; الافتتاحية- مذبحة سراييفو.. وتحركات الأطلسي المريبة | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية- مذبحة سراييفو.. وتحركات الأطلسي المريبة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

مشاهدات 57

نشر في العدد 1165

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

بعد يومين من التردد والصمت المريب، أعلنت الأمم المتحدة مسئولية الصرب المجرمين عن المذبحة التي وقعت في سوق سراييفو في الأسبوع الماضي وراح ضحيتها أكثر من مائة وعشرين مسلما بين قتيل وجريح، ورغم وضوح هوية الجاني من البداية، إلا أن صمت الأمم المتحدة بعد كل مجزرة يتعرض لها المسلمون في البوسنة وسراييفو على وجه الخصوص كان هو الأمر الطبيعي، حتى أنهم في مجزرة سوق سراييفو الرهيبة التي وقعت في فبراير ١٩٩٤م، وراح ضحيتها ما يزيد على ستين قتيلا، وعشرات الجرحى مكثوا عدة أيام يستنطقون الشظايا ليتعرفوا منها على هوية الجاني في تبرئة واضحة للصرب من دماء المسلمين.

لقد فقدت الأمم المتحدة كل مصداقيتها في البوسنة ويكفي ما حدث في سريبرينيتسا وجيبا اللتين كانتا تقعان تحت حماية الأمم المتحدة ليؤكد ضلوع الأمم المتحدة، وأمينها العام بطرس غالي في الجريمة، فقد ذُبِحَ ألفَا مسلم، واختفى تسعة آلاف من الرجال، وهُـجر أربعة وثلاثون ألفا، بينهم أحد عشر ألف طفل معظمهم فقدوا آباءهم أو أمهاتهم وكل هؤلاء كانوا تحت حماية الأمم المتحدة.

ولم تكد تجف دماء المسلمين في سريبرينيتسا وجيبا حتى حصدت قذيفة في الأسبوع الماضي أرواح ما يقرب من أربعين مسلما في سوق سراييفو، وجرح ثمانون آخرون، شاهدهم العالم كله على شاشات التلفزة في مناظر مريعة، إلا أن موظفي بطرس غالي ظلوا صامتين يومين في انتظار الأوامر لإعلان مسئولية الجاني في تأكيد واضح على نفاق الغرب ونفاق حلف الأطلسي حتى في ضرباته التي وجهها بعد ذلك للصرب ولم تكن رغم كثافتها سوى صورة للضربات الهزيلة التي وجهها الأطلسي للصرب على مدار أربعين شهرًا، ولم تتعد عشر ضربات فأصاب بقرة في إحداها ودبابة معطوبة في أخرى، وضجة إعلامية هائلة تتحدث عن بطولات القائمين على الحلف في كل مرة.

لقد شوه حلف الأطلسي صورته في البوسنة بشكل لم يعد يدعو إلى الثقة به أو القائمين عليه، ولم يعد هناك انتظار لحلول جذرية أو قسمة عادلة لتحركاته في البوسنة يؤكد على ذلك الوصف الساذج لما يجري في البوسنة الذي عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي وارین کریستوفر عدة مرات حينما قال: إن ما يجري في البوسنة مشكلة إنسانية في منطقة نائية عن وطننا، وفي قلب أوروبا، كما أن إصرار كلينتون على رفض تسليح مسلمي البوسنة يدعو كذلك إلى عدم الثقة في تحركات الحلف وضرباته الأخيرة لمواقع الصرب، ويؤكد على أن هذه الضربات تنطلق من أهداف خاصة بالحلف والأمم المتحدة، وليس من واجبات ألزموا بها أنفسهم بحماية المناطق الآمنة للمسلمين وإلا فما الذي فعله حلف الأطلسي طوال أربعين شهرًا من الخراب والدمار والمذابح في البوسنة لقد بلغ عدد القتلى والمفقودين في البوسنة حتى الآن ما يقرب من ١٥٠ ألفا، بينهم سبعة عشرة الف طفل، ومن بين هؤلاء قتل ١١ ألفًا في العاصمة سراييفو وحدها التي تحرسها الأمم المتحدة _كما تزعم _بينهم آلف وستمائة طفل، فيما بلغ عدد الجرحى في عموم البوسنة ما يقرب من ١٧٥ ألف جريح، بينهم 35 ألف طفل، ومن بين هؤلاء ٦١ ألف جريح في العاصمة سراييفو وحدها، بينهم 15 ألف طفل، أما عدد المعوقين في عموم البوسنة، فقد بلغ ثلاثة عشر ألف معوق بينهم ألفا طفل.

هذه الإحصائيات التي تم حصرها حتى الآن وأعلنتها الحكومة البوسنية في الأسبوع الماضي، تبرز حجم الكارثة التي تعيش فيها البوسنة، وحجم الخداع والنفاق الذي تقوم به الأمم المتحدة وحلف الأطلسي هذا النفاق الذي دفع تاديوش مازوفسكي – رئيس وزراء بولندا السابق، ومقرر حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لشئون يوغسلافيا السابقة-أن يقدم استقالته مؤخرًا احتجاجًا على نفاق الأمم المتحدة بادعائها الدفاع عن البوسنة، ولكنها تتخلى عنها في الواقع، وقد عبرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف عن دعمها لموقف مازوفسكي الأخلاقي والشجاع واستقالته احتجاجًا على استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك، هذه الإدانة التي، أعلنها مازوفسكي هي إدانة مزدوجة موجهة إلى الأمم المتحدة وحلف الأطلسي..

إن المعطيات كلها تؤكد على أن حلف الأطلسي لم يشكل حتى الآن أي نجاح يذكر له في حل أزمة البوسنة، كما أنه لا يملك استراتيجية واضحة لحل الأزمة، وإلا فما هو مصير خريطة المجموعة الأوروبية التي ظهرت في بداية الأزمة ومن بعدها خريطة فانس واوين، ثم خريطة أوين وشتتولبرج، ثم خريطة مجموعة الاتصال. لقد ذهبت كلها أدراج الرياح، ثم جاءت الولايات المتحدة الآن بخريطة جديدة تكافئ بها الجُناة الصرب، وتعاقب الضحايا المسلمين، وتسعى لفرضها كأمر واقع مُصَرَّةٌ على حرمان المسلمين من الحصول على السلاح للدفاع عن أنفسهم، وعلى ضرورة قبولهم بالخريطة المجحفة الجديدة التي لا تقل سوءا عما سبقها من خرائط. 

إن الضربات الجوية مهما كانت كثافتها لن تحل الأزمة، ولن تعيد الحق إلى المسلمين، ولكنه طريق واحد هو الذي يعيد الحقوق، وهو طريق تعرفه الأمم المتحدة ويعرفه الأطلسي جيدا، وهو تسليح المسلمين حتى يدافعوا عن أنفسهم، وأي شيء يقوم به الأطلسي غير ذلك فهو ليس سوى ذر للرماد في العيون، وشكل من أشكال النفاق الذي فضحه مازوفسكي قبل أيام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

524

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

583

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8