العنوان مذكرات رضا نور (الحلقة ٤)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981
مشاهدات 57
نشر في العدد 533
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 16-يونيو-1981
جمعية الاتحاد والترقي في الأخلاق
كان نائل بك النائب البرلماني لمنطقة سمسون، وزيرًا للمالية في حكومة الاتحاديين. أرسلته الحكومة إلى أوروبا بشأن إحدى المسائل المالية. عدت أنا بعد شهر من هذا إلى بلدي سينوب كل الناس قالوا لي: نائب سمسون ذهب إلى أوروبا فعاد كافرًا. مكثت خارج البلاد مدة طويلة وعدت بعد الحرب العالمية (۱۹۱۹) إلى تركيا، ثم زرت بلدي سينوب.
قلت لنفسي: «إنني تجاوزت نائل بك وفقته أخيرًا. وعشت مع زوجتي في بلاد الكفار (أوروبا) والآن سيرجمني الأهالي بالأحجار»، ذهبت وزوجتي إلى سينوب وأنا خائف من الأهالي، فوجدت الأهالي يحتفلون بي احتفالًا عظيما. لم يقل لي أحد: «إنك تلبس القبعة التي يلبسها الكفار ولم يقل لي أحد: «زوجتك تخرج إلى الشارع دون أن ترتدي الحجاب».
حدث هذا التطور في التفكير الشعبي خلال عشر سنوات «من حكم الاتحاد والترقي». نفس هؤلاء الأهالي، يلبسون القبعة فوق رؤوسهم الآن.
وأكبر دليل على هذا التغير الذي طرأ على الناس هو: الجامع كانت الجماعة المواظبة على الصلاة في جامع علاء الدين في سينوب جماعة ضخمة، أما الآن فلا جماعة تقريبًا في الجامع.
اليهود يسيطرون على جمعية الاتحاد والترقي
كنت خائفًا على الاتحاديين لسرقاتهم واغتصاباتهم من ناحية، ولإفساحهم المجال لليهود من ناحية أخرى. وكان وضع المجلس على هذا الشكل: ليس لأي نائب برلماني رأي ولا قوة، الآمر الناهي في المجلس البرلماني ثلاثة أو أربعة أشخاص: جاويد «من يهود الدونمة» وطلعت «ماسوني» وقراصو «يهودي دونمة أيضًا». وأخيرًا قررت الدخول في معركة معهم. وكان هذا عملًا خطيرًا.
مقالتي: هي الأولى ضد الاتحاديين
فكرت كثيرًا ثم كتبت مقالة ونشرتها في يني غزته، أوضحت فيها مدى استبداد الاتحاد والترقي في مجلس المبعوثان، وقلت إن لا أحد من أعضائه يمتلك الإرادة الحرة. قلت في مقالتي: إن هذا ليس بمجلس إنه ماكينة بسيطة لا روح فيها، تتحرك وعمود حركتها في يد رجال مثل طلعت وجاويد وجاهد. وهؤلاء الرجال قد كونوا فيما بينهم «شركة احتكارية».
كان هذا المقال قنبلة؛ إذ لم يكتب أحد، بل لم يتكلم أحد ضد الاتحاديين حتى كتابتي لهذا المقال. وبهذا أكون أول من رفع راية المعارضة في وجه الجمعية لأول مرة.
الاتحاديون يهددونني بالقتل
خرجت في يوم صدور المقال إلى الشارع وإذا بي أرى بعض معارفي، وبدلًا من أن يلقوا عليَّ التحية إذ بهم يديرون وجوههم بعيدًا عني، ولم يحدث أن ألقى عليَّ أحد السلام. كلمت واحدًا منهم فقال لي: «ما هذا الهذيان»؟ قلت له: «لماذا؟». قال لي: هل يقول أحد ما قلته أنت؟ وضد من؟ ضد الجمعية المقدسة! واصلت طريقي إلى المجلس، الكل يتجنبني، أصابني اليأس. قلت لنفسي: ترى هل أخطأت؟ الجو العام ضدي. معنى هذا أنني أخطأت.. فكرت ثانية وجدت نفسي أنني على حق. في ردهة البرلمان رآني طلعت «زعيم من كبار الاتحاديين». كان وجهه مثل الطين فقد كان طلعت يبدو هكذا إذا غضب، عدل مساره وتوجه نحوي مال على أذني وقال لي: «جهز كفنك» كان هذا تهديدًا فظيعًا، هل الخوف لم يستول عليَّ؟! لا، فقد خفت فعلًا لدرجة أن هواجس صورت لي أن الاتحاديين سيقتلونني فور خروجي من البرلمان، لم أعد أخرج من البيت في مساء ولا بليل. كذلك لم أستقبل أحدًا ببيتي ومع ذلك فلم أتنازل عن أفكاري ولا حركاتي. ثم إذا بالمقالات تتوالى ضد الاتحاديين، معنى هذا أن كثيرًا من الناس ضد الجمعية كما صورت صحف جديدة تعارض الجمعية. كان جاهد يكتب ضدي ويكتب يهاجمني في جريدة طنين أما صحف المعارضة فكالت لي المديح.
الجمعية ترسل جركسيًا لقتلي
«كنت في سينوب»، فأرسلت جمعية الاتحاد والترقي في أثرى واحدًا من مجموعة الفدائيين التابعين لها، كان جركسيًا واسمه "ممتاز" أصبح هذا الرجل فيما بعد برتبة ميرالاي. أرادت الجمعية أن تتخذ من راسم بك رئيس البلدية في سينوب وسيلة في قتلى. لكن الرجل لم يقبل. رفض وأخبرني بذلك حتى آخذ حذري، لم يكتف بذلك، بل أرسل لي حارسًا ليقوم بحراستي. لهذا السبب نفسه أصبح المفتي الشيخ حسن فهمي عدوًا لراسم بك. الذي عانى نتيجة شهامته هذه من المشاكل لسنوات طوال. كان خوفي من الاغتيال ماثلًا أمامي دائمًا، وعشت في هذا الجو سنوات طويلة. ولم أعد آمنًا دون أن أحمل مسدسي. لم أجد الأمان والسكينة إلا عندما سكنت مصر في الحرب العالمية الأولى، ومن بعد مصر. يعني الآن ومنذ ثلاث سنوات وفي باريس .
نور على نور
هذا، وقد كان الاتحاديون يرسلون ورائي المخبرين دائمًا، كتبت مقالة في جريدة أقدام كان لها دوي ضخم لدرجة أن مراسل جريدة التايمز أرسل هذه المقالة لجريدته بالتلغراف كلفت ثلاثمائة جنيه إنجليزي ذهب. وإذا بالصحفي عليّ كمال «وهو أحد الصحفيين والسياسيين المشهورين في ذلك العهد» يكتب مقالة في مديحي بعنوان: نور على نور. وفي مجلس المبعوثان هددني رحمي السلانيكي وهو من مشاهير الاتحاديين بالموت، وأخذ حسين جاهد على صفحات الجرائد، يساجلني حتى سكت هو. أما ما قلته في المقالة فقد تحقق وهو أن الدولة ستغرق على يد الاتحاديين.
أزعجت هذه المقالة أعضاء جمعية الاتحاد والترقي ومن معهم. التقيت في هذه الأثناء بجواد بك السينوبلي وهو من أعضاء المحكمة في سرز، وكان قد وصل إستانبول. قال لي جواد بك: في سرز لجنة فدائية، قرر أعضاؤها اغتيالك ورئيسهم «شكري بك يصرّح بهذا علنًا» «شكري بك كان مديرًا للمعارف في منطقة سرز، ثم أصبح وزيرًا للمعارف ثم قتله مصطفى كمال». ونظرًا لأني أدرك وخاصة الأمر فقد كان وقع هذا الخبر الجديد- بالنسبة لي- طبيعيًا.
الذين يصدرون قرارات الاغتيال
كان في منطقة سرز لجنة فدائية برئاسة شكري بك مدير المعارف هناك. وكانت هذه اللجنة تابعة لجمعية الاتحاد والترقي مهمتها تصفية أعداء الجمعية. وقتلت هذه الجمعية بالفعل رجالًا كثيرين في منطقة الروملي «وهي المنطقة الأوروبية من الدولة العثمانية» حتى ذلك الوقت كان أكثر هؤلاء الفدائيين من الملازمين بالجيش من أمثال الملازم خليل «عم أنور باشا وزير الحربية في عهد حكومة الاتحاد والترقي» والملازم أديب «أعدمه مصطفى كمال فيما بعد» والملازم كاظم «وهو الذي أصبح رئيس مجلس الأمة التركي أثناء كتابة هذه المذكرات».
كان هؤلاء هم المنفذون لعمليات التصفية الجسدية في أعداء ثورة الاتحاد والترقي، أما الذين يصدرون قرارات الإعلام فهم: طلعت وأنور والدكتور ناظم وبهاء الدين شاكر.
الغريب أن هؤلاء قد ماتوا بعد ذلك مقتولين. يقول المثل التركي: قلة الماء تنكسر في طريق الماء. وهذا مضبوط.
عهد تحكم جمعية الاتحاد والترقي
الاتحاديون واستعراضهم "العبيط" لقوتهم:
اقترح عليَّ بعض معارفي دخول جمعية الاتحاد من جديد قائلين لي: «كان ينبغي ألا تخرج من الجمعية؛ لأن فتح القلعة إنما يكون من داخلها، ساعتها كان يمكن أن تعدل أمورًا كثيرة، قال لي مثل هذا القول كثيرون. مرة عندما خرجت من حزب الحرية والائتلاف، ومرة أخرى عندما ابتعدت عن مصطفى كمال.. إن هذا التحول غير معقول؛ إذ إنه لا يمكن في هذه الأحوال فعل شيء من الداخل.
كانت المعارضة للاتحاد والترقي تزداد يومًا بعد يوم، والاستقالات- بسببهم- تكثر في البرلمان لدرجة أصبحت مدعاة لاهتمام الصحف كل يوم. وفي مقابل هجوم الصحافة على جمعية الاتحاد والترقي، قام الاتحاديون بإصدار مجموعة عديدة من الصحف في كل من سلانيك ومناستر. وكانت هذه الصحف تتكلم بغرور شديد واحدة منها كانت تشتم ملك الصرب وتقول إن الاتحاديين سيتوجهون للاستيلاء على بلغراد، كانت هذه الصحف تتحدى العالم كله، واحد من الصحافيين المعارضين كان اسمه تحسين السلاحي نسبة إلى جريدته التي كان يصدرها باسم السلاح. لم يترك هذا الرجل شيئًا لم يقله. وأخيرًا أصدر طلعت «وهو من هو في رئاسة جمعية الاتحاد» أمره بقتل تحسين هذا، مع وضع جثته في جوال. السبب في ذلك أن تحسين عارض طلعت.. لقد كان الاتحاديون يذبحون كل من يعارضهم، ولو كان المعارضون من رجالهم أنفسهم.
الجمعية المحمدية ومجلتها البركان
ظهرت فجأة جمعية تسمى بالجمعية المحمدية أصدرت هذه الجمعية جريدة باسم البركان، تقول هذه الجمعية إن الدين لم يعد مراعًى، ولابد من إعلان الشريعة. كان أغلب أعضاء هذه الجمعية من شيوخ الطرق الصوفية والدراويش والمثقفين الدينيين. ذاعت شهرة هذه الجمعية ولاقت رواجًا ضخمًا كذلك أضحت جريدتها. ونقلت جريدة البركان هذه عني مقالتي التي بعنوان: «أرى أن» وقامت بطبعها أكثر من عشر مرات.
تكوين حزب الأحرار
قام أنصار صباح الدين بتكوين حزب الأحرار. وكنت أنا معهم، في تلك الأثناء قام الاتحاديون باغتيال أحد الصحفيين المعارضين لهم وهو حسن فهمي. كان شابًا مثقفًا ويقيم أثناء حكم عبدالحميد في مصر.
الجنود متدينون وضباطهم الشبان ملحدون
كان الجنود- مثل الشعب- متدينين جِدًّا. أما الضباط الشبان فقد كانوا يهملون الدين. كان بعض هؤلاء الضباط يستخدمون الورق بعد التغوط، كما أنهم- أي هؤلاء الضباط -كانوا يمنعون الجنود من الذهاب إلى الحمام صباحًا عندما كان يتوجب على هؤلاء الجنود الغسل. كان استخدام الماء بعد التغوط هو المعروف، كما أن الجنود إذا لم يغتسل الواحد منهم، فإنه لم يكن يمس الخبز طوال ذلك اليوم، ويظل الواحد منهم بالتالي جائعًا «اعتقادًا منهم ماداموا جنبًا فمن غير المستساغ مس نعمة الله». كما أن بعض الضباط كان يمارس الفاحشة والزنى في ثكناتهم أثناء قيامهم بالنوبتجية.
ونتيجة تصرف الضباط الشبان هكذا استطاعت الجمعية المحمدية أن تنفذ في أوساط الجنود، في هذه الأثناء كان الاتحاديون يغطون في نوم الغفلة. استطاعت الجمعية المحمدية أن تنفذ خاصة إلى صفوف القناصة وكان على رأس هؤلاء الجاويش حمدي. وذات يوم قال هذا الجاويش لنفسه:
«إن الاتحاديين كافرون يفعلون كل رذيلة، وأنهم يعتمدون على قوتنا نحن، بدوننا لا يستطيعون عمل شيء. هيا نقتلهم ونحصل على الشريعة».
السلطان عبدالحميد يرفض مقابلة الشاويش حمدي
ذهب هذا الجاويش حمدي إلى القصر السلطاني ذات يوم. طلب مقابلة السلطان عبدالحميد فلم يستطع. صرَّح هذا الجاويش بأفكاره إلى أحد أمناء القصر السلطاني ثم ألح على طلب مقابلة السلطان على انفراد. ورفض السلطان عبدالحميد، وبناء على رفض السلطان، قرر حمدي تنفيذ الأمر بنفسه، وذات صباح حرض عساكره على الثورة، كانوا كلما رأوا ضابطًا أسرعوا باعتقاله. توسعت هذه السرعة وأصبح الجنود يفعلون هذا الأمر بحماس. كان في إستانبول في ذلك الوقت أربعون ألف جندي. فإذا بجمع غفير من الجنود يقفون أمام مجلس المبعوثان كان حسين جاهد أهم ما يريدون. وكان حسين جاهد صحافيًا ماسونيًا اشتراكيًا ملحدًا. ظن الجنود أن أمین أرسلان وهو درزي وعضو مجلس المبعوثان، ظنوه حسين جاهد فقتلوه. ثم قتلوا عدة أشخاص أُخر. سألهم المجلس عما يريدون فقالوا «الشريعة» وهذه هي ٣١ مارت المشهورة «مارت -مارس».
الاتحاديون يتهمون عبدالحميد بتدبير حادث ۳۱ مارت
ادعى الاتحاديون بعد ذلك أن عبدالحميد هو الذي دبر هذه الحادثة. وهذا كذب.. مسكين عبدالحميد فلم يكن له أي دخل في هذه الحادثة، حتى إنني أعلم يقينًا أن عبدالحميد رفض مقابلة الجاويش حمدي.
عبدالحميد براء من هذه الحادثة، لم يدبرها ولم يشترك فيها ولم يوافق عليها، لكنه أيضًا لم يتحرك ضدها. وفي هذا أيضًا لم يكن يستطيع أن يضادها. لم تكن هذه وظيفته.
كيفية تكوين جيش الحركة الذي خلع عبدالحميد
ثم مضت فترة، وإذا بجيش يسمى جيش الحركة في سلانيك يتجمع ويبدأ في التحرك نحو إستانبول. وكان قائد هذا الجيش هو حسني باشا، استطاع الاتحاديون الذين تجمعوا في سلانيك أن يميلوا إليهم بعض الفرق العسكرية، اشترك مع هؤلاء في حركتهم هذه ثوري بلغاري مشهور هو «ساند إنسكي» مع فرقة عسكرية من البلغارين، كما أن قسمًا هامًا منهم أيضًا كان من يهود الدونمة. كما جاء كل من كاظم قرة بكير «من أكبر معاوني أتاتورك فيما بعد» وعصمت إينونو «خلف أتاتورك في رئاسة جمهورية تركيا فيما بعد» على رأس بعض الفرق، وانضما لهؤلاء في الطريق. ووصل هذا الجيش إلى أياسانوس «وهو حي في أطراف إستانبول» وهناك ولا أدري حتى الآن ما السبب وما الكيفية التي أصبح بها محمود شوكت باشا قائدًا لهذا الجيش.
كان عدد جيش الحركة هذا يقدر بحوالي عشرة آلاف جندي وضابط كان نصفهم نظاميًا والنصف الآخر غير ذلك. أرسل لهم مجلس المبعوثان وفدًا لمقابلتهم. وكنت أنا عضوًا في هذا الوفد. لكني لم أذهب.
وزير الحربية كان يستطيع منع الانقلاب
قابلت ناظم باشا وكان وزيرًا للحربية في ذلك الوقت وكانت صلتنا ببعض طيبة للغاية، قلت له إن زمام الأمر بيده في هذه اللحظة الحاسمة وما عليه إلا استخدام عسكره المدربين وكانوا في حدود أربعين ألف جندي وضابط قلت له أن يجمع هذه القوة ويقابل الجيش القادم من سلانيك وهو في حالة غير منظمة ومن السهل القضاء عليه، ثم يستدير -أي ناظم باشا- بعد ذلك إلى إستانبول ويخلع عبدالحميد.
كانت هذه هي فكرتي، لكن ناظم باشا قال لي إنه لا يستطيع عمل هذا، كان هذا الوزير في حالة اضطراب واضحة، وجدت أنه لن يفعل شيئًا. هناك أمل آخر وهو جنود إستانبول عسكر إستانبول يستطيع مقاومة جيش الاتحاديين ولكن هذا العسكر ينقصه الضابط والقائد. معنى هذا أن هذا العسكر إذا دخل معركة بهذا الشكل مع جيش الحركة فسيهزم هذا الجيش الذي يفتقد النظام. إذن فلا حيلة أمامنا إلا الهرب. توجهت أنا إلى الميناء ووجدت سفينة فرنسية. ركبتها اتجهت السفينة إلى ميناء بيري ثم الإسكندرية. قلت آه هذه فرصة لرؤية مصر.