العنوان مذكرات رضا نور الحلقة الأولى عهد التلمذة سبب كتابتي للمذكرات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981
مشاهدات 56
نشر في العدد 530
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 26-مايو-1981
الحلقة الأولى: عهد التلمذة- سبب كتابتي للمذكرات
إني أكتب حياتي ومذكراتي لا أكتبها بقصد منفعة مادية ولا لمنفعة معنوية، فما الفائدة في هاتين المنفعتين، إنهما لا شيء بالنسبة لي كإنسان فيلسوف الطبع مستغني عن المنافع الدنيوية والأخروية.. إنني أكنّ حبًا أبديًا وأزليًا لا ينطفئ للأمة التركية، ولدي طموح عظيم لخدمة هذه الأمة، وهذا ما دفعني لتقديم العبرة للأجيال التركية.
إنني لم أقدم شيئًا فيه الفخر ولا التواضع في هذا الكتاب، لقد كتبت الحقائق دون تحريف، كتبت ما هو في صالحي وما هو ضدي.. أما الأشياء التي في صالحي فقد كتبتها دون أن أقيم وزنًا للتواضع، إن الوقائع بمرها وحلوها ملك للتاريخ، لم أفصل القول في المسائل التي لم أرها بنفسي أو تلك التي لم أعلمها جيدًا.
بعض المنتهزين للفرص سيعملون على الإساءة إلي بعد أن يدركوا بعض نقائض بقراءة اعترافاتي في هذا الكتاب، أقول لهؤلاء من الآن: كم من شخص شجاع يستطيع أن يكتب مثلي حسناته وسيئاته؟ ومع ذلك فقد يقوم الذين وردت أسماؤهم في مذكراتي هذه -بعد موتي- بالدفاع عن أنفسهم، أو سيقوم الأحياء منهم بالدفاع. إنني لا أكنّ لهؤلاء الأشخاص أي عداء فإن كنت حيًا عندما يحاولون الدفاع عن أنفسهم فإنني سأقوم بالرد عليهم.
أبي
ولدت في سينوب عام ١٢٩٤ من التاريخ الرومي اسم أبي محمود زكي كان بائع أحذية يعرف القراءة والكتابة، مات وهو في الخامسة والسبعين من عمره كان تركيًا قحًا، من سينوب. أما أول جد نعرفه فقد كان إمامًا في الجامع الواقع في القسم الذي يسمى حصار في قلعة سينوب عاش هذا الجد قبل ١٥٠ - ٢٠٠ عامًا خلت.
هدموا هذا الجامع عندما كانوا يشقون طريقًا في هذا المكان.. أذكر أن الخط الذي كان بباب الجامع كان خطا كوفيًا كان يشبه الخطوط التي استعملها السلاجقة.. كان اسم عائلتنا إمام أوغلو.
أمي
كانت أمي تركية خالصة من سينوب.. معنى هذا أن دمائي تركية خالصة، وأنا أفخر بهذا كانت أمي دائمة النصح لي كانت تحثني على الفضيلة.. كانت تكرر علي بأن أكون شريفًا وألا أتجاوز حق أحد، وألا أكذب، وأن أعمل الخير بأقصى ما أستطيع وغير هذا من الفضائل، وكانت تربيتي على هذا ربما كان الدافع لي على الفضيلة هي التربية التي لقنتني إياها هذه المرأة.. أعلم أنها لم تترك الصلاة أبدًا، كان لهذه المرأة في وقت من الأوقات خادمتان واحدة منهما ضلت السبيل وهربت مع أحدهم.. فأسرعت أمي بطرد الأخرى وأقسمت ألا تدخل خادمة بيتها بعد ذلك، وبالفعل ظلت تخدم نفسها بنفسها إلى أن ماتت.
أمي وفظاظة أبي
كان أبي رجلًا فظا غليظ القلب يضربنا أحيانًا. «ذات يوم» عنف أبي والدتي، فدخلت حجرتها وأخذت تبكي ذهبت إليها قلت لها: يا أمي إلى متى تتحملين هذه المعاملة السيئة التي يعاملك بها أبي؟ وأنت الآن يا أمي تاج فوق رأسي قولي لأبي كفى! فقالت لي: يا ولدي إنه رجلي، وطاعة الأزواج واجب الزوجات.. إن جنتهن تكمن تحت أقدام أزواجهن. دهشت لأخلاقها الفاضلة!
للأسف ماتت أمي عندما كنت منفيًا خارج الحدود أيام الاتحاديين «أعضاء جمعية الاتحاد والترقي». كانت مريضة بالقلب، وكانت صورتي الفوتوغرافية معها دائمًا، وهي في فراش الموت ماتت، وكانت تقول: آه يا رضا.. ليتني أراك ولو مرة واحدة قبل أن أموت.. ماتت ولم أستطع تقبيل وجهها المبارك ولا يديها المباركتين.
تدين أمي
كنت نحيفًا جدًا أثناء دراستي للطب في إستانبول.. كانت الدراسة تعطل في رمضان، فكنت أذهب إلى بلدتنا سينوب. كانت في البيت: الصلاة والصوم في ذلك العهد، كانوا يطبعون صورًا آدمية على علب الكبريت، ولم تكن هذه العلب تدخل دارنا قبل أن تنزع أمي عنها هذه الصور بالسكين.. كان هذا هو الإسلام كما يلقنه مشايخ هذا العهد.
ضعف أمي أمامي وشربي الخمر
كان الصيام يرهقني، غذاؤنا في الطبية العسكرية سيئ جدًا وفترة الإجازة هذه كانت فرصة للتغذية، قمت فاشتريت زجاجة خمر ودخلت المطبخ.
أكلت مما هو موجود، وأخذت أشرب الخمر.. أحست المرأة التركية بهذا فدخلت المطبخ وقالت: «ياأسفا! أتفطر في رمضان؟ هل كفرت؟ يا مصيبتاه! وإذا بها فجأة ترى الخمر فقالت: «أووه! خمر! وكادت أن تسقط مغشيًا عليها.. خفت أسرعت باحتضانها قبل أن تسقط. قلت لها: « أمي! أمي! أتسمعينني؟ أنت تريني ضعيفًا نحيلًا يا أمي.. عندما أرسلتيني إلى إستانبول للدراسة لم أكن هكذا بهذا الضعف.. إنهم لا يقدمون لنا طعامًا جيدًا في المدرسة، وأنا أنتهز فرصة وجودي هنا لمدة شهرين لأغذي نفسي فيها لكي أستطيع المذاكرة عندما أرجع، وإلا فإني إذا استمرت هذه الحال سأموت.. وتغلب حنان الأم على التعصب الديني وقالت: «حسنًا يا ولدي لكن أخف هذا عن والدك، فإذا عرف ومنع فأمره مطاع، إن شراب «الراقي» هذا لم يدخل بيتنا قط حتى هذه اللحظة قلت لها: «الخمر يعطي قوة وأنا أشربه كعلاج يا أمي». وبذلك تسامحت في شرب الخمر.
بعد نظر أمي
كانت هذه المرأة الجاهلة التي لم تتعد كل ثقافتها قراءة سورة يس بعيدة النظر، وعندما انتخبوني نائبًا في البرلمان أول مرة بكت لأنها لم تكن تريد هذا. وقالت لي: «أنت رجل صريح وستتوالى المصائب عليك. ولا أريد أن أفقدك».
أثبتت الوقائع بعد ذلك صدق نظرية أمي.. مرت بي المصائب المصيبة تلو المصيبة.. من سجن ونفي وضرب في الشوارع وحكم الإعدام... إلى آخره.. وفي السجن كنت أتذكر بأسى شديد كلمات أمي.
تحول أبي إلى الفضيلة
قضى والدي مدة طويلة في الجيش ونظرًا لأنه التحق بوحدة الأحذية في الجيش، فقد تعلم هذا الفن، وأجاده كان والده يشرب خمر الراقي، وكان يجري وراء النساء، تزوج وهو في الثلاثين، فإذا به يترك شرب الخمر والنساء، وأخذ يصلي ويترك حاله القديم، وظل على هذا حتى مات ولم يترك الصلاة قط.
أبي وصناعة الأحذية
كان والدي يكسب جيدًا من الأحذية، لأن أغنياء الأماكن والمدن القريبة كانوا يعهدون إلى أبي صنع أحذيتهم، والدي هو أول من أدخل صناعة الأحذية في مدينة سينوب ونشأ على يديه صناع كثيرون في هذا المجال.
لكني أذكر وأنا في السنوات الأخيرة من الطبية أن ظهر الأروام «اليونانيون» في صناعة الأحذية وكثروا وأخذوا هذا الفن من يد الأتراك أما أبي فقد كان السن قد أخذ منه مأخذًا.
أبي يتولى تربيتي
كان والدي شديد الاهتمام بتربيتي، لم يكن يتركني في الشارع بمفردي، كما كان يمنعني من الكلام مع الناس، وكان إذا غضب يضرب، وكثيرًا ما ضربني، لا أنسى أنه ضربني ذات مرة بماشة «مشاكة» الفحم، وكانت غليظة ولما ضربني بها انثنت من قسوة الضرب.
كان يأخذني بنفسه للفسحة وعند عودتي من المدرسة، كان يحفظني كل يوم شيئًا وكان يأمرني بكتابة الخط عشرة أسطر، وبفضل هذا حفظت أشياء طيبة، وتعلمت تحسين الخطوط، كان يلقنني الصدق دائمًا وينصحني بالتزام الشرف، وكان يقول لي إذا لم تلتزم به فإني سأذبحك.. إنه لأسلوب طيب في تربية الأطفال مزج الترهيب بالترغيب كان لوالدي إخوة كثيرون واحد منهم كان بكباشيًا بيطريًا مات في بغداد.. مات أبي وعمره خمس وسبعون سنة في سينوب عندما كنت في روسيا أوقع معاهدة موسكو.
أخلاق الناس في سينوب
سينوب مدينة جميلة يصف السلطان سليم الأول في أشعاره التركية سينوب بأنها من أهم القلاع.. أهلها طيبون.. لم أسمع أثناء فترة طفولتي عن سرقة ولا عن فاحشة.. كان بعض الأهالي يغلقون أبواب بيوتهم ويضعون المفتاح على عتبة الباب، حتى لا ينتظر الزوج أمام الباب إذا كان زوجته ضيفة على جارة لها، ولم نسمع عن حادثة سرقة رغم هذا.. لم يكن أحد في سينوب يعلم ما هي الفاحشة.. كان فيها الأمان وكان فيها الشرف.. لم يكن للحكومة دخل في هذا وإنما كان بفضل أخلاق الناس أما الآن فلم يعد لهذا وجود.. أصبح خيالًا.
مشاعري الدينية في طفولتي وصباي
بدأت تعليمي وأنا في الرابعة من عمري أثناء طفولتي وفي ليلة رأس السنة، كنت والأطفال الآخرون نجمع ما في بيوتنا من حصير قديم وتبن وما إلى ذلك، ونهرع إلى الشوارع نوقد فيها نارًا ونقفز فوق النار ونحن نردد كلامًا ضد الكفار وفي صالح المسلمين، وهذه عادة تركية وأحيانًا كنا نجتمع خمسة عشر طفلًا ونملأ جيوبنا بقطع من الحجارة الصغيرة ونذهب إلى أحياء النصارى تلقي عليها الحجارة، وكان هذا يسمى بين الأطفال «رجم الكفار».
وعندما بلغت الخامسة عشر من عمري دخلت المدرسة الرشدية «الإعدادية» وكنت دائمًا متفوقًا وترتيبي الأول على التلامذة فيها.
كنت أثناء هذه المرحلة ولوعًا بقراءة المحمدية، والأحمدية، وقصة سيد بطال غازي، وقلعة الدم وقلعة خيبر، وكانت هذه الكتب تعطيني الإحساس بالبطولة.
آسف لانتهاء الدين من حياتي
وفي فترة من الفترات تصوفت كثيرًا كنت دائمًا أصلي في الجامع اكتسابًا للثواب الأكبر.. كنت استيقظ مبكرًا لأصلي صلاة الصبح حاضرًا في الجامع لذلك كان أبي وأمي ممتنين كثيرًا.. كنت أعيش في هذه الفترة في نشوى إلهية.. وإني أعترف أن كان هذا العهد من حياتي هو أسعد أيام حياتي كنت في تلك الفترة أرى بحماس مدهش عندما أسمع الآذان، كنت أحس بنفسي وكأنني طائر يطير سعادة. لم تكن الأرض تسعني من الفرحة. كان يخيل إلى وأنا أمشي أنني لا أسير وإنما أطير، وكأن السماء كانت لي دارًا كنت إنسانًا تقيًا بعيدًا عن أدنى شائبة. كنت أحس بالله القادر على كل شيء.. استمر هذا الحال عامًا ثم تركت الصلاة.. كان سبب تركي الصلاة غالبًا نتيجة سأمي وتعبي من صعوبة هذا العمل وكثرته، أو أن هذا كان فترة جاءت وذهبت.. آه ليت هذه الفترة ما أنقضت من حياتي! ألف أسف عليها! إني الآن مخلوق يلازمه اليأس والكدر يعيش في تشاؤم، محروم من الأمل، فلا رجاء ولا سند.
سوء التربية.. كتب جنسية تهديها لي المدرسة فتضرني
في امتحان السنة الأخيرة في المدرسة الرشدية كسبت مكافأة قدرها عشرة كتب كان اسم أحد هذه الكتب «مرشد المقدمين على الزواج» فتح هذا الكتاب عيني على أشياء غريبة. كنت أقرأه بين الحين والحين.. كان هذا أول ما أخذته من معلومات حركت شهوتي.
كم هم أغبياء هؤلاء الذين أعطونا هذه الكتب مكافأة لنا! كم أن عقولهم سخيفة!
أنهيت الدراسة الرشدية وعمري أربعة عشر عامًا، قالوا إنه لابد لدخول الطبية أن يدرس الطالب في الرشدية العسكرية، لذلك أدخلوني الرشدية فكنت أذهب إليها راكبًا السفينة.. هناك يهود يركبون هذه السفينة من إحدى محطاتها، كان أكثر هؤلاء اليهود من العجائز ذوي اللحى الطويلة، كانوا يجلسون ويقرأون في التوراة وتهتز لحاهم وهم يقرأون.
أول شربي للخمر
اشتريت من بقال ألباني شرابًا قديمًا شربته أثناء الفسحة، وكان ذلك بناء على توصية زملائي الطلبة، دخلت الفصل وإذا بدماغي تلف وتدور وأحسست كأني في حلم عظيم، ثم تبين أن هذا الشراب الذي أوصاني به الطلبة لم يكن إلا الراقي )نوع من الخمور). ومن ثم فهمت الأمر، وكان ذلك أول سكر لي في حياتي.
زميل سيئ يعقد حياتي
وفي السنة النهائية، كان معنا في الفصل طالب أناضولي فقير، كنت أرق لحاله تصادقنا كنت أعطيه من مصروفي. وعندما كان محتاجًا لملابس داخلية أعطيته بعضًا مما عندي منها.
وكنت أحبه حبًا حقيقيًا. كان أكبر مني بعام أو اثنين دعاني ذات مرة إلى بيته.
أصر على أن أبيت عنده ضيفًا عليه فقبلت، كان عنده خمر الراقي عرض على أن نشرب معًا فشربت، أعد لي سريرًا ونمت. استيقظت فجأة. ذلك لأني أحسست أن أحدًا ما يشد قطعة ملابسي الداخلية السفلى ويقطعه قفزت من السرير، فهرب الشخص سريعًا.. طار النوم من عيني ارتديت ملابسي ووجدت أن لباس عورتي مقطوع فعلًا.. كان الطالب الأناضولي الفقير هو الذي عمل هذا، وكان هذا تحقيرًا لي وأي تحقير كان لابد أن أنتقم من هذا الولد، زال هذا الحس عني بمرور الزمن، لكن هذه الحادثة كانت عبرة لي.. إذ إنني لم أقدم له إلا كل خير وإذا به يقدم على هذه الفعلة النكراء.. وتوصلت إلى نتيجة هي أنه لا صداقة لإنسان، وطول عمري بعد ذلك وحتى الآن لم أتخذ لي صديقًا بمعنى الكلمة.
أصبح هذا الولد بعد ذلك ضابطًا، وعندما كنت أصادفه في الشارع كان يتجه ببصره نحو الأرض فورًا إذ لم يكن يجرأ على النظر إلى وجهي.
في السادسة عشرة من عمري حصلت على الشهادة من رشدية صوغون جشمه وتهيأت لدخول الإعدادية العسكرية (الثانوية العسكرية) قال لي أبي: «خير لك أن تكون طبيبًا، وكنت أريد أن أصبح ضابطًا، لكني سجلت اسمي في الإعدادية الطبية. درست ثلاث سنوات فيها، كانت الإدارة فيها عسكرية، تشاجرت كثيرًا مع الطلبة، كانت الرغبة في المشاجرات إظهار البطولة، كنت أريد أن ينحني الجميع لقوتي كنت ألعب المصارعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل