; مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (٤).. خواطر في محنة السجن الحربي | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (٤).. خواطر في محنة السجن الحربي

الكاتب مركز الإعلام العربي

تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012

مشاهدات 51

نشر في العدد 2024

نشر في الصفحة 50

الأحد 14-أكتوبر-2012

  • كنت صائمًا بدون سحور وطلبت للتحقيق ساعة الإفطار فإذا بيد شخص -أحسست أنه مسخر من الله تعالى- تمتد إلى بالطعام الشهي والتمر
  • مستوى غريب من الغباء كنا نحكم به وويل لمن لا يخضع لهذا الغباء، يكون مصيره إلى السجن الحربي ليسجن ويجلد ثم يعود إلى منصبه يسبح بحمد الحاكم
  • اشتد عذابي وأحاط بي الظالمون من كل جانب فبكيت وأنا أناجي ربي وأخذتني سنة من النوم فرأيت حورية تريني قصري في الجنة وأصحابي يهرولون بحثًا عن أماكنهم في جنة الله تعالى
  • كانت الأحكام موضوعة قبل المحاكمة التي مات أثناءها الفريق علي جمال -رئيس المحكمة- فأعيدت محاكمتنا وكانت مظاهرة إسلامية بغير إعداد، فقد كسر الجميع حاجز الخوف واستعدوا ليقولوا كلمة الحق ويشهدوا الله عليها وليكن بعد ذلك ما يكون!

في السجن الحربي كانت للإخوان ملاحم وآيات، كان النبات على قدر المعاناة، والصبر على قدر الابتلاء، وكانت معية الله تربط على القلوب المملوءة بالإيمان، وتخفف الآلام المبرحة عن الأجساد الطاهرة التي تهوي عليها السياط، فما تزيدها إلا إيمانًا وتسليمًا، واستمر تعذيب أخيار الأمة على يد زبانية الصلف وذيول الطاغية في محنة ١٩٦٥م لتحدث المفاجأة والآية بعد عامين، وتدق مطارق القدرة الإلهية رؤوس الجلادين.

عن محنة ١٩٦٥م، يتحدث المستشار علي جريشة -يرحمه الله رحمة واسعة- في هذه الحلقة من مذكراته بعد أن تناول في الحلقة الماضية وحادث المنشية المدبر وتوابعه. 

«٢٧ أكتوبر ١٩٦٥م» كان اليوم عيدًا!

فقد سمح لي بالوضوء وسمح لي بالصلاة وصليت بين صفوف المعذبين!

وقرأت بصوت عال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (139) إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (141) أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ (142)﴾ (آل عمران: ١٣٩- ١٤٢)، ولم أستطع أن أكمل الآيات، خنقتني العبرات، وخشيت أن يراها أو يسمعها أحد، وأنا الحريص على أن أخفيها عن الجميع حتى لا يحزن المعذبون، ويفرح المعذبون.

كنت يومها صائمًا لأول مرة في السجن الحربي من غير سحور؛ لأنه لا يسمح لنا بطعام داخل الزنزانة، ولا ماء.

وقلت: إني أصوم لله، والله تعالى يطعمني ويسقيني!

وساعة المغرب، طلبت للتحقيق، وتقلب بصري في السماء، وخجلت أن أطلب من الله، إنه سبحانه، يسمع ويرى!

وامتدت يد إلى كتفي فظننتها بدًا تطلبني للتعذيب!

وتقلب وجهي في السماء!

وإذا بصوت يسألني: أنت صائم؟

وعجبت، كيف عرف وليس معي أحد أخبرته، وترددت أن يكون هذا السؤال توطئة العقاب كما تعاقب على الصلاة! 

لكني قلت: «الصدق منجاة»، فأجبت نعم! فمد يده الأخرى بطبق فيه طعام شهي وفوقه قطعة تمر! 

أحسست أنه مسخر من عند الله تعالى، وصدق الله سبحانه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به»، وهكذا كان جزاؤه.

هذا الغباء يحكم مصر! 

«١٤ نوفمبر ١٩٦٥م» مستوى غريبة!

عقولهم في بطونهم وفي أيديهم. 

يأكلون كميات رهيبة من الطعام، أكل الواحد منهم يعادل أكل خمسين منا، بغير مبالغة ويضربون بقوة سبعة ثيران.

إذا حاولت إقناع أحدهم بأنك لا تعرف فلانًا، لا يقتنع حتى يجعلك فطيسًا، ولا يمكن أن يقتنعوا بالنسيان مع أنه من سمات الإنسان لذلك، يضطر الكثيرون إلى «تأليف» القصص والروايات؛ الإرضاء ذلك الغباء المتوحش.

ويعتقد الأغبياء أن بعض الكلمات اصطلاحات وكتابات عن أسلحة ومفرقعات. 

روى البعض أن صديقي «سيد أحمد» تحدث عن أنه أحضر معه «ذرة» مشوية وهو في طريقه في السفر إلى القاهرة، فلمعت عينا المحقق بذكاء شديد، وقال: «هيه، قول يا سيد حكاية الذرة»، فقال له: إنه وجد فلاحين يشوون الذرة، فاشترى منهم لأولاده، ولم يصدق المحقق الذكي! وقال له: نعم، أليس الذرة هو دانات المدافع؟! 

وسمعنا عن رجل اشترى من عبد الفتاح إسماعيل -الذي كان يعمل تاجرًا- أجولة من الأرز، فظلوا يعذبونه حتى اعترف بأنها كانت أجولة من الذخائر والأسلحة!

والغريب، أن هؤلاء الأغبياء من رجال «الصف الثاني»، من الناحية القانونية، وربما كانوا من الناحية الواقعية من رجال الصف الأول!

وبل لمن لا يخضع لهذا الغباء، مصيره إلى السجن الحربي ليسجن ويجلد، ثم يعود إلى منصبه ليسبح بحمد الحاكم!

رأيت الجنة

«٢٤ نوفمبر ١٩٦٥م»

اشتد عذابي، وأحاط بي الظالمون من كل جانب، وبقايا الاحتمال تكاد تتزلزل من تحت أقدامي، لأقول لهم، كل شيء، كل الذي يطلبون.

وجلست بعد حلقة عذاب في زنزانتي المظلمة، جراح جسمي تنزف وجراح قلبي أشد نزيفًا!

وبكيت وأنا أناجي ربي بما ناجاه به رسول الله ﷺ، وزاد بكائي، وأخذتني سنة من النوم. ورأيتني أخرج من باب السجن الحربي، وفي انتظاري واحدة من الحور العين، لم ارَ مثل جمالها في حياتي، كانت تلبس ثوبا يظهر جمالها، وجمالها «يأخذ» ولا يثير، ورأيتها تمسك بيدي، وتقول لي: تعال لأريك مكانك في الجنة!

وأخذت بيدي لنسير في مكان فيه خضرة وماء، وكلما سرنا تفجرت الأنهار من تحت أقدامنا فتذكرت قول الله: «تجري من تحتهم الأنهار»، ثم أشارت إلى قصر كبير من عشرة طوابق، وقالت: أتدري من صاحب هذا القصر؟ قلت لها: لا ، قالت: إنه للشهيد عبد القادر عودة، وسارت ثم أشارت إلى منزل من طابقين، وقالت أندري لمن؟ قلت: لا، قالت: إنه لزميلك الدكتور، فتذكرت في نفسي أن الله عجل له في الدنيا بعض النعيم ومنع عنه البلاء، فكان الفارق في الآخرة بين نعيمه ونعيم عبد القادر عودة! ثم أشارت إلى قصر من ثلاثة طوابق لا يزال ما بعده تحت البناء، وقالت: هذا لك.

و دخلت القصر فإذا فيه حجرات على الصفين تصل إلى نحو الأربع والعشرين، وفتحت الحجرات واحدة بعد الأخرى، وفي كل غرفة واحدة من الحور العين.

حتى انتهت من الدورين وصعدت إلى الثالث، فرأيت فيه نافذة، قالت لي: انظر، فسوف ترى.

ونظرت، ورأيت

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) ثم سمعت هاتفًا يقول: إن صبرت شهرين كان لك خمسة طوابق.

وتذكرت لحظتها العذاب الذي أنا فيه، وشددت إلى النعيم الذي ينتظرني إن شاء الله تعالى، فألهمني الله أن أقول: نعم يا رب، ولكن عافيتك هي أوسع لي ثم عدت، ووجدت أصحابي يهرولون بحثًا عن أماكنهم في الجنة إلا واحدا يسير وراءهم حافيًا، غفر الله لنا وله.

استقالة

«فبراير سنة ١٩٦٦م» إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين!

والرزق يرتبط بأسبابه كما يرتبط كل شيء بأسبابه، لكن قوانين الكون إذا كانت تقيد الناس، فإنها لا تقيد خالقها وخالق الناس ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23).

لقد عشت في هذا المعنى، وأنا أستعد للاستقالة بعد أن نبه علي «حمزة البسيوني»، قائد السجن الحربي، بذلك!

قال لي : أكرم لك أن تستقيل، فاهم؟! 

وصمت ولم أرد.

واستطعت أن أختلس كلمات مع المستشار «منير الدلة» يرحمه الله تعالى الذي كان يقيم في الحجرة إلى جواري، فنصحني أن أستقيل.

وصلت إلى مبنى مجلس قيادة الثورة، ووجدت في انتظاري «صلاح نصار»، والمستشار «فتح الله بركات»، الأمين العام لمجلس الدولة.

ثم بدا على الأمين العام المجلس الدولة التأثر، وقال: د. سعد الدين الشريف أرسلني إليك للحصول على استقالة منك؛ لأن مجلس الدولة في خطر!

وعجبت وقلت له: لماذا؟

قال: بسبب اعتقالك! ثم إن هناك حالات أخرى، واستقالتك سوف تنقذ مستقبل مجلس الدولة!

وكان الرجل يبدو صادقًا في كلامه، وإن كنت قد عجبت كيف تنقذ استقالتي مستقبل مجلس الدولة!

وسألت الأمين العام المجلس الدولة: ماذا أكتب في الاستقالة؟

فتحرج الرجل، فقلت متهكمًا: «أصلي ما استقلتش قبل كده». 

ثم قلت: أقول بمناسبة القضية رقم كذا.

قال: لا تريد أن تعلقها على أسباب!

ثم كتبت: أرجو قبول استقالتي من منصبي بمجلس الدولة، وأرختها ١٣ فبراير ١٩٦٦م، و خرجت إلى الحجرة المجاورة أنتظر الحرس من رجال المباحث العسكرية الذين تركوني وذهبوا إلى ميناهم في عابدين، ومضت نحو نصف ساعة فكرت أشاءها في الهرب، لكن ما كنت أسمعه وأراه من القبض على زوجات المطلوبين وأمهاتهم أفزعني أن أفعل. 

وعدت من حيث حضرت، وكانت الساعة تقترب من الثامنة مساء.

وكنت أتعجل العودة، وكأني عائد إلى بيتي، انتابني شعور من السكينة عجيب، ودخلت السجن الحربي، وتمت ليلتها نومًا عميقًا!

مهزلة المحاكمات!

«يونيو سنة ١٩٦٦م» جرى الاستعداد للمحاكمات!

وسرنا في موكب يتقدمه راكبو الدراجات البخارية وسيارات مسلحة ويعقبه كذلك، ونزلنا في دار القضاء العالي في القفص واكتشفنا تعليمات حرس القاعة.

عدم الكلام مع أهلنا، بل عدم الإشارة، وكان الذي يشير من الأهالي يخرجه الحرس فورًا، بل لقد بلغ الأمر أن اعتدى الحرس على إحدى الزوجات التي تجاوزت حد الإشارة إلى محاولة الحديث!

وأنكر البعض التهمة، وسأل الفريق «علي جمال الدين»: لقد سبق لك الاعتراف في التحقيق، فرد الأخ: أنت تعرف أن التحقيق أجري في السجن الحربي وتعرف ظروف التحقيق، وعدنا.

وكانت الكلمة التي قالها الأخ قد سبقتنا إلى السجن الحربي!

وفي منتصف الليل، فتحت الزنازين، وأمرنا بالنزول، وبالحركة ووراءنا السياط حتى بلغنا المكاتب، وجرى تكديرنا، وقبل أن يحضر السيد الضابط كان وجه الأخ، الذي تجرأ على الحديث بالإشارة إلى ظروف التحقيق، كان وجهه بالتعبير الدارج «شوارع»، زاد حجمه مرتين من اللكمات الشديدة التي وجهت إليه.

وفي اليوم التالي كان دوري في المحاكمة، وسئلت فأنكرت.

وقلت: إن أقوال منهم على متهم لا تصلح دليلا ما لم تتأيد بأدلة أو قرائن أخرى، وطلب إلى رئيس المحكمة ألا أتكلم بالقانون!

وعدنا إلى السجن الحربي.

وفي المكاتب وقبل أن نعود إلى الزنازين نودي على بعض الأسماء، وكنت منهم لكني انتهزت فرصة انصراف الضابط للتليفون وعدت مع الأسماء الأخرى، ثم حضر الضابط وأمر من لم يصدر له النداء بالعودة إلى الزنازين، وقبل أن نعود أمر من نودي عليهم بخلع ملابسهم تماما كما ولدتهم أمهاتهم، وذهبت إلى الزنزانة، وتذكرت زملائي فارتميت من طولي على الأرض، وأجهشت في بكاء شديد لم أبكه من قبل.

وكان الدفاع، وكانت النيابة آخر من يتكلم! 

وليتها حفظت ماء وجهها ولم تتكلم، فقد ركزت كلماتها على السب والشتم.

وانتهت المسرحية.

وأعقبتنا قضية، وقضية حتى انتهت المحاكمة، أكثر من ٣٠٠ قضية أمام عدة دوائر، كلها طبعًا بتشكيل عسكري بحت! 

وعجبت، لقد جرت محاكمات كثيرة، آخرها قضايا التموين، أمام محاكم عادية مشكلة من مستشارين، فلم نحاكم نحن أمام قضاة عساكر، يفعلون ما يؤمرون؟!

وتذكرت كلماتهم لنا أثناء التعذيب: إن الأحكام موضوعة من قبل أن تشكل المحكمة.

لم إذًا هذه المسرحيات لابد منها، للرأي العام، الداخلي والخارجي!

وكانت المفاجأة.

مات الفريق «علي جمال»، رئيس المحكمة، الذي كان يحاكمنا، وسمعنا إشاعات كثيرة حول موته.

وتقرر إعادة محاكمتنا، وكانت مظاهرة إسلامية كبيرة، بغير إعداد لقد كسر الجميع حاجز الخوف واستعدوا ليقولوا كلمة الحق، ويشهدوا الله عليها، وليكن بعد ذلك ما يكون.

وتكلم المتهم الأول كمال الفرماوي «محام بإحدى الشركات».

وقال لهم: إنكم تحاكمون شعب مصر كله، في هذا القفص، الوزير والفلاح وعضو مجلس الثورة والعامل والقاضي والموظف والطالب.

وأسكنه رئيس المحكمة، وقال له: قل دفاعك، فقال: هذا دفاعي.

وتكلم منهم آخر «عبدالله الخطيب» «إمام وخطيب مسجد» وقال: تقولون عنا: إننا خوارج، وأنتم الخارجون عن شريعة الله الرافضون لها!

وجاء دور المتهم الثامن عشر: «علي محمد جريشة»، واستدرجتهم في الحديث حتى لا يقاطعوني، نفيت التهمة أولا، ودللت على ذلك بالوقائع والقانون، ثم قلت لي ملاحظة.

إن النيابة العامة وهي عزيزة علي، ذلك كنت أحد أبنائها قبل أن أكون ابنًا المجلس أني الدولة. 

إن هذه النيابة، خرجت على تقاليدها الموروثة، وتركت القانون والوقائع، وهبطت إلى مستوى السب والشتيمة، لا أقول لها ما قاله يوسف لإخوته: «أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون» ولكني أقول لها: «فصير جميل والله المستعان على ما تصفون». 

ولم أدر أن رئيس المحكمة حاول مقاطعتي لأن صوتي كان قد ارتفع بهذه الكلمات فغطى قاعة المحكمة كلها، ولم أدر إلا وأنا جالس، وعيون الحاضرين في الجلسة ملأى بالدموع!

وتحدث بعدي آخرون!

ولم أدر هل أسأت أم أحسنت حتى عدنا إلى السجن الحربي، وإذا بمن معي ينسون أنفسهم، وينسون أنهم في السجن الحربي الذي تحاسب فيه على الكلمة إذا همس بها أخ لأخيه، نسوا ذلك، وراحوا يعانقونني، وكانت المفاجأة الأخرى، أننا لم نلق عقابًا على ما قلنا في المحكمة. 

وأضل الله الظالمين، وتذكرت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ﴾ (الحج: 38).

وأخذت درسًا مهمًا، إن الإنسان إذا أخلص نيته لله تعالى، أدى واجبه بما يرضي الله سبحانه، تولى الله عز وجل عنه معركته، وآمده بجند من عنده، وصدق رسول الله ﷺ فيما يرويه عن رب العزة: «عبدي أطعني أجعلك عبدًا ربانيًا تقول للشيء كن فيكون.

الأحكام

«أغسطس ١٩٦٦م»:

كانت المحاكمات بالنسبة لنا نزهة، فرصة لأن يتحدث بعضنا مع بعض، فإن الحديث في السجن الحربي جريمة تعاقب عليها بالجلد. 

كنا ننتظر النطق بالأحكام، لا لتعرفها، فإننا -جميعًا وبغير استثناء- تعلم أنها معدة سلفًا، ولكن لنستمتع بالرحلة والنزهة والحديث. 

وكان يومًا قائظًا في شهر أغسطس، وذهبت لسماع الأحكام في القضية الأولى:

سيد قطب: إعدام.

يوسف هواش: إعدام.

عبد الفتاح إسماعيل: إعدام.

مجدي عبد العزيز: إعدام.

أحمد عبد المجيد: إعدام.

علي عشماوي: إعدام.

والباقي أشغال شاقة مؤبدة، والقليل: ١٥ سنة أشغال شاقة أو عشر سنوات، ومن بينهم سيدة حكم عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة: «زينب الغزالي»، وآنسة بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة: «حميدة قطب».

وجمعنا للجري في صباح اليوم التالي الباكر، ووقفنا انتباه تنتظر الإشارة ببدء الجري والسكون مخيم على السجن.

وفجأة، انشق السكون، بصوت جميل، يردد آيات من كتاب الله تعالى من الطابق المغلق، وتصل الآيات إلى الآذان، وتخترقها إلى القلوب، فإذا بالدموع تسيل بغير استثناء.

وكانت الآيات: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).

وراع الشاويش هذا المنظر، فراح ينادي ويصرخ: الواد اللي بيقرأ يبطل، بطل يا ابن «...» مما يعاف اللسان عن ذكره من الشتائم، وكان اليوم المحدد لسماع الأحكام.

وخرجنا نستمع إلى الأحكام، وكان نصيبي الأشغال الشاقة ١٢ سنة، وأشحت بيدي في وجه قارئ الأحكام «رئيس المحكمة العسكرية» مبديًا عدم اهتمامي، وكان استعمال الإشارة أبلغ: لأنها هي التي ستسجل تصويرًا «للصحف أو للتلفزيون»، وعدت قرير العين لا أفكر في شيء، فما كنت أعتقد أني سأعيش بعد القبض علي وتعذيبي، وما كنت معتقدا أن يحكم علي بأقل من الأشغال الشاقة المؤبدة.

لكنهم لما عجزوا عن الحصول على اعتراف مني اكتفوا بالأشغال الشاقة ١٢ سنة، ولم أستبعد أن يسجل الرئيس تأشيرته الخالدة «مع اعتقاله بعد انتهاء مدة الحكم»! فقد سمعت أنه أشر لبعضهم: «يعتقل مدى الحياة».

ولا أدري مدى حياة من؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية