العنوان مذكرات رضا نور- الروس يجعلون أعزة المسلمين أذلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1982
مشاهدات 55
نشر في العدد 558
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 26-يناير-1982
في طريقنا إلى موسكو
وصل ماديواني إلى قارص قادمًا من موسكو «ماديواني» شخص ضخم ملحم وجميل. جورجي، أخوه أصبح جنرالًا منشفكيًا وسفيرًا للحكومة الوطنية.
أما هو أي ماديواني قبلشفي وممثل روسيا، وكان قادمًا من موسكو إلى أنقره، ماديواني أيضًا قال لي: ستنجحون في عقد المعاهدة خبر طيب، ولكن أتصدق؟ إن الدبلوماسية هكذا مصيبة، إذا تسرع الإنسان في تصديق كلمة أو كلمتين، ولتصديق شيء لابد من الاستناد إلى عديد من الوثائق.
ينصحوننا بمراجعة ستالين نفسه
سألت هذا الرجل قال لي شيئًا مهمًا، قال: «إذا صادفتم مشكلة فعليكم بمراجعة ستالين» سألته عما إذا كان ستالين ميالًا لعقد المعاهدة، وإذا أراد هذا فهل لديه القوة والنفوذ لذلك.
فقال: «إنه يريد وإذا أراد فعل؛ فوضعت علامة كبيرة على هذا..
ستالين أيضًا جورجي «من جورجيا»، وستالين في نظر ماديواني أخطر رجل في البلشفيك.
عندما سمعت أنا هذا لم يكن أحد يعلم بعد أن ستالين ديكتاتور!! وأنه هو الذي يدير روسيا، إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات حتى علمت الدنيا بهذا.
إن كلام صبحي وماديواني القليل هذا أهم من كل الوثائق التي تعد بالمئات والموجودة في ملفات القيادة الشرقية التركية، معنى هذا أن المعاهدة ستحدث.
السنة والشيعة في تفليس
وفي تفليس استقبلنا أهلها؛ وهم أتراك، ودعونا إلى الجامع، وفي تفليس مفتيان أحدهما شيعي والآخر سُني.
هؤلاء الأتراك الذين يتبعون المذهبية كانوا يأكلون بعضهم البعض طوال العصور، ولكنهم هدأوا الآن وأصبحوا أصدقاء، والحمد لله.
إن الروس إذا دخلوا تفليس أخربوها
استقبلنا الأهالي الأتراك مع المفتيين، كلهم معًا أهل السنة والشيعة، توجهنا إلى جامع الشيعة، الجامع في الداخل بجدرانه، وأعمدته مملوءة بالمرايا بدلًا من القيشاني.
إنه جامع شاه عباس. ألقى المفتي السني خطابًا، اشتكى فيه من الروس، قال: «إن الروس إذا دخلوا تقليس أخربوها» كان يتكلم كلامًا جميلًا ومثيرًا للحماس.
تلكم نيابة عن وفدنا يوسف كمال بصفته رئيس الوفد، وأخذ يكيل الشتائم للروس. انزعجت حيث إن وجهتنا ومهمتنا هي الذهاب إلى روسيا لعقد معاهدة. ويبدو أن خطاب المفتي سيطر عليه، وبالتأكيد أن كلام المفتي هو كلام الحكومة الجورجية وليس في استطاعته التحدث بغير ذلك والجهوريون يريدون إفساد علاقاتنا بالروس.
تداركت -خوفًا- شتائم المسلمين في الروس
المهم! خرجنا من الجامع أي جامع الشيعة، وقلت ليوسف كمال: ما هذا الغلط الذي ارتكبته، وصلنا بكل جماعتنا من سنة وشيعة إلى جامع السنيين، وهناك قام مفتي الشيعة أيضًا بإلقاء كلمة، ثم ألقيت أنا كلمة قلت فيها: «إن الكل هنا من سنة وشيعة يتحدثون اللغة التركية، ولذا فهم إخوة، وإن الحكومة الجورجية حكومة جيدة؛ لأنها تعطي الأتراك الفرصة للحفاظ على تراثهم. كما أن روسيا أيضًا جيدة؛ لأنها تعامل الأتراك فيها معاملة طيبة» وكنت في ذلك أريد أن أصلح ما أفسده يوسف كمال بالهجوم على روسيا، ونحن في الطريق إليها نريد التفاوض معها والحصول منها على مساعدات مالية وعسكرية لنا في تركيا.
جواسيس الروس في جورجيا
وعلى هذا أذكر أننا عندما ذهبنا إلى موسكو سألني شيشيرون ذات يوم قائلًا:
«إن يوسف كمال كان يهاجم روسيا لكنك كنت في كل مرة يهاجمنا فيه تعدل أقواله»، وإن هجوم شيشيرون علينا في أوائل أيام وجودنا في روسيا لعقد المعاهدة سببه حملة يوسف كمال على روسيا، وأخطاء أخرى بدرت من يوسف كمال.
أيها الرجل إننا في حاجة إلى روسيا فذهبنا إليها لنتسول المال والسلاح، ومن المؤكد أن جواسيس روسيا موجودون، فلماذا تتكلم ضدهم، والحق أن هذا قلة عقل.
لماذا فشل الذين سبقونا إلى روسيا في توقيع معاهدة معهم؟
لأن بكير سامي اهتم باستقلال الأستنين.
في هذا الوقت استولى الروس على كل من أذربيجان وأرمنستان وجعلوهما بلشفيتين. وجاء الدور على جورجيا حتى أن الجورجيين شكوا كثيرًا جدًّا من جراء ذهابنا إلى موسكو، ظنوا أننا سنعقد اتفاقا مع الروس يقوم الروس بمقتضاه بالهجوم على بلادهم من الشمال الشرقي ونحن نهاجم من الجنوب، وبذلك نستولي على جورجيا، وكانوا خائفين من هذا جدًّا.
كانوا يلفون حولنا كثيرًا، لا يستطيعون معرفة شيء منا فكادوا يجنون. كان واضحًا مدى اضطرابهم وكدرهم.
والجورجيون أناس عديمو الخبرة فليس للروس احتياج لنا للاستيلاء على جورجيا، وكان هذا توهمًا منهم، أما مصلحتنا في هذا حتى بالفرض اشتراكنا معهم في هذا، فهل يترك لنا الروس أي قطعة مما استولوا عليها؟!
قبل أن يبتلع الروس جورجيا
الروس كانوا رتبوا للاستيلاء على جورجيا، وبالطبع أرسلوا الجواسيس الكثيرين إلى جورجيا أولًا.
للروس رجال كثيرون في جورجيا، وهذه حقيقة، كان على هؤلاء الجورجيون أن يعلموها.
وزير خارجية مصطفى كمال شيوعي مريض
والغريب أن يوسف كمال كان شيوعيًّا. لكن الذي كان ينظر إليه وهو في قارص وأرضروم يجد أنه يتكلم وكأنه بدأ يتخلى عن الشيوعية، إنه يتشكل حسب الجو الذي يوجد فيه، يسايره بكل ما فيه، وطبيعته هذه عجيبة، ولا توجد كلمة تركية لوصفه بها؛ لكني سأستخدم كلمة فرنسية في هذا الصدد:
يوسف كمال بفطرته إيريتابل جدًّا، إميرسيونابل جدًّا، إمبولسيف جدًّا، يتأثر فجأة من حادثة أو كلمة ليس له مما يسمى المنطق والعقل، يكون كيفما يكون تأثير الواقعية وإيمانها عليه.
كان رجل الاتحاديين المقرب في ذلك الوقت، حدثت حادثة فإذا به يمدح التمرد ويذم الاتحاديين أمام الجنود؛ ولذلك ظل منكوبًا سنوات طويلة وأخذ جزاءه على هذا الموقف، وقد تأثر بكلام.
الروس يجعلون أعزة المسلمين أذلة
المفتي في الجامع فقد فعلًا عقله ومنطقه، لا يمكن أن يكون هذا الرجل دبلوماسيًّا. سافرنا من هنا ووصلنا باكو. أقامت لنا حكومة أذربيجان مأدبة غاية في الجمال. كان الروس قد استولوا على هذه البلاد وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
كان في باكو رجل تركي مشهور من أغنياء البترول. كان غنيًّا جدًّا ومشهورًا، وكان يصرف أمواله على الأتراك، يقيم لهم بها المدارس والمستشفيات، وكان يصدر لهم جريدة. ثم مات وعندما جاء البلشفيون استولوا على كل أمواله وممتلكاته، ثم أسكنوا زوجته في بدروم بأسفل منزله، وعندما حكوا لي، قال: نزور بيت هذا الرجل واسمه تقي ...
وجدت بيته ضخمًا يماثل جبهة ثكنة السليمية في إستانبول ضخامًة، وأنزلوني في البدروم لأسلم على زوجة هذا الرجل المحسن، بدروم نزلنا إليه بالسلالم ووجدناها في حجرة بها أثاث بسيط جدًّا وقدموها لي: «السيدة زوجة تقي».
إن في هذا لعبرة، كيف كان هؤلاء الناس الكرام، وكيف أصبحوا في ظل الحكم الروسي.
«اللهم أحفظنا من هذا البلاء» – إن هذا دعاء في محله تمامًا.
قمت بجولة في دار المعلمين في باكو. كانوا من قبل يأخذون منا المعلمين ليدرسوا بها، وكانت دار المعلمين متقدمة جدًّا، وعندما جاء الروس واحتلوا هذه البلاد بدأوا بإنزال ضربة قاصمة لهذه الدار، وفي باكو مسرح جميل.