يملكون دعمًا أو مساندة من أحد، حتى الأمم المتحدة في عهدها الجديدة، تتستر بالشرعية الدولية والنظام الدولي في كل مكان من الدنيا إلا في البوسنة والهرسك، فحين تبعث جيشًا كاملًا إلى كمبوديا للفصل بين المقاتلين وتطبيق برنامج الأمم المتحدة للإصلاح السياسي وترسل مراقبين وقوات تبلغ اثني عشر ألفًا للفصل بين الكروات والصرب تمتنع عن إرسال مراقبين للفصل بين المسلمين وأعدائهم من الصرب، بل إنها تسحب المراقبين الدوليين بحجة عدم وجود الدعم المالي، فهل توافر هذا الدعم لكل الدنيا وقصر عن المسلمين؟! أم جريمتهم أنهم مسلمون؟!

وكأنها بذلك تبارك ما يفعله الصرب من قتل للمسلمين، وهذا ما تم بالفعل فمع انسحاب المراقبين الدوليين ازدادت هجمات الصرب وجرائمهم ضد المسلمين.. ومازال الأمين العام للأمم المتحدة «يبشرنا» بين يوم وآخر أنه لن يرسل قوات أو مراقبين إلى البوسنة والهرسك!

وإذا كنا نتوقع هذا الأمر من أي جهة إلا أننا لا نتوقعه من المسلمين، فالصمت مازال مطبقًا، حتى بيانات التنديد والشجب مازال البعض يصدرها على استحياء، أما المساعدات المادية والمواقف الدولية فهم منها براء!

فهل يستمر الصمت.. وتستمر معه المأساة.. وتستمر حرارة السكين تعمل في أجساد المسلمين؟!

إن كل مسلم اليوم يحمل في عنقه رسالة هذا الشعب المسلم من الدفاع عنه ومساندته وإيصال مأساته إلى كل مكان في الدنيا.. فدم المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة.. فهل نعي رسالتنا ودورنا.

____________

(*)  الأمين العام المساعد لجامعة الإمارات

الرابط المختصر :