العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٦٤): الاشتراكية في طريق الجزائر ١٩٦٣م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 49
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
كان «محمد خيضر» أول من وصل إلى الرباط بعد الإفراج عنهم، وأسر لي أن صديقه الأخ «أحمد «بن بيلا»» مازال في طرابلس بليبيا مشغولًا مع مجموعة من ذوي الفكر الاشتراكي يعدون ما سموه ميثاق طرابلس، ليعرض على الحكومة المؤقتة، واليساريين خبرة بتلك المواثيق التي يستدرجون لها من يتحالفون معهم، كما فعلوا من قبل في مؤتمر «وادي الصمام»، وفهمت أن «محمد خيضر» غاضب عليهم وعلى «بن بيلا»، لتورطه معهم، وأنه لذلك تركهم وجاء إلى المغرب، لأنه غير مقتنع بهذا الفكر الذي يستغله مجموعة من المتفرنسين الجزائريين، لأنهم يدعون إلى ما يسمونه الوحدة الاشتراكية، ويقصدون بها التحالف مع اليسار الفرنسي الذي هو الجناح الأوروبي للاشتراكية السوفييتية، والواجهة الفرنسية للتيار الماركسي، وهدف كثير منهم أن تحل الاشتراكية محل الإسلام أولًا، ثم محل «الوحدة العربية»، أو تكون عقبة في سبيلها عند الاقتضاء فيما بعد.
كان ملك المغرب في ذلك الوقت هو «الحسن الثاني»، وكان قد اختار التعاون مع «بن بيلا» وجماعته، كما فعلت الحكومتان المصرية والفرنسية، وكان التعاون مع الجزائر هو المسار الذي بدأته السياسة المغربية منذ عهد والده المرحوم الملك «محمد الخامس»، الذي يعتبر كثيرون أنه كان له الفضل الأول في إنقاذ «بن بيلا» وجماعته بعد أن اختطفهم الفرنسيون عام ١٩٥٦م، وخشينا إذ ذاك أن يقتلوهم ليضعفوا بذلك المد الثوري الذي بدأ في الجزائر عام ١٩٥٤م، وكثيرون يعتقدون أن التدخل القوي للملك «محمد الخامس» لدى الفرنسيين هو الذي حال دون تنفيذ هذا التهديد الفرنسي، وأنقذ حياة الزعماء الخمسة الأسرى الجزائريين، لذلك أصر على أن يزوروا المغرب بمجرد الإفراج عنهم، وقد تم فعلًا.
بعد ذلك زاد التعاون بين حكومة المغرب وملكها، وبين جناح «بن بيلا» في الثورة الجزائرية واعتقد أن الزيارة سببها تأكدهم من انتصار هذا الجناح بسبب تأييد فرنسا ومصر له مما يجعله الورقة الرابحة، وكان المغاربة يعتقدون أن هذا التعاون سيكون مفتاحًا للثقة والصداقة مع حكومة الجزائر المستقلة يحول دون تدخل الجزائريين في مشكلة الصحراء المغربية، وحل مشكلة «تندوف» المرتبطة بها، ولكن هذه المشاكل تعقدت كثيرًا بكل أسف بعد ذلك بسبب عناد بعض القادة العسكريين الجزائريين، حتى حدثت حرب الحدود بين البلدين، ثم جاء انقلاب بومدين ضد «بن بيلا»، وظهر لي فيما بعد أن هذه المشاكل بين «المغرب والجزائر» كانت من أهم أسباب الخلاف بين «بن بيلا» وجماعة بومدين، لأن «بن بيلا» كان يفضل المرونة إزاء المغرب، وعدم معاداته ومعارضة بعض العسكريين له كانت من أسباب تدبيرهم للانقلاب على «بن بيلا» واعتقاله الذي استمر طوال عهد بومدين، ولم يفرج عنه إلا بعد وفاته في عهد الشاذلي بن جديد، وتمادت حكومة بومدين في معارضة السياسة المغربية في الصحراء، وما زالت المشكلة قائمة حتى الآن.
التنسيق بين مخابراتي ناصر وفرنسا
كان المغاربة يعرفون العلاقة الوثيقة بين جماعة «بن بيلا» والنظام الناصري، بل والمخابرات الناصرية بالذات، وكان الفرنسيون يعرفون ذلك أيضًا، ولذلك فإن علاقتهم مع هذه المجموعة كانت في كثير من الأحيان تمر من خلال اتصالات بينهم وبين المخابرات والحكومة الناصرية.
ومنذ انتهاء العدوان الثلاثي على «بورسعيد»، وخاصة أثناء وجود الأسرى الجزائريين في السجن بفرنسا بدأت عدة وساطات تروج لخطة التقارب والتعاون بين هذه القوى الثلاثة «الحكومة المصرية والفرنسية والمغربية»؛ لتدعيم اتجاه «بن بيلا»، وتمكينه من السيطرة الكاملة على جبهة التحرير الجزائرية بعد خروجهم من السجن، واكتشفت فيما بعد -لكن بعد فوات الأوان- أنه كان هناك تعاون بين القوى الثلاثة في هذا الاتجاه بعد أن تحقق قدر من التنسيق بين أهداف هذه الجهات كنت استنبط ذلك وأحس به وأرى علاماته من حين الآخر، لذلك كانت علاقتي بأحمد «بن بيلا» وجماعته دائما شخصية بحتة قبل اعتقالهم وبعد اعتقالهم حتى الآن.
أول هذه العلامات التي لاحظتها كثرة عدد الزعماء المغاربة الذين كانوا يزورون «الأسرى الجزائريين» في المعتقل بفرنسا، وكانت الإدارة الفرنسية تخصهم بتسهيلات كثيرة، وبعضهم كان يحمل لي رسائل «بن بيلا» وزملائه، ودعوته لي لكي أزورهم هناك، وفعلًا قمت بهذه الزيارة مرة واحدة في صيف عام ١٩٦١م، عندما كانوا تحت الإقامة الجبرية بمدينة «توركان»، وقد سهل لي ذلك أنني كنت في ذلك الوقت أحمل جواز سفر مغربي، وبقيت معهم ليلتين في ذلك القصر أو «القلعة» التي كانوا يقيمون بها، ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا في سجن، بل كانوا في إقامة جبرية، كما كان الأمر بالنسبة لمصالي حاج وبورقيبة عندما زرتهم في صيف عام ١٩٥٤ وقبلهما المنصف باي في «بو»، وفي هذا المكان كانوا يقيمون به كنا مجتمعين ومتفرقين.
اذكر أنه عندما قررت مغادرتهم وطلبوا لي سيارة تاكسي لتنقلني إلى المحطة تأخرت السيارة قليلًا، ولاحظت وجود حركة غير عادية، واقترح عليّ «بن بيلا» أن أسرع بالخروج لانتظار السيارة عند الباب الخارجي، وقد عرفت هناك سبب هذا التسرع، إذ شاهدت سيارة عند المدخل تحمل زوارًا فرنسيين ظهر من طريقة استقبالهم أنهم كانوا على درجة من الأهمية وفهمت أن الغرض من الاستعجال كان هو ألا ألتقي بهؤلاء الزوار وألا أعرف عنهم شيئًا.
ومن هذه العلامات أيضًا أنني عندما تحدثت مع «بن بيلا» قلت له: إنني كما تعرف متعاقد مع الحكومة المغربية كمستشار في المحكمة العليا، ولذلك فإن تعاوني معكم سيكون في الحدود التي تسمح بها الحكومة المغربية فرد عليّ أحد أصدقائه الحاضرين بأن طمأنني على علاقاتهم بالملك الحسن الثاني. وعبر عن ذلك بكلمة مازلت أذكرها وهي قولة بالفرنسية: «إننا مضطرون للسير معه مسافة في الطريق» «Nous avons un bout de chemin afaire avec Lui» وكان معنى ذلك أن هذا سيكون فترة محدودة.
تأكد لي فيما بعد أن هذا هو المبدأ الذي يسير عليه الجميع كل منهم كان يسير مع أصدقائه مسافة ما، ثم يتخلى عنهم أو ينقلب عليهم، كما فعل «بومدين» مع «بن بيلا»، وكما فعل «بن بيلا» مع «كريم بلقاسم»، ومع «محمد خيضر»، وآخرين، فليس غريبًا أن ذلك كان مسلكهم مع الملك الحسن أو الحكومة المغربية.
دور المخابرات في تسهيل دخولي الجزائر
لقد عرفت من لقاءاتي السابقة مع «بن بيلا» «وخيضر» علاقتهم الوثيقة بالمخابرات المصرية وثقتهم بهم، ولم يكن يضرهم أن أعرف ذلك، ولم أتحدث معهم بشأنه، لأنهم كانوا يعرفون أنني على استعداد للتغاضي عن كل سيئات «عبد الناصر»، وبغي نظامه وطغيانه طالما استمرت مساعداتهم لثوار الجزائر، لقد تناسيت من أجل الجزائر كل ما أصابني، بما في ذلك اعتقال كثير من الإخوان، لكن لم أكن أقبل تواطؤ النظام الناصري مع الفرنسيين الذي لم أكن أعرف حقيقته ولا مداه، إلا بعد أن دخلت الجزائر وأقمت بها مع صديقي «أحمد» «وخيضر»، وأدركت -بعد فوات الأوان- أن المخابرات المصرية كانت ضالعة مع الفرنسيين والمغاربة في رسم خطة دخولهم الجزائر قبل الحكومة المؤقتة، ضامنين معاونة الفرنسيين لهم في الاستيلاء على السلطة وإبعاد الحكومة المؤقتة وما ترتب على ذلك، مما شاهدته مما كاد أن يدفع البلاد إلى حافة الحرب الأهلية لولا أن الله سلم، وهناك حوادث كثيرة أكدت لي أن كل ما فعله «بن بيلا» كان بعلم الحكومة الناصرية، بل وبأمر منها في بعض الأحيان.
الاتفاق على إقصاء الإسلام
كانت النقطة الوحيدة الموضوعية التي اتفقت فيها مع «بن بيلا» «وخيضر»، هي ذلك الوعد الذي قطعه «بن بيلا» شخصيًا على نفسه يوم ودعني مسافرًا إلى المغرب ١٩٥٦م، واشترط عليه أن أتولى إعداد مشروع الدستور مقابل تعهدي بأن أدخل الجزائر معهم عندما يدخلونها في أي وقت يريدون وقد أيد المعتقلون الخمسة هذا الوعد، وكتبوا لي خطابًا بذلك من السجن، ويظهر أن ذلك كان قبل أن يتم التفاهم بينهم وبين فرنسا وهم في المعتقل، ولكن لم يحدث بيننا قبل ذلك ولا بعده أي اتفاق على المسائل الأساسية التي سوف يتضمنها مشروع الدستور المأمول؛ لأننا كنا نعتقد أن ذلك سابق لأوانه، وأن أفكارنا متقاربة، وكان خطأ من جانبي أنا شخصيًا لكنني رضيت ضمنًا أن أتجاهل ما يسيرون عليه للانفتاح على الحكومة الناصرية، بل وعلى العناصر اليسارية الاشتراكية في فرنسا، وفي الجزائر ذاتها، طالما كانوا محتاجين لذلك، وفي حدود الضرورة للحصول على استقلال الجزائر، لكن لم يخطر ببالي أنهم سيقبلون ما يفرضه الفرنسيون من قيد على سياستهم بعد الاستقلال، وبالذات شرط استبعاد الاتجاه الإسلامي.. لكن العناصر الاشتراكية استغلت ذلك لفرض الاتجاه اليساري على هذه المجموعة وعلى النظام الجديد في عهد «بن بيلا» «وبومدين».
لقد حاولوا ذلك أولًا فيما يسمونه «ميثاق الصومام» الذي تم في الداخل عام ١٩٥٥م، أثناء الثورة، وكان «بن بيلا» معارضًا له، لكن يظهر أن «بن بيلا» تراجع عن معارضته لهذا الاتجاه في ميثاق طرابلس الذي تم بعد خروجه من السجن وكان هذا الميثاق في نظر الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى مجرد وثيقة نظرية، لكن تبين أن هذا الاتجاه الاشتراكي في نظر العناصر الفرنسية كان شرطًا أساسيًا لكي يعاونوا جناح «بن بيلا» على دخول الجزائر قبل الجناح الآخر المتمثل في حكومة بن خدة، والذي لم يشاركه في المساومات، ويظهر أن «بن بيلا» شخصيًا قبل هذا الشرط وبالغ في الالتزام به أكثر مما كان يتوقع كثير من أصدقائه مثل «محمد خيضر» في البداية، بل «وعباس فرحات» نفسه الذي ساعدهم ضد الحكومة المؤقتة ثم انقلب عليهم في النهاية.
رسمت الخطة لاستيلائهم على السلطة على أساس أن المغرب هو طريقهم لدخول الجزائر، وبذلك استطاع «بن بيلا» وجماعته إنشاء المكتب السياسي في تلمسان، الذي أيدته ثلاث ولايات فقط، ثم وصلوا إلى الجزائر العاصمة قبل الحكومة المؤقتة، وشكلوا الحكومة الجزائرية التي أعلنت الاستقلال، وكانت الجزائر على شفا حرب أهلية بين الولايات الثلاث المؤيدة للحكومة الانتقالية والولايات الثلاث الأخرى المؤيدة الجماعة «بن بيلا»، ولم ينقذها من هذه الحرب إلا حكمة بن خدة وجماعته الذين تمثلهم الحكومة المؤقتة، لأنهم تراجعوا وتركوا الميدان خاليًا لكي يفرض جناح «بن بيلا» سيطرته على الجزائر دون مقاومة من جانبهم، رغم أن هناك عناصر كثيرة كانت تحاول الزج بالجميع في طريق الحرب الأهلية.
واعتقد أن الفرنسيين كانوا يراهنون على وقوع الحرب الأهلية، لكن رهانهم قد فشل بسبب انطلاق المظاهرات الشعبية التي رفعت الشعار المشهور «سبع سنوات بركات....» أي يكفينا سبع سنوات من الحرب، حينذاك تراجعت الحكومة المؤقتة، كما تراجعت الأم الحقيقية عندما عرض عليها القاضي أن يقسم الطفل نصفين في القضية المشهورة، حينذاك جعل الفرنسيون هدفهم الحصول على أقصى ما يمكن من «التنازلات» من «بن بيلا» وحكومته، هذه التنازلات هي التي لاحظت أنها تجاوزت ما يقبله ضميري، ورأيت أن صديقي «بن بيلا» قد بالغ فيها ليضمن استمرار تأييد الفرنسيين واليساريين له، ولذلك ابتعدت عنه وعدت للمغرب كما «سأذكر فيما بعد» رغم أنني كنت منذ مدة طويلة قد اخترت السير في طريق الجزائر وكان أملي أن أبقى فيها لأساهم في إعادة بناء المجتمع على أسس إسلامية، ولازلت أذكر أنني كنت أحاول إقناع صديقي «بن بيلا» بأن أعين أستاذًا في جامعة الجزائر وأتفرغ للعلم والتعليم هناك، وقبل مني ذلك ووعد به مرارًا، قائلا: «إن هذا أقل ما يجب عليهم وفاء لي» لكنه عاد فجأة واعتذر بالعذر التقليدي، وهو أن إخواننا الناصريين لن يعجبهم ذلك، بل إنهم عارضوه ولكني اعتقد أن المعارضة الأساسية كانت من جانب اليساريين الفرنسيين الذين سلمهم الجامعة وعين رئيسًا لها أحد الفرنسيين الذي كان أول هدف له إخراج ذوي الفكر الإسلامي منها، كما حدث بالنسبة لأمينها العام الأول الجزائري، وهو صديقنا الهاشمي التيجاني - رئيس جمعية القيم الذي نقل من الجامعة إلى وزارة الزراعة!!..