; مذكرات رضا نور : رغبات أتاتورك فوق الأمة | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور : رغبات أتاتورك فوق الأمة

الكاتب رضا نور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982

مشاهدات 81

نشر في العدد 569

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-مايو-1982

  • رغبات مصطفى كمال فوق الأمة

إن مسائل مصطفى كمال الشخصية فوق الدولة وفوق الأمة، كتبنا ما فعله على فؤاد، قاله أيضًا سفير روسيا.. الروس طردوه وساءت العلاقات بين الدولتين، أيعقل أن يرسل إلى روسيا سفيرًا لنا بعد كل هذا؟ إلا إذا كنتم لا تريدون غير العداء لروسيا «في هذا الوقت العصيب الذي نحتاج فيه إلى المساعدات الروسية» إذا كان هذا حسنًا، فما تفعلون هو الأفضل، إذا كنت «يا مصطفى كمال» تريد التخلص من علي فؤاد، وألا يبقى معك في أنقرة، فلماذا لا ترسله إلى مكان آخر. وعلي فؤاد نفسه رجل عجيب يا عزيزي، حتى إذا عينك مصطفى كمال مرة أخرى لهذا المنصب، فلماذا تقبله وتعود إلى روسيا؟! ألم تنس ما وجهوه إليك من احتقار أنت رجل مطرود!

هدأت من روعة قراخان وقلت له: «أنا أكتب لأنقرة الآن حتى لا يرسلوه. لا بد وأن يكون في الأمر خطأ ما. وفي الحقيقة أنني أسرعت في مساء ذلك اليوم بإرسال شيفرة إلى أنقرة». قلت: «قال لي قراخان الآن: إنكم أرسلتم علي فؤاد مرة أخرى، كيف ترسلونه بعد كل ما حدث قراخان، يقول، سأمسك به في الحدود، وأقذف به خارجها. بكل الاختصار لا ترسلونه حتى لا ينتهي كل شيء، إذا لم تصدقوني فأرسلوه».

  • مصطفى كمال يريد التخلص مني بتعييني سفيرًا في موسكو

بعد ذلك لم يرسلوه فعلًا تعقلوا في هذا. وأخبرونا بذلك عن طريق الشيفرة وفي نفس الوقت اقترحوا عليَّ منصب سفيرنا في موسكو. معنى ذلك أن مصطفى كمال انتهز الفرصة فورًا.

مصطفى كمال إذن يريد التخلص مني، رفضت المسالة بأدب. قلت لهم: إنني سأصل عندكم ونتكلم فلدي أشياء مهمة، لا أستطيع الكتابة، وبشرت قراخان بأن علي فؤاد لن يأتي.

حدث قحط كبير في روسيا. إن القحط يحدث في هذه البلاد بمعدل مرة كل عشر سنوات، الحكومة الروسية تستولى على المحاصيل عنوة من مكان، لترسله إلى مكان آخر، تأخذه من منطقة الفولجا، وأهالي الفولجا تتار والموزع عليهم المحاصيل هم الروس، والتتار يقولون: لو إن هذه المحاصيل والحبوب موجودة لدينا، لما مات منا رجل واحد، لكن الخطأ خطؤنا، والسبب أن الشيوعيين التتار يدلون الحكومة الروسية على الأماكن التي يخبئ فيها التتار محاصيلهم، فيستولون عليها، يقولون، إن خمسة ملايين نسمة ماتوا في هذا القحط.

  • أنور باشا يقود الثورة ضد الروس

حدثت ثورة ضد الروس في فرغانة، والذين قاموا بهذه الثورة هم الأتراك المسلمون يطلق على هؤلاء الثوار اسم باصماجي، وهي كلمة تعني النهابون، والواقع أنهم ليسوا كذلك. والحقيقة أنهم سموا هكذا؛ لأنهم كانوا يزعجون الروس. أرسل الروس أنور باشا إلى هؤلاء الثوار ليسكنهم؛ حتى يعودوا عن ثورتهم. فإذا به يصل إلى هناك؛ ليقود الثورة ضد الروس، وكون أنور باشا قوة من خمسة آلاف تقريبًا، استطاع أنور بهذه القوة أن يستولي على بخاري وخيره. وأخذ ينشر البيانات، ولقب نفسه في هذه البيانات بالآتي: «أمير بخاري وصهر الخليفة» ولم يستمر هذا النجاح طويلًا؛ إذ أرسل إليه الروس جيشًا قوامه ثمانين ألفًا، وكنت في موسكو عندما كان أنور في طريقه إلى جبل فرغانة.

ذات يوم قال لي قراخان: إن أنور قد قتل، لماذا لم تنشروا هذا في الصحف. قلت: فلنتحقق أولًا من الخبر. أرسلت من يحقق الخبر، فقالوا: إن أنور أصيب بثلاث رصاصات من مترليوز، وأقام له الباصماجيون قبرًا هناك، وهذا القبر أصبح مزارًا الآن.

والحقيقة أن أنور حدثني بصراحة عن خطته هذه التي ذهب ضحيتها، وقلت له: من الصعب مقاومة الروس، إنك ستنتهي. كما إنك ستسبب في هلاك الأتراك هناك.

زارنا بعد ذلك وفد من بخاري، وكان رئيسهم رجلًا عاقلًا تحدث معي، وعندما سألته عن أنور قال لي: «إن أنور ألحق بنا أضرارًا كثيرة جدًّا، إن ما فعله كان جنونًا، احتل مع الباصماجيين كلا من بخاري وخيوه، ولم يكن عندنا كوادر كافية، إنا وجدنا تركيًّا يعرف القراءة والكتابة أسرعنا بتعيينه مديرًا لمركز أو غيره من الوظائف، وفتحنا المدارس، وأخذنا نعلم أولادنا بالطرق الحديثة. وكنا ننجح في هذا الأمر، فظهر للروس أننا شيوعيون، ماذا نعمل وما هي حيلتنا؟ ثم جاء أنور والثوار الباصماجيون، وهؤلاء جهلة متعصبون، واستغل أنور هذا التعصب الديني، وحتى في بياناته كانت مليئة بالتعصب. يا له من رجل؟ نتيجة ذلك أن هؤلاء الباصمجيين كانوا في الأماكن التي يدخلونها، يقتلون المثقفين الأتراك، ثم جاء الروس وتخلصوا من الباصمجيين. لقد أخرنا أنور أربعين عامًا إلى الوراء. إن ما فعله أنور هناك فعله معنا في تركيا، وهو الذي زج بتركيا في الحرب. وكان يتلقى الهدايا وقد أهدى إليه عندما ولد ابنه «بانيو» من الفضة مع لوازمه. لماذا سقط الاتحاديون؟ لماذا تشتتوا وانتهوا؟ لأن رجالهم حمقاء حمقى وجهلة. كما أنهم كانوا لعبة في يد الدونمة واليهود فمثلًا، طلعت: أن رئيس مستشاري طلعت وأمين سره كان متر سالم اليهودي، وأعز أصدقاء طلعت كان قراصو اليهودي. كان يستشيرهما في كل ما يفعل. وهذان اليهوديان كانا يتعاملان مع الفرنسيين والإيطاليين، واغتنى كلاهما غناءً فاحشًا.

  • مع جمال باشا في موسكو

التقيت بجمال باشا في موسكو. كنت في سفارتنا في موسكو، وكنت أستعد للاستحمام، قالوا لي: جمال باشا جاء يريد مقابلتك، قلت لهم: ها أنتم تروني أستعد للحمام وأخلع ملابسي، لو انتظر قليلًا! أستحم وأقابله. ذهبوا وعادوا يقولون: إن جمال باشا يقول: لا يمكن أن أنتظر، قابله الآن. هذا الرجل لا ينتظر، وكذلك لا يغضب ويمشي، كما أنه يريد مقابلتي الآن. هذا الرجل غريب. جنرال! المرض العام الموجود في كل الجنرالات موجود فيه أيضًا العظمة والكبر، لا سيما وأن هذا المرض يظهر على هذا الرجل بشكل أكبر مما يظهر في غيره. ملك! إمبراطور! نمرود! فرعون! إله؟! كان هذا الرجل في يوم من الأيام يحميني في مواجهة الدكتور ناظم. لكن هذا الرجل عندما كان ناظرًا للبحرية جاء إلى باريس، فأرسلت إليه خطابًا أطلب منه ميعادًا لمقابلته، فلم يهتم، والآن جاء إلي، فلأنتقم منه لن أوافق على مقابلته، ومع ذلك ارتديت ملابسي دون أن أستحم، وذهبت لمقابلته. نزلت إلى الغرفة التي هو بها وإذا به ليس بمفرده، وإنما بياورانه وحرسه أيضًا، والروس ينفقون عليه وعلى من معه من مرافقين أتراك، أخذته هو ودخلنا بمفردنا إلى غرفة مجاورة. عاملته معاملة حسنة. سألني عن أنقرة. وأخيرًا قال لي إنه يريد أن يذهب إلى أنقرة، وأنه كتب إلى الغازي «مصطفى كمال» وأنه في تخابر معه، وقال لي: إنه سيذهب إلى تفليس لينتظر منه ردًا. كنت أعرف أنه يتراسل مع الغازي «مصطفى كمال». كان قد أرسل للغازي مجموعة خطابات لم يرد عليها مصطفى كمال. حتى إنه أرانا خطابًا منها وفي هذا الخطاب يقول جمال باشا لمصطفى كمال: يا هذا! أكتب لي ردًا حتى في سطر صغير. حتى أفخر بهذا. وكالمعتاد فتح مصطفى كمال فمه بأقذع السباب أمامنا في جمال باشا، قال لنا هذا لكنه رد عليه بخطاب. وظلا يتراسلان لفترات، وقال لنا مصطفى كمال ذات يوم فيما بعد: إنه يتراسل مع جمال باشا، ونسى مصطفى كمال كلامه الأول عنه.

نصحت جمال باشا قائلًا: عبثًا ما تفعل؟ مصطفى كمال لن يدخلك تركيا، إنه مشغول الآن بالقضاء على منافسيه. أيمكن لمصطفى كمال أن يسمح لجمال باشا بدخول تركيا؛ ليكون بلاء على رأسه، جمال باشا حركي. إذا وجد فرصة استغلها وأطاح بمصطفى كمال، لم يرغب جمال باشا في سماع كلامي، وقال: إنه على علاقة طيبة بالغازي، وإن الإذن بدخوله تركيا لابد وأن يصله.

قلت في نفسي: فلأعرض بهذا الرجل، فقلت له في الوقت المناسب بلغة مناسبة، يا باشا انظر قلت لي: إن قلمك كان يقطر في وجهي بالسم والدم، ونفيتموني خارج البلاد، طردتموني «أثناء تحكم جمعية الاتحاد والترقي في البلاد» من وطني. ورغم أنكم هاجمتموني كثيرًا إلا أنني الآن نافع للبلاد، وقلمي لا يسيل سمًا، ولكن دواء. مات الوطن وأنا واحد من الذين يعملون لإحيائه. والآن نعمل لوطننا. هذا تنفس صناعي..

  • يبدو أنني غير محق في عدائي لجمال باشا

وسرعان ما أجابني بهذا الكلام: «أخطأ ما فعلته؟ بالعكس أن هذا واحد من الأعمال الطيبة التي عملتها، أنا كنت أعرف قيمتك جيدًا. كنت أقول: إن يومًا سيأتي وتؤدي أنت فيه خدمات جليلة للوطن. جمعيتنا «الاتحاد والترقي» كانت تعاديك. كانوا سيقتلونك يومًا في الطريق، وكان لابد أن أنقذ حياتك. ولهذا أرسلتك إلى أوروبا، ولم يخب ظني هذا.. وها أنت الآن تؤدي للوطن خدمات جليلة».

رجل زكي، وإجاباته هذه من مؤشرات ذكائه. لكنه رغم هذا، عندما خرجت من السجن عاملني جيدًا، وبعد إرسالي لأوروبا منحني مرتب طالب، ولم يقطعه عني رغم ممانعة الدكتور ناظم. يبدو أنني لست محقًا في عدائي له واتخاذي هذا الموقف تجاهه.

قتل الأرمن ستة أو سبعة رجال من الأتراك الأذربيين، وقتلوا القادة الخمسة المشهورين في ذلك العهد من أتراك تركيا، وهم: طلعت، وبهاء الدين شاكر، إلى آخره. ثم سمعت أنهم قتلوا جمال باشا في تفليس. إن جمال باشا لم يسيء معاملة الأرمن أثناء الحرب العالمية «الأولى»؛ بل بالعكس أنه أخذ كثيرًا من الأرمن، إلى سوريا وأنقذهم من الموت. أنقذ حياة ما لا يقل عن خمسين ألف أرمني، فلماذا يقتله الأرمن؟

  • إن هذا لغز!

ذهبت إلى قراخان في موسكو. وطلبت منه معلومات في هذا الشأن. فقال: «نحن آسفون جدًّا؛ لأن القاتل لم يظهر بعد» ثم حصلت على معلومات خاصة تقول: إن القتلة أرمن. قام بقتله مجموعة من الأرمن حوالي خمسة أو ستة واحد منهم خباز، والذي حرض على قتله: الحكومة الروسية!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4