العنوان مدرسة الوسطية إلى أين؟.. د. القرضاوي وإشكاليات الإعلام الإسلامي
الكاتب محمد عمر حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
مشاهدات 50
نشر في العدد 1322
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
- لقد حذرنا د. القرضاوي من الوقوع تحت ضغط الواقع القائم أو أن نُدخل على الحياة الإسلامية ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد.. فكيف نفسر رأيه الجديد؟
- هل تقتصر فتوى إباحة التمثيل على الأدوار الدرامية (النكدية) أم أن للكوميديا مجالا ستفرضه ضرورة التيسير على الناس؟
يجدر بنا نحن أبناء الدعوة الإسلامية أن نمارس مسؤولياتنا تجاهها، ونتحمل تكاليفنا وواجباتنا بالمشاركة في تصحيح مسارها وضبط حركتها لتستقيم على أمر الله في وجه خصومها والكائدين لها، وهنا تبرز القضية النقد الذاتي والتواصي بالحق لتكون قاعدة وعاملًا من عوامل التصحيح والإثراء، وهي من خصوصيات الصف المسلم الناضج، الذي يستوعب ساحة الآراء والاجتهادات ليستخلص منها رشده ويضبط خطوه.
ولا يخفى أن لعلماء الإسلام فضلهم ومكانتهم التي لا يؤثر فيها مخالفة رأيهم أو تخطئة اجتهادهم المرجوح خصوصًا إن كان المخالف لهم يعتمد في حيثياته على مقدمات وأصول ونصوص ومقاصد ذات دلالة في ترجيح القول وضبط لمقاصد الفتوى ومآلاتها.
ومما لا شك فيه أن اجتهادًا لرجل في حجم الشيخ يوسف القرضاوي ومكانته العلمية - حفظه الله ونفع به - له كبير الأثر في واقع الأمة التي تنتظر من علمائها أن يسددوا خطاها ويردوها لجادة الصواب، مما يؤكد على ضرورة تبيين الاستدراكات والملاحظات التي أخذت على فتواه الخطيرة بشأن تجويزه لعمل المرأة المسلمة في مجال الفن والتمثيل بشكل يضع قواعد وأصول المدرسة الوسطية (كما يطيب للقرضاوي تسميتها ) في مهب رياح النقد، حيث تعتبر هذه الوسطية هي المقدمة التي بني عليها هذا الفقه الانتقائي وآل إليها منهج تتبع الرخص بذريعة التيسير على الناس ودفع شبهة الجمود والقصور عن الإسلام وحملته.
ولعله من المناسب في سياق هذا الشعور بالمسؤولية، وفي أجواء الموضوعية المرجوة أن نؤكد على بدهية قد تغيب عن القارئ الذي تخفى عليه الأصول العلمية في الاستدلال والنقد. والترجيح...
وهي أن الفتوى لا تنفك عن أن تبنى على دليل شرعي من الكتاب أو من السنة الصحيحة أو الإجماع على أن يقاس النظير على نظيره، وأن تراعي في ذلك مقاصد الشريعة ومآلات الفتوى ومدى تحقيقها لغرض رفع الحرج وتحقيق المصالح ودفع المفاسد إلى آخر ما ينبغي أن ينطلق منه المجتهد لضبط فتواه وإحكام صنعته، وعلى هذا فلا بد لأي عالم إذا ما اجتهد من دليل على فتواه.
نستدل لاجتهاد العالم.. لا بالعالم
ومما ينبني على هذا المنهج أننا نستدل بأصول الفتوى وأدلتها على صحة ما ذهب إليه المجتهد أو خطئه، وهو معنى قولنا إننا نستدل لاجتهاد العالم ولا نستدل بالعالم، وإلا تميعت الفتوى وادعى كل وصله بالحق وتذرع بالاختلاف وظنية النصوص وعدم القطع فيها.
وعلى هذا الأساس ستكون بدايتنا في استعراض بعض ما ورد من ضوابط ومعالم في كتاب الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط للشيخ القرضاوي حيث يقول في ص (۱۰۱) «ينبغي أن نحذر من الوقوع تحت ضغط الواقع القائم في مجتمعاتنا المعاصرة، وهو واقع لم يصنعه الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وعقولهم وأيديهم، إنما هو واقع صنع لهم وفرض عليهم في زمن غفلة وضعف وتفكك منهم، وزمن قوة ويقظة وتمكن من عدوهم المستعمر فليس معنى الاجتهاد أن نحاول تبرير هذا الواقع على ما به وجر النصوص من تلابيبها لتأييده وافتعال الفتاوى لإضفاء الشرعية على وجوده والاعتراف بنسبه مع أنه دعي زنيم، إن الله جعلنا أمة وسطًا لنكون شهداء على الناس، ولم يرض لنا أن نكون ذيلًا لغيرنا من الأمم، فلا يسوغ لنا أن نلغي تميزنا ونتبع سنن من قبلنا .. وأدهى من ذلك أن نحاول تبرير هذا وتجويزه بأسانيد شرعية. أي أننا نحاول الخروج على الشرع بمستندات من الشرع وهذا غير مقبول.
وفي حديثه عن مدرسة تبرير الواقع الذي لم يصنعه الإسلام، وإنما صنع في غيبة الإسلام عن قيادة الحياة تشريعًا وتوجيهًا، تحت تأثير الغزو الأجنبي بكل ألوانه المادية والأدبية، يصف مهمة أصحاب هذه المدرسة بأنها إضفاء الشرعية على هذا الواقع بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء»، ص ٩٦.
قال الشيخ: «وأخطر منهم أدعياء التطور الذين يريدون أن يدخلوا على الحياة الإسلامية ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد في الشرع وهو أبعد ما يكون عن شرع الله نصًا وروحًا»، ص ٩٢ .
وتعقيبًا على هذه النقولات فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل قضية عمل المرأة المسلمة في مجال الفن والتمثيل تدخل ضمن ضرورات واقع المسلمين وأولوياتهم، أم هي نتاج ضغوطات يمليها واقع منحرف عن منهج الله؟ واقع تصبغ الغريزة وفحيح الشهوات جل تفاصيله وجزئياته لتجعله حديثًا في الخنا والفسوق والعصيان واقع يتذرع بحقوق المرأة ليخرج المرأة المسلمة من قلعتها ويجعل منها ألعوبة بين يدي المارقين وصورة شبه عارية على قطع الصابون والمراهم والشمبوهات، بل حتى دعاية على إطارات الشاحنات وقطع غيارها.
ثم ومن لازم منه الفتوى يحق لنا أن نتساءل أين ستتعلم المسلمات فنون التمثيل وقواعده وأصوله؟ هل سيكون ذلك في معاهد سننشئها للغرض أم سيستمر التعلم في ذات البؤر الموبوءة التي بدأ منها بعض الفنانات اللاتي بدأن يستيقظن على واقعهن لينفضن غبار التبذل والخنا، ويسدان رواقًا على صفحة غير مشرفة من حياتهن.
ورغم ذلك يفاجئنا الشيخ القرضاوي بأن بعض الممثلات التائبات يمكن التعاون معهن وأنه التقاهن وقد رحبن بشروطه فيا للعجب كيف يريد الشيخ رد هؤلاء التائبات على أحواض الرذيلة بعد أن نجاهن الله منها؟
أما نحن فإننا نناشد أخواتنا في الإسلام ألا يسقطن في هذا الأتون وأن يتحملن تكاليف الأمانة بأن يكن مثالًا للعقل الذكي والقلب الزكي والسلوك التقي. فإذا ما اضطرت الأحوال والظروف الحياتية أن تنتقل المسلمة في مناكب الأرض لتتقوى على واجباتها ولتدفع عن نفسها ومن حولها شؤم الفقر والحاجة على وسعها أن تكون تاجرة ويمكننا أن تتصورها طبية تعالج بنات جنسها في ستر تفتقر له مستشفياتنا وعياداتنا، أو مدرسة تعلم أخواتها المؤمنات علوم دينهن ودنياهن لتسد بذلك ثغرات.
وعلى هذا الأساس فيمكن تصور العديد من التخصصات التي تليق بإماء الله المؤمنات.
ومرة أخرى تتساءل عن موقف الشيخ العزيز من كلماته التي تعمدت أن أضعها بين يدي كلامي لتكون عونًا للقارئ المسلم في تقدير الضغط الواقعي الذي دفع فتواه لترسخ وتدعم واقعًا لم يصنعه الإسلام بمفاهيمه وشريعته، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وأيديهم واقع زنيم حسب تعبير الشيخ القرضاوي.
بين الخضوع للواقع.. وإخضاعه
ولتوضيح حجم المشكلة ننقل وصفًا للبواعث التي تدفعنا في كل مرة أن تتحمل تبعات الاستجابة لضغط الجاهلية من حولنا حيث يوضح الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - في كتابه الإسلام ومشكلات الحضارة بقوله والإسلام يواجه الواقع دائمًا، ولكن لا ليخضع له، بل ليخضعه لتصوراته هو، ومنهجه هو وأحكامه هو، وليستبقي منه ما هو فطري وضروري من النمو الطبيعي، وليجتث منه ما هو طفيلي وما هو فضولي وما هو مفسد. ولو كان حجمه ما كان.. هكذا فعل يوم واجه جاهلية البشرية، وهكذا يفعل حين يواجه الجاهلية في أي زمان، إن أولى بوادر الهزيمة هي اعتبار الواقع أيا كان حجمه هو الأصل الذي على شريعة الله أن تلاحقه، بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته في الأصل الذي ينبغي أن يفيء الناس إليه، وأن يتعدل الواقع لموافقه، وقد واجه الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلي - العالمي - يوم جاء، فعدله وفق منهجه الخاص، ثم دفع به إلى الأمام، وموقف الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلي العالمي الحديث، إنه يعدله وفق منهجه، ثم يدفع به إلى الأمام، وفرق بين الاعتبارين بعيد، فرق بين اعتبار الواقع الجاهلي هو الأصل، وبين اعتبار المنهج الرباني هو الأصل ا.هـ.
يقول الشيخ القرضاوي: «ما المانع أن تدخل المرأة مجال التمثيل الجاد الملتزم بضوابط الشرع.. ولا يعني التيسير والترخص لي أعناق النصوص، أو تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، ولكن علينا أن ندرك أن الإسلام جاء لجميع شعوب الأرض وليس لفئة معينة من الناس وينبغي أن نتبنى فقه التيسير، ومن رحمة ربنا أن أغلب الأمور المختلف فيها بين الفقهاء ليست قطعيات. وعلينا أن ندرك أنه كما أن الرياضة تغذي الجسم والعبادة تغذي الروح والثقافة تغذي العقل، فإن الفن يغذي الوجدان، وقد راعى الرسول ذلك فعلم أن الأحباش يحبون اللعب فأفسح أمامهم المجال ليلعبوا بحرابهم في مسجده، وسمح لزوجته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها ... أن تتفرج عليهم، كما علم أن الأنصار يحبون اللهو.
فأوصى أن تذهب إلى عرس إحداهن ومشاركتهن أفراحهن ولهوهن حيث قال هلا كان معهم اللهو إن الانصار قوم يحبون اللهو».
ونقول أين النصوص التي تبيح مثل هذه الوظائف، وهل يمكن أن تكون مقدماتنا لمثل هذه الفتوى بعيدة عن فقه المآلات، حيث يتغير وضع الفتوى رأسًا على عقب إذا ما وضع الفقيه في اعتباره ما ستؤول إليه نتائج اجتهاده، ثم ما وجه الدلالة في رقص فنية من الأحباش برماحهم في وسط المسجد على جواز عمل المرأة المسلمة في معترك التمثيل الشائك، وهل في مشاهدة الزوجة المؤمنة لمثل هذه المباحات ما يدعونا للقول بجواز أن تقفز لتشاركهم رقصهم التعبيري بحجة أن الإسلام يبيح الترويح على النفوس ويراعي نواحي الإبداع والجمال؟ أين هذا من ذاك، خصوصًا إذا استحضرنا واقع الممثلين والمخرجين أصحاب الثقافات اللقيطة والاتجاهات الدخيلة، ولعل القارئ الفطن يدرك بهذا أن مجرد وضع الممثلة لخرقة ملونة على رأسها لا يكفي لأن يجعل منها قدوة صالحة ومؤثرة في واقع الناس وثقافتهم، بمعنى أننا لا نستطيع أن نفصل بين شخصية الممثل أو الممثلة في واقع حياتهم السلوكي، وبين ما يقومون بتمثيله من أدوار الفضيلة والفروسية والعفة.. حيث يتنقل الممثلون والممثلات من أقصى أدوار العفة والاستقامة إلى أعنف أدوار الخنا والفسوق بمجرد إشارة من المخرج أو رغبة من المنتج.. مما يخلق في أبسط التداعيات هذه الفوضى في القيم، والازدواجية في الاعتبارات والانحراف في المفاهيم...
ثم هل في زيارة أم المؤمنين لصويحباتها من الأنصار وحضور حفل عرس تنشد فيه المسلمات ما يعبر عن فرحهن ويتم عليهن السرور في مثل هذه المناسبات الاجتماعية ما يمكن أن يكون دليلًا على جواز عمل المرأة في مجال التمثيل؟
وفي سبيل ماذا كل هذا الجهد في سبيل ألا يقولوا عنا إنا جامدون وليس لدينا رؤية إعلامية قد قالوها والله في حق شرع ربنا واتهموا الدعاة والشريعة بالقصور في طرح برنامج واضح للحكم وحل ناجع للمشكلات الجاهلية وتراكماتها التي أزكمت الأنوف وصمت الآذان حتى إذا انسدت السبل من أمامهم استفتوا السادة الفقهاء بعد طول صمت ما دام فرض عليهم ثم تأتي الفتاوى ذات البلاوي لتبيح للجاهلية الربا في أزهى حلله الشرعية والسلام مع اليهود في إطار من الواقعية والحنكة السياسية وها هو الشيخ يخطو خطوة ليقدم لنا الفن الإسلامي، متذرعًا بالضرورة والتيسير والواقعية التي تعتم تقديم إعلام إسلامي للشاردين عن دينهم في إطار من الترويع المباح من خلال الموسيقى والتصوير والغناء والتمثيل ولكن بضوابط كما يقول الشيخ، ولننظر في أحد هذه الضوابط وهو أن يكون اشتراكها ضروريًا.
وهذا الشرط الشكلي أسقطه الشيخ في ثنايا محاضرته بقوله: إن اشتراك المرأة في التمثيل أمر ضروري لا بد منه، لأننا لا نستطيع أن نخرج المرأة من الحياة وأي عمل درامي هادف لا توجد فيه المرأة فهو عمل غير منطقي وسباق الكلام يوحي أن فتوى إباحة التمثيل تقتصر على الأدوار الدرامية فقط فهل سترضى الممثلات وأرباب الإخراج والإنتاج بل والمتعطشون للجمال أن يقيد بمثل هذا النمط النكدي، أم أن للكوميديا مجالًا ستفرضه ضرورة التيسير على الناس وهي أقرب للترويح في عرفنا اليوم، والذي يظهر لي أن الخطوة الأولى ستنحصر في الدراما، ثم ستليها الكوميديا، أما النهائيات فستكون صعبة جدًا، ومن يدري فلعله يأتي الزمان الذي نترحم فيه على زماننا.
إننا أمة ينتظر منها الكثير لهداية البشرية الحائرة، فإن كان غيرنا أقدر على العطاء في جوانب الحياة المادية، فإننا مؤتمنون على هداية الأمم والتدرج بها لتستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى لا أن نتنزل لها في عرض بضاعتنا حتى يؤول أمرنا إلى مزاحمتها في طوابير الاختلاط والخنا والفسوق والعصيان، وعلى هذا الأساس من الوظيفة الربانية التي اختص بها الله سبحانه أمة الإسلام في قوله: (كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِٱللَّه وَلَو ءَامَنَ أَهلُ ٱلكِتَٰبِ لَكَانَ خَيرا لَّهُم مِّنهُمُ ٱلمُؤمِنُونَ وَأَكثَرُهُمُ ٱلفَٰسِقُونَ) (آل عِمرَان : 110).
وهي بهذا الإخراج تعتبر الوريثة الشرعية لعطاء النبوة وتكاليف الاستقامة، وعليها أن تنصبغ بصبغة الله الذي شرفها بهذا التكليف لا أن تبحث عما يعفيها من التبعات باختلاق الرخص واستنطاق النصوص بما لا تحتمل.
والسؤال هنا: ما البديل الرسالي الذي يمكن أن تقدمه قناة فضائية تعنى بالشأن الإسلامي وتضع ضمن أولوياتها تغطية احتياجات البشرية التي لا يمتلكها إلا المنهج الرباني والمؤتمنون على إقامة الشهود الحضاري للأمم هل يمكن تصور نمط يحفظ خصائص الأمة ويعلن عن هويتها وينصبغ بصبغة الهدى والبر والإحسان أرجو أن ترتقي النقاط المقترحة في الأسطر التالية لأن تكون على مستوى البديل النوعي الذي يحقق مقاصدنا الإعلامية، وهي على النحو الآتي:
1- دروس في العلم والحياة تعنى بتوريث الخبرة في مجال صناعة الحياة، وعرض بدائل وتراكمات الإنتاج البشري لمعالجة شؤون الحياة ومستجداتها وهذه نافذة تمثل الانفتاح على الآخر، بكل اتجاهاته وألوانه، على أن تصفى المعطيات لتنسجم مع تصورنا للحياة والكون والوجود الشامل.
2- تقديم أخبار العالم الإسلامي وهموم المسلمين بعيدًا عن انتقاءات المؤسسات الإعلامية العلمانية والتي تسيطر عليها إدارات ورؤوس أموال لها مآرب في تكريس الضعف والتبعية في واقع المسلمين.
3- التركيز على ردم الهوة بين شعوب العالم الإسلامي التي عانت من سياسات الشعوبية والأممية وأطروحات القومية الجاهلية، وذلك بالتأكيد على التواصل العقائدي والتاريخي والفكري والأخلاقي وإبراز الهم المشترك بيننا وبينهم وتتبع أحوالهم بإجراء اللقاءات الميدانية مع وجوه المسلمين والتعريف بحضارة الإسلام وعرض للتحليلات السياسية والثقافية والأدبية الناضجة والتي تخدم مقاصد العبودية لله وتؤكد على توحد شعوب الأمة تحت إطار (رب واحد دين واحد أمة واحدة ذات رسالة خالدة).
4- النظر في الكون وعرض مستجدات الإعجاز العلمي والكوني الذي يغري النفس البشرية بالبحث والتفكر والتأمل في آيات الله وهداياته، ومما يندرج تحت هذا النظر الإنتاج الموسوعي والدراسات عن الطبيعة والأحياء وجميل خلق الله وطريفه.
5- دعم مشروعات الطفل وأدب الصغار من خلال تبني الأفلام الكرتونية الهادفة، والتي تستعرض أمجاد أمتنا وتاريخها العظيم، بل والتطلع لمعالجة مشكلات التربية والتعليم وتقويم الواقع، واستشراف المستقبل بطرحها بأسلوب سهل ميسر لأبناء الإسلام.
6- كشف الشبهات التي تحوم حول الإسلام والمسلمين، ورد الاعتراضات وتعميم المفاهيم الصالحة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة للمخالفين بالتي هي أحسن.. وتوضيح موقف الإسلام من قضايا العصر وهمومه واستشرافاته لآفاق المستقبل الإنساني في ظلال الالتزام برسالة السماء وهدايات الوحي والنبوة.
7- إحياء فنون اللغة العربية وآدابها وتاريخها والاعتناء بجديد الأدب النافع والأطروحات العلمية الهادفة، وإلقاء الضوء على إبداعات براعم المسلمين وأقلام الناشئة للأخذ بيدها وتهيئتها لتحمل مسؤولياتها تجاه أمتها ورسالتها.
8- طرح الجديد في الدراسات العلمية والبحوث الشرعية ليستفيد من متابعتها أصحاب التخصصات الأكاديمية والتقنية.
9- تعرية مبادئ الغزو الفكري وكشف أغراضه، والسعي في تذويب رواسبه من عقول المخدوعين من أبناء المسلمين، وإلقاء الضوء على تميز البدائل الحضارية التي يبيحها الإسلام.
والآن فهل يستطيع متعلل بالواقعية والضرورة أن ينفي جدية هذا الطرح وخصوصياته الأخلاقية والعلمية والرسالية كبديل لا يجعلنا في معزل عن الحياة، ويحفظنا من أن نخوض مع الخائضين والذي لو صدقت نيتنا في التزامه لوجدنا في أذهان المتخصصين من يرتقي بمدخلاته إلى مستوى التحدي الإعلامي الراهن؟
وبقي أخيرًا أن نتذكر جميعًا دروس التاريخ الحديث التي تعلمنا أن الأمم المهزومة والمغلوبة إنما تبدأ نهضتها باستشراف معالم هويتها والتزام الجدية في العمل النافع، والتميز في منهجها، لكيلا تذوب في أحماض خصومها، لا أن ترتمي على أعتاب الواقع.
قال تعالى في سورة الرعد: (لَهُۥ مُعَقِّبَٰت مِّن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِۦ يَحفَظُونَهُۥ مِن أَمرِ ٱللَّه إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِم وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَومٖ سُوٓءا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ) (الرَّعد : 11)
إن الأمة تنتظر من علمائها أن يخضعوها على محبة النور وأن يقودوها إلى مرفأ الأمان بعيدًا عن أمواج الجاهلية الصاخبة.. فهل سيفعل ورثة الأنبياء؟؟
(وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَٰنِ وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيمٌ) (الحَشر : 10)
وقد سبق القرضاوي إلـى ذلك الشيخ مصطفى الزرقا
الرأي الفقهي الذي عرضته المجتمع لفضيلة الشيخ الداعية د. يوسف القرضاوي في تغطيتها لندوة القاهرة عن موضوع نحو فقه معاصر لإعلام إسلامي متميز.. وأهمية فسح الميدان من الوجهة الشرعية لمشاركة المرأة في الأعمال المرئية هذا الرأي ليس خطوة اجتهادية موفقة فحسب، بل هو ضرورة حتمية لتطور الفتوى بتطور الزمان والمكان والأشخاص، لقد بات الفن جزءًا أساسيًا في حياتنا المعاصرة ولم يعد ممكنًا ولا مقنعًا التهرب من واجبات الأمة الحضارية ومهمة الشهادة أمام العالم بسهولة إطلاق الأحكام المانعة، أو المتشددة ليتم بعد ذلك مجافاة حقائق العصر ووسائله المتقدمة التي هي طرق ممهدة لعرض الإسلام العظيم سماحة، وشريعة، وإنقاذًا، ونورًا يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.
إن بوادر هذا التأصيل الذكي لقضايا رئيسة في حياة المسلمين دليل إضافي على استيعاب دعوة الإسلام لكل الأنام، مما يؤذي العلمانيين في جهادهم لطرد التدين إلى زوايا المساجد والتكايا، ليبقى معاشنا الفني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي مرتهنًا بإرادة الغرب، وتنازلات نتنياهو وهباته.
قد جاءت هذه الفتوى استجابة علمية رصينة لتساؤلات ملحة كثيرة تطرحها الحاجة إلى التفريق ما بين متطلبات الشريعة، وتطورات العصر مما يدعو لربط القواعد الشرعية بالمصالح المستجدة من أجل خير المسلمين.
وهذا ما بينه د. القرضاوي حين أوضح الدور المرتجى لفقهاء العالم الإسلامي بأن لا يقفوا عاجزين أمام التحدي الإعلامي ويدفنوا رؤوسهم في الرمال، وعليهم أن يواجهوا مشكلات العصر بفقه جديد، وفهم جديد للتكيف مع تطورات الحياة في ضوء ضوابط الشرع»، كما أن مسألة «سد الذرائع» مطلوبة وهي قاعدة شرعية، ولكنه إذا بولغ فيها تأتي بنتيجة عكسية ويكون شأنها شأن فتح الذريعة.
ومع أن جواز عمل المرأة في التمثيل سبق أن أعلنه فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا - أمد الله في عمره - على مدرج الجامعة الأردنية قبل سنوات، فإن ترديده من خلال توصيات الندوة المذكورة التي دعت لضرورة الأخذ بفقه التيسير بضوابطه الشرعية في التعامل مع قضايا الإعلام الإسلامي ومشكلاته، يعتبر دعمًا عمليًا لحركة الإعلام الإسلامي المبدع المتقدم بكافة أنواعه المرئية والمسموعة والمقروءة، الذي يقوم على ثوابت الهوية الدينية والحضارية لشخصية الأمة ومرجعيتها الفكرية والثقافية والعلمية والتاريخية، مما يؤكد الحاجة الشديدة لشحذ الهمم وإعداد الكوادر، وإطلاق المواهب، وتنمية القدرات من أجل فن رفيع ودراما نظيفة هادفة، وإعلام قوي أمين ..
عبد الله زنجير - شركة سنا للإنتاج الإعلامي – الرياض