; صفحات من دفتر الذكريات (۱۹).. الفتنة (١٩٥٠- ١٩٥٢) | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (۱۹).. الفتنة (١٩٥٠- ١٩٥٢)

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 76

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

▪ الفرنسيون يخترقون حزب الشعب ويوقعون الخلاف بين زعيمه وبين مسئولي اللجنة المركزية للحزب

▪ الحكومة العسكرية في مصر كانت تستخدم الاستخبارات لاصطفاء بعض قادة الأحزاب العربية ليدوروا في فلكها

كان المبدأ الذي أعمل على أساسه، هو أن أكون على اتصال مع الجميع، وأسعى بكل الوسائل للتوفيق بينهم ومساعدتهم على التغلب على مشاكلهم الداخلية سواء داخل كل حزب أو مجموعة أو فيما بين الأحزاب المختلفة، بل وفيما بينهم وبين الإخوان المسلمين أيضًا، فيما عدا علاقتهم بالحكومة والدول، فلا شأن لي بها ولا أسأل عنها، ولما عدت لمصر بعد نهاية البعثة واصلت عملي على هذا الأساس.

بعد عودتي لمصر، وصل «محمد خيضر» وبعده وصل «أحمد بن بيلا»، و«حسين آية أحمد» وعرفت أن الأخيرين هاربان من السجن أو الاعتقال.

أما «محمد خيضر» فقد جاء قرب نهاية الدورة البرلمانية التي كان يشترك فيها مع جماعة M.T.L.D. وهو الذي قدم لي «أحمد بن بيلا»، و«حسين آية» واحدًا بعد الآخر واستمرت علاقتي وثيقة بالثلاثة مضافًا إليهم «الشاذلي مكي»، الذي عرفته قبل سفري للبعثة، والذي بقي ممثلًا للحزب في مصر.

وكانوا جميعًا مشغولين بالخلاف بين «مصالي» واللجنة المركزية، ولكن «الشاذلي» كان أميل إلى «مصالي» الذي حضر إلى مصر في طريقه لأداء فريضة الحج، ورافقه «الشاذلي» في رحلته، وقدمه لبعض الجهات الرسمية في مصر وغيرها، لكن ولاءه «لمصالي» لم يمنع صلته «بخيضر» والآخرين لأنهم كلهم كانوا يعتبرون أنفسهم أعضاء ومسئولين في الحزب، وكانوا يسعون لكي يربوا الصدع في الحزب.

▪ خلاف داخل حزب الشعب

وتوالت الأنباء عن ازدياد حدة الخلاف الذي وقع بين «مصالي الحاج» وبين المسئولين عن اللجنة المركزية للحزب في الجزائر وفهمت من ذلك أن الفرنسيين استطاعوا أن يخترقوا صفوف الفريقين، ويكون لهم أعوان يعملون للإيقاع بين بعضهما البعض ويدفعون كلًا من الجانبين لمهاجمة الجانب الآخر، ولقد بقي «مصالي» أسيرًا طول حياته في فرنسا لا يستطيع العودة لوطنه، ومع ذلك يصر على أن يمارس سلطاته كرئيس للحزب بواسطة رسل يترددون عليه، ونسى أن كثيرًا من المخلصين لا يسمح لهم الفرنسيون بالوصول إليه، وأنهم يسعون لكي يحيطوه ببعض المنافقين والعملاء حتى لقد شكا لي ذات يوم قبل أن يبدأ هذا الخلاف من إسراف بعضهم في مدحه والإطراء عليه وقال لي: «إنني أشعر بالخجل عندما أسمع كلامه ولا أستريح لرؤيته ولكنني لا أستطيع منعه، لأنه من مناضلي الحزب، بل من المسئولين عنه».

ومن الناحية الأخرى فإن اللجنة المركزية في الجزائر منذ أن رشحت نوابًا لدخول مجلس «الاتحاد الفرنسي» أصبحوا هم وكثيرون من جماهير حزبهم يشعرون بالتناقض بين عدم اختراق الحزب بالاحتلال الاستعماري والسلطة الفرنسية، وبين مشاركتهم في الانتخابات للمشاركة في برلمان فرنسي، وكانوا يعللون ذلك بأنهم يقصدون إبعاد حزب البيان الذي يرأسه «عباس فرحات» عن ادعاء تمثيله للشعب الجزائري، هذا التناقض أوجد في اللجنة وإطارات الحزب تيارين:

أحدهما يستريح للاتصال بالإدارة وعملائها وسماسرتها ويكون ذلك غالبًا بقصد رفع بعض المظالم عن الشعب وعن الأفراد.

والآخر يصر على المقاطعة الحازمة للإدارة الفرنسية في الجزائر احترامًا لمبدأ الحركة في عدم الاعتراف بالسلطة الفرنسية المحلية، ومن الطريف أن نواب «حركة انتصار الحريات الديمقراطية» الذين كنت ألقاهم في باريس، كانوا أشد الناس تطرفًا في مبدأ مقاطعة الإدارة في الجزائر ولا يعتبرون أن وجودهم في البرلمان الفرنسي خروجًا على هذا المبدأ؛ لأن مهمتهم في باريس هي مهاجمة الحكومة الفرنسية مستعينين دائمًا بأحزاب المعارضة الفرنسية التي تسلك جميع السبل لنقد سياسة الحكومة، ومهاجمة الحكومة بقصد إسقاطها، لا بقصد تحرير الجزائر لكنها في سبيل إسقاط الوزارة كانت بعض أحزاب المعارضة تستمع إلى شكاواهم وآرائهم، وتستفيد من معلوماتهم، وتشجعهم وتؤيدهم في بعض الأحيان وهم يعتبرون هذا نجاحًا لهم ولقضيتهم في ذلك الوقت الذي كانوا يواجهون فيه حصارًا كاملًا في بلادهم.

▪ المخابرات تستغل الخلافات

وكان هناك جهات كثيرة من المخابرات الفرنسية وغيرها تستغل هذا الخلاف داخل حزب الشعب، وتغذيه بالإشاعات والأكاذيب والاتهامات المتبادلة مثل إشاعة أن «مصالي حاج» في رحلته للحج حصل على معونات مالية احتفظ بها ورفض تسليمها للجنه المركزية- الذين كان يصفهم بأنهم «باشوات الحزب»- وكنت أراقب ذلك كله بألم وأسى، ولا أستطيع أن أفعل أكثر من النصح والتهدئة.

ومع ذلك بقيت أتعلق بالأمل في رأب الصدع وإعادة الوفاق، ولم يكن ذلك مقصورًا على حزب الشعب فقد شاهدت الخلاف بين «بورقيبة» و«صالح بن يوسف» داخل حزب الدستور الجديد التونسي، كما رأيت الشقاق بين «ابن بركة» وأصحابه، والسيد «علال الفاسي» وجماعته، وكان الجميع أصدقائي حتى آخر لحظة، ولم يدع أحد منهم أنني تدخلت في الخلاف أو أبديت تحيزًا لأحد الفريقين، في حين أن جهات أخرى ساعدت في الخلاف وشجعت عليه، بل استغلته لصالحها ولأهداف خاصة بها.

وفي مصر، كان مكتب المغرب العربي يضم الإخوة الجزائريين جميعًا، ويعملون بالتعاون مع الإخوة التونسيين والمغاربة في هذا المكتب، وكانت الجامعة العربية تعاونهم وتساندهم وأذكر أن «حسين آية أحمد» وهو من أصل بربري، وكان على درجة كبيرة من الثقافة، وقد لاحظت أنه يحاول أن يرسم لنفسه خطأ منفصلًا عن الآخرين، وفي يوم من الأيام أبلغني بأنه سيتزوج، وأن زوجته ستحضر إليه مع والدها الذي سيحضر للحج وبعد ذلك جاء لي «محمد خيضر»، وقال: إنني أرغب في الزواج، وأن «حسين آية أحمد»، قال إن زوجته التي خطبها في الجزائر قبل مغادرته لها أخت وسيحضران مع والدهما، وعندما تحضر أعتقد أنني سأخطبها ونتزوج في حضور والدهما، وفعلًا في موسم الحج حضر والد الفتاتين إحداهما «جميلة» التي خطبها «حسين آية أحمد»، ومعها أختها وهي «فطة» أو «فطمة» التي يريد «خيضر» أن يخطبها، وفعلًا اتفقوا على الزواج، وحددنا موعدًا لعقد القرآن وتحدد موعد العقد في منزل أحد أصدقائهما في جاردن سيتي وكان معهم عدد من الجزائريين واستعدوا لهذا الزواج، وحضر جميع أعضاء مكتب المغرب العربي وقدموا الحلوى وتبادلوا التهاني، وجاء المأذون ليعقد القران، وفي أثناء كتابة العقد سأل «محمد خيضر» عن مكان مولده، فقال له الجزائر، فقال له في أي المحافظات توجد هذه البلدة؟ قال له هذه البلد لیست في مصر، ولكن في المغرب العربي أي في شمال إفريقيا، قال له إذًا أنت لست مصريًا، قال له: أنا لست مصريًا.. أنا جزائري قال له: أنا لا أملك أن أعقد العقد إلا للمصريين، وبالتالي فأنا لا يمكن أن أتمم هذا العقد، وعليكم أن تتجهوا إلى القاضي، والقاضي وحده هو الذي يملك عقد هذا العقد ودهش خيضر وإخوانه، وفوجئوا بهذا ولم يخطر لهم ببال أن المأذون سيرفض كتابة العقد، وطبعًا قال أحدهم بأن القاضي سوف يطلب منهم خطابًا من سفارتهم يثبت جنسيتهم، ومعنى ذلك أن يلجئوا للسفارة الفرنسية، وهذا مستحيل وأن المسألة ستتعقد وستطول ووالد الفتاتين جاء للحج، ومضطر للسفر للحج بعد أسبوع فكأن المسألة ستتعطل وتتأخر، وكان أحد الحاضرين هو السيد «علال الفاسي» فقال لهم: لا تنزعجوا الآن إن هذا العقد نعقده طبقًا للشريعة الإسلامية والمأذون والقاضي ليس حضورهم شرطًا لصحة العقد في الشريعة الإسلامية، والعقد الشرعي يكفى فيه شاهدان، فأنا أكتب لكم هذا العقد طبقًا للشريعة وأشهد عليه أنا و«توفيق الشاوي». وفعلًا كتب العقد «علال الفاسي» وشهدت عليه أنا وآخر، وأعتقد أنه هو «علال» نفسه وتم العقد، والمأذون هرب لأنه خاف أن يتهم بأنه عقد عقدًا لغير مصري أو عقدًا عرفيًا، وهذه مخالفة إدارية قد تعرضه للمجازاة هذه هي قصة طريفة في تاريخ الحركة الجزائرية، وقد بقى «خيضر» و«حسين أحمد» بهذا العقد العرفي الشرعي الذي حرره علال الفاسي وشهدنا عليه حتى تم الزواج وولد لهم أولاد، وقد سمعت فيما بعد أن هذا العقد العرفي قد سبب لهم مشاكل كثيرة وخصوصًا بعد وفاة المرحوم «محمد خيضر» دون أن يوثق عقدًا رسميًا بعد عودته للجزائر.

▪ استغلال الحكومة للمساعدات المالية

ولم تكن الخلافات الداخلية هي المشاكل الوحيدة التي واجهت هذه الأحزاب، بل كانت هناك المشاكل المالية، وكان الأصل أن كلًا منهم كان يعتمد على ما يرسله له أقاربه أو أصدقاؤه أو المسئولون في حزبه من مال بطريقة أو أخرى، وخلال مدة إقامتي في باريس كان كثيرون يطلبون مني مساعدتهم في إيصال مبالغ يرسلونها لمن يعرفون في مصر.

لكن «عبد الرحمن عزام» بصفته الأمين العام لجامعة الدول العربية، كان يقدر المصاعب التي تواجهها مثل هذه الحركات من هذه الناحية، لذلك عندما اقترح عليهم أن يكونوا «مكتب المغرب العربي» ليكون منطلقًا للتعاون بين هذه الحركات، بل والاتحاد بينها في المستقبل قرر تشجيعًا لهم صرف مرتبات لمن يعملون في هذا المكتب ومن يرشحونه من المناضلين اللاجئين في مصر.

وبعد إخراج «عزام» من الجامعة العربية بقرار من الحكومة العسكرية التي تولت السلطة بعد حريق القاهرة، وحركة «الجيش» في يوليو عام ١٩٥٢م، فوجئت في يوم من الأيام بزيارة من «علال الفاسي» و«محمد خيضر»، وذكرا لي أن هناك أزمة تواجههما لأن الأمانة العامة للجامعة العربية قد أبلغتهما بأنها ستوقف المعاشات التي كانت تدفع لهما شهريًا من ميزانية الأمانة العامة، وهما لا يعرفان السبب في ذلك وطلبا مني أن أعمل جهدي لمساعدتهما في هذه المحنة.

وقد اتصلت فورًا بالدكتور «محمد صلاح الدين» الذي كان وزيرًا للخارجية في مصر لغاية عام ١٩٥٠م، والتقينا أنا وهو و«علال الفاسي» واتفقنا على أن أذهب أنا معه إلى الأمين العام الجديد السيد «أحمد لطفي حسونة» لبحث الأمر معه وحثه على مراجعته نظرًا لأهمية هذا الموضوع، وفعلًا ذهبنا إليه في مكتبه بناء على موعد سابق، وقلت له: إننا لا نعرف سببًا لإجرائه، ونعتقد أنه يضر كثيرًا بالحركات الوطنية في شمال إفريقيا: لأن هؤلاء لاجئون إلى مصر، وإن من عادة مصر أن تؤوي اللاجئين السياسيين وترعاهم طالما هم فيها، وألا تخرجهم، أما أن تحرمهم من الطعام والمعاش فهذا أمر عجيب وليس له سابقة في تاريخ مصر ومعناه إلزامهم بالخروج من مصر، فنرجو أن يبحث هذا الموضوع ويراجع هذا القرار، فأبدى أسفه وقال: أنا لا أستطيع حتى أن أعدكم ببحثه لأني لست إلا منفذًا، ولا أستطيع تغيير هذا القرار بأي وجه من الوجوه لأنه ليس من عندي فعدنا بدون نتيجة وأبلغنا إخواننا الجزائريين والمغاربة بأنه لا أمل في تغيير هذا القرار وفهمت بعد ذلك من اتصالاتي معهم، ومع غيرهم أن سياسة الحكومة العسكرية في مصر لا تريد أن تتعامل مطلقًا مع الأحزاب الوطنية القائمة في الجزائر وتونس والمغرب وأنهم يريدون أن يعملوا هم بطريقهم المباشر إذا اقتضى الأمر مع من يرى أن يتعاون معهم بصفة فردية وفي حدود مصالحهم وسياستهم فقط، أما أن يدعموا حركة تكون قيادتها في بلادها خارجة عن سلطانهم فهذا ما لا يريدونه وفهمنا بالتدريج على فترات معينة بأنهم اتصلوا ببعض أفراد من العاملين بمكتب المغرب العربي، أو اتصل بهم بعض الأفراد، وأبدوا استعدادهم للعمل مباشرة مع الحكومة العسكرية عن طريق جهاز الاستخبارات، وأعتقد أن أول هؤلاء هو «أحمد بن بيلا» وقد عرفت ذلك مؤخرًا بعد أن بدت له ظواهر وعلامات أكدت لي ذلك بالتدريج فيما بعد، من بينها عدة وقائع وقرائن عندما كان معتقلًا في فرنسا وزرته في المكان الذي كان معتقلًا فيه هو وإخوانه، فطلب مني أن أحمل رسالة إلى سفير مصر في جنيف وكان أحد رجال المخابرات، وفهمت أنه وضع في جنيف ليكون هو ممثل المخابرات المصرية في الاتصال مع الجماعة الجزائريين المعتقلين في فرنسا ومنهم «ابن بيلا»، و«محمد خيضر».

ويظهر أن «محمد خيضر» سار في هذا الاتجاه بحكم صداقته مع «أحمد بن بيلا»، دون أن يكون هو الذي يقوم بالاتصال المباشر كما ظهر لي بعد ذلك عندما وقع الخلاف بينه وبين «بن بيلا»، كذلك فيما يتعلق بالتونسيين سار في نفس الاتجاه الأمين العام لحزب الدستور وهو «السيد صالح بن يوسف»، وترتب على هذا أن أوقف تعاونه تدريجيًا مع «الحبيب بورقيبة» الذي كان رئيس الحزب في ذلك الوقت وانحاز له أغلبية الحزب وبقي الأمين العام وحده في مصر، ولكن «بورقيبة» دبر اغتياله في إحدى رحلاته للخارج في أحد فنادق مدينة فرانكفورت بألمانيا بعد ذلك، وكان معه بعض الأشخاص الذين لم يكونوا من قيادات الحزب، وأعتقد أن منهم كان المرحوم «إبراهيم طوبال».

فهؤلاء كانت لهم علاقة شخصية على أسس جديدة مع الحكومة العسكرية في مصر عن طريق الاستخبارات وكذلك فيما يتعلق بالمغرب الأقصى، قد استطاعت الحكومة العسكرية المصرية أن تستقطب «بن بركة» وزملاءه وأعتقد أنهم هم الذين دفعوهم لكي ينشقوا على حزب الاستقلال بحجة أنهم يريدون الاشتراكية، وأن «علال الفاسي» وقادة حزب الاستقلال من علماء القرويين محافظون ونتيجة هذا الاستقطاب أنهم تمردوا عليه وأنشئوا جماعة أو حزبًا بقي إلى اليوم باسم اتحاد القوى الشعبية، ثم تحول إلى الاتحاد الاشتراكي وما زال يحتفظ بهذا الاسم برغم أن هذه التسمية قد اندثرت في مصر نفسها، وفي السودان، وفي غيرها من البلاد التي كانت تدور في فلك الحكم الناصري.

على كل حال الذي أؤكده أنني لم أقطع علاقتي بأي جهة من الجهات لم يدر في خلدي أن أسألهم عن حقيقة هذه العلاقات، ولا عن سببها: لأن مهمتي كانت المساعدة والتعاون مع العاملين في حقل الكفاح الوطني، طالما هم في حاجة لمساعدتهم وراغبون في ذلك.

▪ الحاجز الثقافي

في عام ١٩٥٢م، أحد أيام الصيف، فوجئت وأنا بالشقة التي أسكنها بالدقي بزيارة غير متوقعة من الدكتور «حافظ إبراهيم» الذي تعرفت عليه في رحلة «الحج في إسبانيا» وقضيت معه ومع أسرته فترة سعيدة لا أنساها، وزاد من وقع هذه المفاجأة أنه أحضر معه أكبر أبنائه «توفيق»، كان سنه إذ ذلك يقرب من السابعة وقال لي: لقد جئت لأرى مصر لأول مرة في حياتي، وقد أحضرت معي «توفيق»، لكي أدخله مدرسة يتعلم فيها العربية والثقافة الإسلامية، ويتمتع بالعيش في بلد عربي إسلامي لقد سعدت بلقاء «حافظ» وابنه، وكانت لنا لقاءات عديدة، وفجأة قرر أن يقوم بزيارة لبعض معارفه في البلاد العربية المجاورة، وترك لي ابنه «توفيق» لأقوم بمهمة إدخاله مدرسة مناسبة.

مرة ثانية أجد الحاجز الثقافي يمزق وحدة الأمة، ويهدد نهضتها، وألمس مدى تقصيرنا في النهوض بتعليمنا العربي في بلادنا، لقد بحثت عن مدرسة بها قسم داخلي وتعلم اللغة العربية في الصيف ليستفيد توفيق من عطلة الصيف في تعلم لغتنا لكي يبدأ دراسته في بداية العام الدراسي باللغة العربية، وبحثت في القاهرة كلها عاصمة مصر وقلب العالم العربي والإسلامي وبلد الأزهر، فلم أجد مدرسة واحدة توفر مثل هذه الدروس خلال عطلة الصيف، وكان يساعدني في البحث صديقي الأستاذ «محمد هارون المجددي» الذي كان زميلي في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي للإخوان المسلمين فترة طويلة وشارك معي في دراسة كثير من القضايا الإسلامية ولكنه مسافر إلى الإسكندرية في الصيف مع أسرته ووالده الرجل العظيم الشيخ «محمد صادق المجددي» سفير أفغانستان في مصر الذي كانت له معنا جولات وصولات في كثير من شئون الإخوان وقضايا المسلمين التي تعمل من أجلها.

بعد أيام قليلة اتصل بي «هارون المجددي» وقال إنه وجد في الإسكندرية مدرسة تستقبل التلاميذ في الصيف وتهيئ لهم إقامة داخلية، لكنها للأسف مدرسة إنجليزية، وبعد تردد ذهبت مع «توفيق» وأودعته بتلك المدرسة حتى ينتهي الصيف وننقله للقاهرة وعندما عاد الدكتور «حافظ» من جولته في بعض البلاد العربية وافق على إلحاقه بالمدرسة الإنجليزية في مصر الجديدة بالقسم الداخلي حتى تكون لديه فرصة أكبر لإتمام دراسته بالخارج، ولقد اضطررت إلى ذلك نظرًا لأنني لاحظت أن الأمور غير مستقرة بين الحكومة والإخوان المسلمين، ومعنى ذلك أن وجوده معي في المنزل قد يترتب عليه إزعاج له أو توريط له، أو لوالده في قضايا وقد حصل ذلك فعلًا إذ اعتقلت في العام التالي ١٩٥٤م، وبقيت بالسجن الحربي عامين لم يستطع «توفيق» أن يزورني خلالهما، أو يتصل بي كعادته، وأكثر من ذلك عندما بدأ العدوان الثلاثي على قناة السويس انزعج والده ووالدته وحضرت والدته للاطمئنان عليه، ثم حضر والده، وقرر أن يأخذه لمدريد معه لأنه وجد في طنجة قريبًا منه مدرسة أمريكية يمكنه أن يلحقه بها.

▪ الأدوار الخفية لأجهزة الاستخبارات

وأثناء وجود «حافظ» بالقاهرة جاء إليه اثنان من أعضاء حزب الاستقلال في ذلك الوقت وهما «عبد الرحمن اليوسفي» الذي كان مرافقًا لي في باريس عام ١٩٥١م، أثناء اشتراكي في وفد الجامعة العربية لدورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي نوقشت فيها شكوى مصر والدول العربية ضد فرنسا دفاعًا عن المغرب وملك المغرب الذي عزله الفرنسيون وكان معه «الفقيه البصري»، وهو أحد كبار المسئولين في الحزب، وكان له دور في المقاومة بعد عزل الملك.

وقد تردد هذان الصديقان على بعض المسئولين في مصر في ذلك الوقت، ولم يذكرا لي موضوع المقابلات ولا هدفها، ولكني لاحظت أنهما متفائلان بما لقياه من ترحيب وحسن استقبال، ويظهر أن العلاقات توطدت فيما بعد بينهما وبين حكام مصر العسكريين وأن ابن بركة هو الذي تزعم هذا الاتجاه الذي أدى إلى انشقاق هذه المجموعة على حزب الاستقلال بتأييد وتحريض من أجهزة الحكم العسكري في مصر، وأنشئوا حركة سموها اتحاد القوى الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي تيمنًا بالاتجاه الناصري، وقد ظهرت بوادر التأييد الناصري لهذا الانفصال في الإعلام الحكومي في مصر، فبينما كان «علال الفاسي» يستعد للعودة إلى وطنه نشر «هيكل» رئيس تحرير الأهرام في ذلك الوقت مقالًا مطولًا في إحدى المجلات المصورة، لا أذكر إن كانت «آخر ساعة» أو «المصور» أو غيرها، تهجم فيها على «علال الفاسي» دون أي مناسبة تستدعى ذلك، ونسب فيها إليه ما اعتبره «السيد علال» قذفًا وسبًا في حقه، فاتصل وطلب مني أن أنوب عنه في شكوى للنائب العام وفتحت النيابة تحقيقًا سمعت فيه أقوال السيد «علال الفاسي»، ثم استدعت المشكو في حقه لإبداء دفاعه وأجل التحقيق لهذا الغرض عدة مرات وكلما ترددت على رؤساء النيابة أبدوا أسفهم لأنهم لا يجدون وسيلة لإحضار المدعى عليه ولما كانوا كلهم زملائي وتلاميذي فقد آثرت التخلي عن الموضوع.

ولا أدرى كيف انتهى التحقيق لأن «علال الفاسي» آثر أن يغادر مصر، ويستقر في طنجة التي كانت في ذلك الوقت مدينة دولية لا تخضع للسلطات الفرنسية أو الإسبانية ولا المصرية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل