; مذكرات صفحات من دفتر الذكريات «٦»: أمة المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات صفحات من دفتر الذكريات «٦»: أمة المستقبل

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994

مشاهدات 47

نشر في العدد 1108

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 19-يوليو-1994

عزام يشيد بدعم الإخوان المسلمين للجهاد الفلسطيني وبدورهم في إشعال جذوة الحماس في جماهير الشعب المصري المساندة الجهاد في فلسطين

الإسلام.. هو الرسالة الخالدة للعرب وهم مسئولون عن رفع راية هذه الرسالة ودعوة الناس إليها والعمل من أجلها 

في السنة الأولى من إقامتي في فرنسا كان لدي قدر كبير من الطموح والأمل في مستقبل شعوبنا وأمتنا، وكانت لقاءاتي مع الحاج أمين الحسيني، واتصالاتي بالمسئولين عن الحركات الوطنية وجماهيرنا في فرنسا، تغذي هذا الأمل والطموح، وكنت أواصل مراسلاتي مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وعبد الرحمن عزام عن طريق الأستاذ أسعد داغر.

لقد كانت علاقة عبد الرحمن عزام وثيقة بالإخوان المسلمين وبالشهيد الأستاذ حسن البنا بصفة خاصة بسبب ما قام به الإخوان من دعم للجهاد الفلسطيني ومشاركتهم للمجاهدين من أبناء فلسطين في الكفاح المسلح، فضلًا عن دورهم في إبقاء جذوة الحماس في جماهير الشعب المصري لهذه القضية منذ ثورة فلسطين في عام ١٩٣٦م. وتطوع الإخوان لجمع التبرعات لدعم الكفاح الفلسطيني، وما زلت أذكر مقالًا كتبه الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في مجلة الرسالة بعنوان «الأيدي المتوضئة»، يشيد فيه بإخلاص شباب الإخوان وإيمانهم بقضية فلسطين وقد قرأته قبل انضمامي للإخوان وأنا تلميذ بالمدرسة الثانوية، وكان من أهم العوامل التي دفعتني إلى قبول دعوة صديقي وزميلي المرحوم الأستاذ عبد الحفيظ الصيفي للانضمام لصفوف طلاب الجماعة عندما كنت طالبًا بالجامعة، كما أنني قرأت كتاب عزام باشا بعنوان «الرسالة الخالدة»، وكتابه «محمد بطل الأبطال».

وفي يقيني أن علاقة عبد الرحمن عزام بالإخوان وإخلاصه لقضية فلسطين وشمال إفريقيا كان من أهم الأسباب التي أدت إلى عزله من الأمانة العامة في عام ١٩٥٢م، عقب حركة الجيش مباشرة بدون مبرر معروف حتى الآن.

في ربيع ١٩٤٦م جاءتني رسالة من الأستاذ أسعد داغر بأن الأمين العام للجامعة مسافر إلى لندن وينوي أن يزور باريس، وفعلًا بعد أيام اتصل بي زميلي وصديقي الأستاذ حسن أبو السعود وأبلغني بأن أخاه الدكتور محمود أبو السعود اتصل به من لندن وأبلغه بموعد وصول عبد الرحمن عزام إلى باريس وأنه سيكون في ضيافة السفارة المصرية وفعلًا وصل عزام ونزل بفندق «باريس» بشارع الأوبرا، ولقيناه ورحبنا به.

قبل مقدمه إلى باريس جاءني أحد الإخوان المغاربة وهو «مولاي عبد الله بن إبراهيم» الذي كان ممثلًا لحزب الاستقلال ويرأس اللجنة الممثلة لحزب الاستقلال - وقد أصبح رئيسًا لوزراء المغرب بعد استقلاله - جاءني في يوم من الأيام ومعه عدد من مجلة فرنسية هي «مجلة السياسة الخارجية»، وهي مجلة عالمية متخصصة بالأبحاث المتعلقة بالشئون الخارجية، وبها مقال عنوانه «العرب أمة المستقبل»، مترجم باللغة الفرنسية، وقد أشار الكاتب إلى أن المقال هو ترجمة المقالة نشرها عبد الرحمن عزام في عام ١٩٢٠م، في إحدى المجلات الفلسطينية في القدس، والترجمة الفرنسية لهذه المقالة أعجبت كثيرًا إخواننا المغاربة الذين كانوا يقرءون الفرنسية ويتابعون صحافنا وأهم ما لفت نظرنا هو تعليق المترجم على هذا المقال، لأنه قال: «إنني رأيت أن أترجم هذا المقال للفرنسيين الآن رغم أنه كتب منذ خمسة وعشرين عامًا ليعرفوا ما هي جامعة الدول العربية وما هي أهدافها وما هي حقيقتها، وليرسموا خططهم على ضوء

هذه المعرفة الجدية، لأن مسألة الوحدة العربية لیست مسألة مرتجلة ولا عارضة، وإنما هي مسألة شغلت العرب منذ الحرب العالمية الأولى، وأنها ليست إلا اسمًا آخر للوحدة الإسلامية ليكون العرب محورها بدلًا من الدولة العثمانية والدليل على ذلك هو هذا المقال».

والحقيقة أن المقال كان بارعًا في أنه عرض أن العرب أمة لها تاريخ، وأمة أصيلة ولها رسالة، وهي رسالة الإسلام، ولذلك فإن هذه الأمة سيكون لها دور كبير في مستقبل العالم، ولكي تؤدي هذا الدور يجب أن تتحد وأن تتقوى وأن تكون نواة لكتلة عالمية يكون لها دور في النظام العالمي «في ذلك الوقت» الذي بدأ بإنشاء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.

ولما جاء عبد الله بن إبراهيم بهذه المقالة، قال لي إنه يريد أن يترجمها وبالمصادفة بعد أيام قليلة علمنا بحضور عبد الرحمن عزام إلى باريس واتفقت معه على أن أطلب منه الإذن له بأن يقوم بترجمة هذا المقال ونشره باللغة العربية، ولما وصل عبد الرحمن عزام إلى باريس والتقيت به قدمت له نسخة من هذه المجلة وعرضت عليه الفكرة، وقلت له إن إخواننا المغاربة معجبون جدًا بالمقال المنشور بالمجلة ويريدون ترجمته إلى العربية، فضحك من أعماق قلبه، وقال: هذه أشياء كتبتها وأنا شاب منذ خمسة وعشرين عامًا، ولكن الفكرة ما زالت لدي وأعتقد أنني ساهمت في تنفيذها بدعوتي لإنشاء الجامعة العربية، والحمد لله قد تم إنشاء هذه الجامعة، قلت له ولكن أنت تعرف أنه كان هناك دعوة للجامعة الإسلامية قبل الحرب العالمية الأولى وأثناء هذه الحرب وأن العثمانيين والسلطان عبد الحميد بالذات كانوا ينشرون هذه الفكرة ويدعون لها باعتبارها وسيلة لاستعادة الوحدة الإسلامية فلماذا أنتم تركتم الجامعة الإسلامية وأنشأتم الجامعة العربية فقال لي: نحن ندعو للوحدة العربية لأن هذا هو الممكن حاليًا، ونحن نعرف مدى خوف الدول الكبرى من كلمة الوحدة الإسلامية وكلمة الأمة الإسلامية، ولذلك ربما يكون الكلام عن الأمة العربية والوحدة العربية يجب أن يسبق المشروع الآخر الأكبر، بل والأضخم، لإنشاء الجامعة الإسلامية والحقيقة أن الأوروبيين لا يفرقون بين العرب وبين المسلمين، وأن كلمة عربي ومسلم في نظرهم مترادفان، وخصوصًا في فرنسا هنا لو راجعت الذي كتب عن شمال إفريقيا والإدارة الفرنسية في شمال إفريقيا لوجدتهم يسيرون على أساس أن الكلمتين مترادفتان وعلى كل حال أنا أشرت إلى أن الأمة العربية أمامها دور كبير في مستقبل العالم، لأنها أمة ذات رسالة والرسالة التي قصدتها لكي تعرفها يجب أن تقرأ كتابي الذي نشرته بعنوان «الرسالة الخالدة»، وتكلمت فيه عن الإسلام وأنه هو الرسالة الخالدة للعرب، لأن العرب هم الملزمون وهم المسئولون عن رفع راية هذه الرسالة ودعوة الناس إليها وتبليغها والعمل من أجلها، أنا في اعتقادي أن الوحدة العربية هي الخطوة الضرورية للوحدة الإسلامية واقتصارنا عليها الآن هو ضروري للتدرج في العمل لذلك، قل لإخوانك المغاربة لا يتعبوا أنفسهم في ترجمة المقال وعليهم أن يبحثوا عن النص الأصلي في المجلة العربية التي نشرته في سنة ١٩٢٠م، وكانت تصدر في القدس بفلسطين وكان صاحبها هو الأستاذ عجاج نويهض، ومن محاسن الصدف أن أحد كبار الكتاب وهو الأستاذ أكرم زعيتر قد أشار لهذا المقال وأعاد نشره في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 1990/5/26م، وأرسلت لها تعليقًا نشرته بتاريخ 1990/6/1م ولابد أن تنشر المقال كاملًا وتعليقنا عليه فيما بعد.

لقد كان كلامي مع عبد الرحمن عزام في نفس الموضوع الذي كان يدور فيه الحوار بيني وبين الحاج أمين الحسيني «الذي غادر فرنسا قبل وصول عزام» وكان مكملًا له، وزاد له في تعمقي في هذه الفكرة أنني كنت أواصل قراءة كتاب السنهوري عن الخلافة طوال هذه الفترة.

كانت مشاعري تتولى الربط بين هذه الآراء والأحداث وبين الإيمان بمبدأ الوحدة الإسلامية وجهاد شعوبنا في سبيل تحررها واستقلالها، ودور الإخوان في المقاومة المسلحة ضد الصهيونية والاستعمار في فلسطين.

عندما حضر إليّ إبراهيم معيزة عقب وصول عزام وطلب مني أن أرتب موعدًا للالتقاء بين الأمين العام للجامعة العربية و «مصالي حاج»، زعيم حزب الشعب الجزائري، اعتبرت أن ذلك أمر سهل وعادي ولم أكن أدري أن ذلك سيكون قنبلة الموسم في الصحافة والإعلام الفرنسي الذي ما زال يعتبر الكلام عن استقلال الجزائر خيانة لفرنسا وإهانة لها تضاف إلى الإهانات التي لحقتها باستقلال سوريا ولبنان وقد عرضت الأمر على عبد الرحمن عزام فوجدته منشرحًا له ووافق على تحديد الموعد، وفهمت فيما بعد أن عزام قصد من ذلك إثارة انتباه الرأي العام لزيارته، لأن المسئولين في فرنسا والصحافة والإعلام كانوا مصممين على تجاهلها، وفعلًا ترتب هذا اللقاء مع مصالي الحاج، وترتب عليه أن قفزت زيارة عزام إلى الصفحات الأولى، وتوالت طلبات الصحفيين للالتقاء مع عزام، وزاد في هذه الضجة الإعلامية أنه حدد موعدًا لعقد مؤتمر صحفي في السفارة المصرية استعدادًا لمغادرة فرنسا ساخطًا على ما اعتبره تجاهلًا له من المسئولين الفرنسيين. 

لقد حضرت هذا المؤتمر الصحفي كما حضره عدد كبير من أبناء إفريقيا الشمالية فضلًا عن الصحفيين الفرنسيين والعرب، ونجح عزام في إلقاء قنبلته الثانية التي هيجت الرأي العام الفرنسي، وذكرت المسئولين عن سياسة فرنسا أن الجامعة العربية قوة لا يمكن تجاهلها، لأن في يدها ورقة رابحة يمكن بها أن تقضي على سلطة فرنسا ونفوذها في إفريقيا الشمالية، ولا يقلل من هذا الأثر الكلمات الحادة التي استعملتها الصحافة الفرنسية للتشهير بالجامعة العربية وعزام وتهديداتها للوطنيين الجزائريين والمغاربة الذين ينخدعون بدعايات العرب ووعودهم ويظنون أن الجامعة قادرة على تحقيق أحلامهم بالاستقلال.

كانت القنبلة التي أعدها وألقاها في المؤتمر الصحفي أنه لما سئل عن موقف الجامعة العربية من شمال إفريقيا «الفرنسي» وقضاياه قال: إنني شخصيًا أعرف شعوب إفريقيا الشمالية «يشير إلى تاريخه في الكفاح الليبي ضد الغزو الإيطالي» وهي شعوب عربية مسلمة، والجامعة العربية لا تستطيع أن تتجاهلها أو تتخلى عنها، ولما سئل إن كان هذا ينطبق أيضًا على الجزائر مع أنها في نظر فرنسا أرض فرنسية وجزء لا يتجزأ من إقليمها، قال: نحن نتكلم عن الشعب الجزائري وهو شعب عربي مسلم ولا تستطيع فرنسا أن تنكر عليه ذلك مهما تكن علاقتها بأرضه أو إقليمه، والجامعة العربية ملزمة بمقتضى ميثاقها بأن تقوم بواجبها نحوه ونحو غيره من الشعوب العربية، وكانت هذه العبارات مثيرة للصحف الفرنسية واعتبرتها إحدى الصحف نكتة الموسم، ومع ذلك فلم تمض عشرون عامًا حتى حصلت الجزائر على استقلالها واعترفت به فرنسا وما زالت تخطب ودها منذ حصلت على استقلالها حتى اليوم..

«*» أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :