العنوان مذكرات ... صفحات من دفتر الذكريات ... طريق الجزائر (١٠٠) ... فشل المؤامرة
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1203
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 11-يونيو-1996
*ميثاق للتعاون بين بعض الأنظمة العربية لتصفية معارضيها وتبادل المعلومات عنهم والعمل للحد من نشاطهم.
*الشاعر عمر بهاء الدين الأميري أفسد خطة عملاء الاستخبارات الناصرية في مطار بيروت لتصفيتي جسديًّا أو اختطافي إلى السجون المصرية.
كلما تذكرت شريط حادث اغتيال المهدي بن بركة وتتبعت مراحله آمنت بأن القدر هو الذي يصرف الأمور مهما فعل الناس ومهما خططوا.
دق الباب وجاء أحد الأشخاص واستدعاني فخرجت معه لأجد على الباب رئيس مكتب الخطوط السعودية في مطار بيروت، وكنت أعرفه لأنني التقيت به مرة سابقة عندما كنت مسافرًا مع «الوزير الشيخ أحمد زكي يماني» وجلسنا في مكتبه بعض الوقت وصاحبنا إلى الطائرة، وعندما خرجت له هذه المرة قال لي: أنا آسف يا دكتور، الظاهر أنك لن تستطيع السفر بهذه الطائرة، ولكنني سأحجز لك في أول طائرة بعدها إن شاء الله، وقد جئت لأسلم لك بنفسي تذكرتك التي تسلمتها منك، وأعرفك أن اسمك حذفته من المنافيستو، وألغيت رحلتك حتى لا يحدث ارتباك في جدة. سألته عن السبب في تأخير السفر، قال إنه لا يعرف الآن، ولكنه سيهتم بالأمر وسيبحثه، وقال إنني أمرت بإنزال حقيبتك التي كانت في الطائرة قبل سفرك، وسأحضرها لك بنفسي، وأحضر لي الحقيبة، وهي حقيبة ملابس، وليس بها أوراق، فقط بعض كتب اشتريتها من بيروت من بينها كتاب اسمه «أقسمت أن أروي» ألفه لبناني مسيحي ماروني يدعى «معكرون» وسأذكر قصته فيما بعد، فضلًا عن كتب أخرى منها الشوقيات، وديوان حافظ.. سلمني الحقيبة وخرج.
كان إلغاء رحلتي للسعودية غير متوقع ممن أعدوا الكمين على أساس ادعاء سفري للسعودية ومغادرتي للمطار دون أية شبهة ضدهم، لكن تصرف مدير مكتب الخطوط السعودية حال دون هذا الادعاء، وأفشل مؤامرتهم، لذلك اعتقد أنهم بدءوا يتداولون فيما يجب عمله، وقرروا تغيير الخطة لتكون المحاكمة في بيروت بدلًا من النقل إلى القاهرة للمحاكمة هناك أو التصفية الجسديةحسب الظروف.
بعد ذلك خرج الموظف الذي كان بالمكتب عدة مرات، ثم عاد وأمسك قلمًا وورقة وفتح محضرًا، وبدأ يسألني، ودُهشت لأنه إذا كان الأمر استجوابًا فلماذا لم أُسأل من أول وصولي! كانت أسئلته عن سبب مجيئي إلى بيروت والفترة التي قضيتها، وماذا عملته من ساعة خروجي، ومن قابلت، وماذا قلت لهم، وماذا قالوا لي.
لم أذكر شيئًا عن لقائي بياسر عرفات، وكان لقائي معه في اليوم السابق لسفري مباشرة، وكنت واثقًا بأنهم يعرفونه ويعرفون كل خطوةخطاها معي، لذلك كنت واثقًا أن هذا اللقاء هوسبب اعتقالي، وتوقعت أن يكون أول سؤال يوجههإليَّ عن هذا اللقاء.
لقد دهشت لأنهم لم يسألوا أي سؤال عن هذا الموضوع، لأني كنت واثقًا من أنهم كانوا يتتبعون خطواته وخطواتي معه، ولكنهم لم يسألوا، كان يهمهم موضوع آخر لا أعرفه، دارت الأسئلة حول علاقتي بالإخوان وموقفي من الإخوان المسلمين، وكنت مسرورًا لأنهم اتجهوا هذا الاتجاه وتوسعت في هذا، وصرت أروي لهم قصصًا عن الإخوان وعن موقفهم من الحكومة المصرية وموقف الحكومة المصرية معهم وماذا يلاقون في مصر من ظلم وعسف واضطهاد وما إلى ذلك، حتى أشغلهم عن توجيه الأسئلة بشأن لقائي مع السيد «ياسر عرفات» الذي كنت أظنه السبب الرئيسي في التحقيق وكان هذا الظن خاطئًا.
بعد الاستجواب الذي لم يستمر طويلًا، فتحوا حقيبة الملابس التي أحضروها ولم يجدوا سوى كتاب السيد «معكرون» المسيحي اللبناني والذي عنوانه «أقسمت أن أروي» فأخذوه مع باقي أوراق التحقيق وسألني المحقق عنه، فقلت إنني رأيت هذا الكتاب في إحدى المكتبات وأردت أن أقرأه، ولم أقرأه بعد، فاحتفظ به وسألني إذا كنت أعرف السيد «معكرون» فقلت له لم أره ولم أعرف عنه شيئًا.
انتهى الاستجواب وجلست أنتظر حتى حلت صلاة العصر، وقلت له لا بد أن أذهب لأتوضأ لأصلي العصر، فاستدعى أحد الضباط ويظهر أنه كان من ضباط الشرطة العاديين ولا يعرف شيئًا عن موضوعي، وطلب منه أن يذهب معي إلى دورة المياه، وخرجت معه إلى دورة المياه، وفي الممر الذي كنا نسير فيه وجدت تليفونًا، فتوجهت إليه وطلبت مكالمة تليفونية لأول صديق تذكرت رقمه، وهو سفير الأردن في بيروت الذي أعرفه جيدًا، وهو الأستاذ «مدحت جمعة»، فقالت لي زوجته بأنه ليس في المنزل، فقلت لها أخبريه بكذا وكذا، وحملتها رسالة له، ولما سمع الضابط وكان خالي الذهن عن الموضوع تنبه ومنعني من إعادة التكلم في التليفون مع أشخاص آخرين، وقادني في الطريق لدورة المياه لأتمم وضوئي.
الشاعر الذي أنقذني
ما كنت أسير معه خطوتين حتى وجدت أمامي مباشرة الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري وهو يسير وحده ويضع يده في جيب البنطلون ويمشي في الدور العلوي كأنه يتأمل أو يفكر أو يصنع شعرًا، فناديته، ولما رآني قال ماذا جاء بك إلى هنا مع أنهم قالوا لي إنك سافرت؟ فقلت له إنهم كذبوا عليك، فقال: إذًا سوف أتصرف. فذهبت إلى دورة المياه وتوضأت وعدت إلى المكتب الذي كنت فيه وصليت.
علمت فيما بعد من الأستاذ عمر الأميري أنه بعد أن دخلت الترانزيت وتأخرت عن العودة لأخذ الحقيبة، كان أول ما فعله أن تخلص منها بأن أرسلها مع صديقه إلى مكان أمين لأنه أحس أن في الأمر شيئًا، ولكنه نفذ ما طلبته منه ألا يغادر المطار حتى يراني وأعود إليه، وقال لي فيما بعد إنه سأل عني في الشرطة، وأكدوا له أنني سافرت فعلًا، ولكن لما تذكر أنني قلت له لا تغادر المطار حتى أعود إليك، ذهب هو بنفسه إلى مكتب الخطوط السعودية وقابل مدير المكتب وقال له إنه يريد أن يراني، لأن لي حقيبة أوراق عنده يريد أن يسلمها لي بنفسه، فقال له مدير المكتب إنني سأذهب بنفسي إلى الطائرة لأحضره إليك، ولما صعد إلى الطائرة ومعه المنافيستو الذي به اسمي، ونادى فلم يجدني وتأكد من أنني لست في الطائرة رغم أن اسمي في المنافيستو، قرر منع الطائرة من السفر، لأنه لا يجوز قانونًا أن يكون شخص اسمه في المنافيستو ومع ذلك لا يوجد في الطائرة، وهذه مسؤولية كبيرة على شركة الطيران، لأن عليهم أن يتأكدوا أن الركاب المذكورة أسماؤهم في المنافيستو موجودون في الطائرة، فعاد إلى مكتبه وأخبر الأستاذ عمر بأنه لم يجدني في الطائرة، وأنه سيتصل بشرطة المطار ليسألهم في الموضوع، وفعلًا اتصل بحضور الأستاذ عمر وقيل له لا نعلم شيئًا عن هذا الشخص أو هذا الموضوع، فقال لا بد أن تعطوني جوابًا، لأن هذا الشخص اسمه في المنافيستو، ومعنى ذلك أنني تسلمته، فإذا لم تسلموني إياه فلا بد أن أعيد له تذكرة السفر وأشطب اسمه من المنافيستو، وأن الواجب إذا کنتم تريدون تأخير سفر شخص أن تمنعوه من دخول صالة السفر وألا تختموا جوازه، وسألهم إن كان سبب المنع قد حدث بعد دخولي صالة السفر أم قبل، المهم أنه أحرجهم فتداولوا مدة طويلة، ثم ردوا عليه تليفونيًّا بأنه لا مانع لأن يحضر لمقابلتي وإعادة تذكرتي لي، لأنني محجوز لفترة مؤقتة، وأعتقد أن تدخله هو الذي أنقذ حياتي، وجعلهم يغيرون خطتهم من الاختطاف أو النقل إلى مصر حيث السجن والتحقيق، وما يتبعه من تعذيب واغتيال، ورأوا أن يكتفوا باعتقالي في بيروت، وعلى هذا الأساس جاء وسلمني التذكرة ثم أحضر لي «الشنطة»، ووعدني ببحث الموضوع، والظاهر أنه اتصل بالسفير السعودي وأبلغه، وربما اتصل السفير السعودي بأحد كبار المسؤولين في لبنان أو في غير لبنان، في المملكة العربية السعودية مثلًا.
وكان الأستاذ عمر الأميري قد أخبرني بعد ذلك أنه عندما التقى بمدير مكتب الخطوطالسعودية وتأكد له أنهم كذبوا عليه وأنني لم أسافر، وأنني مقبوض علي تأكد له أنهم أخفوا ذلك لغرض مشبوه، ولقد تأكد من كذبهم مرة ثانية عندما رآني بعد ذلك بمدة طويلة، ذلك أنه كان يتمشى لعله يعرف المكان الذي أوجد فيه، وفعلًا تصادف أن رآني عند خروجي للوضوء، فعاد وأمسك بالتليفون وصار يكلم جميع من يعرف في بيروت من السفراء والوزراء ليبلغهم بالحادث، ويستنفرهم للتدخل لدى السلطات اللبنانية المختصة التي ظهر له أنها لم تكن تعلم بهذا الموضوع، وأعتقد أنه رُتب بواسطة مجموعة من بعض عملاء المكتب الثاني أو عناصره التي تعمل لحساب جهات أخرى، رأى أنها كانت تعمل لحسابها الخاص أو لحساب جهة أجنبية، هي الاستخبارات الناصرية فيما أعتقد.
كان صديقي الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري يقيم في بيروت منذ الانقلاب البعثي، وكان يؤيد الحركات المعارضة للبعث، وكان يتمتع بامتيازات كثيرة في لبنان نظرًا لمركزه كأديب وشاعر وسفير سابق، ولأن بيروت في ذلك الوقت كان مقرًّا ومأوى لعدد كبير من أصدقائه ومن يقدرونه من السياسيين والأدباء والمفكرين الذين جعلوها ملجأ ومأوى لهم حتى ولو كانوا يقيمون في بلاد أخرى، وكان منزله في بيروت «صالونًا» يلتقي فيه كثير من الشخصيات، ومن المفكرين والأساتذة والسياسيين المقيمين في بيروت أو الذين يمرون بها، وكانت زيارته والحديث معه ومع أصدقائه من أول أهداف زياراتي لبيروت أو مروري بها مهما تكن الوجهة التي أذهب إليها بعد ذلك، وقد شاء الله أن يجعل الأستاذ «عمر بهاء الدين الأميري» السبب الأول لإنقاذي من هذه المكيدة التي دبرتها بعض العناصر التي تعمل لحساب المخابرات الناصرية، وكان المعروف في ذلك الوقت أنها كانت تغدق على كثير من الشخصيات في لبنان، الذين يتلقون منها الأموال بلا حساب، حتى أصبح لها عدد كبير من الأعوان والأنصار هناك.
«المهدي بن بركة» أول ضحايا التضامن المخابراتي
كلما تذكرت شريط هذه الحادثة وتتبعت مراحلها، تذكرت وآمنت بأن القدر هو الذي يصرف الأمور في النهاية مهما فعل الناس ومهما خططوا، فالخطة الوحيدة التي تُنفَّذ في النهاية هي الخطة الإلهية وليس غيرها، ولا يغتر أحد بقوته ولا بنجاحه ولا بذكائه ولا باحتياطاته فيظن أن ذلك هو الذي يُنجي، والحق أنه إذا نجا إنسان من كمين فإن الذي ينجيه أمر واحد هو قدر الله تعالى وإرادته، وإذا أصابه ضرر أو حاق به خطر فلا يظن أن ذلك يرجع إلى مقدرة خصومه أو انتصارهم عليه بل هو قضاء الله تعالى، وأستشهد في ذلك بما حدث لصديقي الأستاذ مهدي بن بركة، فلقد عرفته أثناء إقامتي في فرنسا للدراسة، ثم التقيت به في المغرب عند وصولي عام ١٩٦٠م، وكان ذلك بعد استقالة حكومة جماعته، وبعد وصولي بأشهر معدودة غادر المغرب ولم يعد إليها، لأنه شعر بأنه لن يسمح له بالبقاء، وقد أدى به تفكيره أن يستعين بنظام الحكم الناصري في ذلك الوقت وينحاز إليه، ولجأ إلى مصر وأقام هو وأسرته فيها مطمئنًّا .
ولم أره بعد ذلك إلا مرة واحدة، وكان ذلك في جنيف قبل حادث اختفائه وقتله بأيام معدودة، كنت خارجًا من مطار جنيف فوجدته أمام الباب فعانقته، وقلت له هل أنت مسافر؟ فقال إنما أن مودع وأريد أن أراك، فقلت له مرحبًا إذًا نلتقي، واتفقنا على المكان والساعة في الصباح في الفندق الذي أقيم فيه، وشربنا قهوة الصباح معًا.. نعم لا أنسى هذا اللقاء الأخير مع «المهدي بن بركة».
التعاون المخابراتي بين بعض الأنظمة و«نقابة المظلومين»
كان ذلك بعد انتهاء مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الدار البيضاء، والذي أصدر ما سموه ميثاق «التضامن العربي» الذي كنت أتتبعه وسمعت أخباره، وفهمت أنه ميثاق للتعاون بين بعض الأنظمة العربية ضد المعارضين لهذه الحكومات على اختلاف بلادهم وظروفهم، وبمقتضاه تعهدت كل حكومة توقع عليه أن تساعدالحكومات الأخرى الموقعة معها في القضاء علىمعارضيها ويتبادلون المعلومات عنهم، ويعملونللحد من نشاطهم، بل وتسليمهم إذا اقتضى الأمر، وكل ذلك على أساس التبادل والمعاملة بالمثل.
كان هذا هدفًا مرحليًّا من أهداف نظام الحكم الناصري ليستفيد منه فترة قصيرة تكفي في نظره لإبادة ما بقي من الإخوان المسلمين في خارج مصر، وبعد ذلك فليكن ما يكون، إنما هي أسابيع في نظرهم أو شهور قليلة وبعد ذلك يذهب هذا الميثاق إلى الهواء كما ذهبت مواثيق أخرى قبل ذلك.
قلت للمهدي بن بركة: هل قرأت هذا الميثاق؟ قال: نعم، قلت: ألا ترى أن هذا الميثاق معناه أن بعض الحكومات أنشؤوا لهم نقابة يتعاونون في إطارها ضد جميع المعارضين؟ ففكر مليًّا ثم قال: ربما يكون هذا صحيحًا، قلت: إذًا يا عزيزي إذا كان الظالمون قد أنشؤوا لهم نقابة يتعاونون في إطارها، أفليس من حق المظلومين أن يكون لهم نقابة يتعاونون أو على الأقل ينسقون في إطارها؟ قال: عندك حق، وأنا أفكر في هذا، وأفكر فيه كثيرًا، ولكن أرجو أن تعطيني فرصةشهر أو شهرين.
قلت له: لقد سمعت أنكم تجرون مفاوضات مع حكومة المغرب، وسمعت أنك ستعود إلى المغرب، وأن حزبك سيدخل الحكومة، قال: نعم.. هنا اتصالات جدية عن طريق بعض الوسطاء، قلت: هل أنت واثق من حسن النية؟ قال: أمابالنسبة للملك الحسن فأنا واثق لأنني أراه في هذه المرة جادًّا كل الجد، ومن رأيي أن نعطيه هذه الفرصة ولا نتسرع في رفضها، وأن نستفيد من وجود التضامن العربي، قلت له: هل تعرف آخرين غير جادين؟ قال: نعم، قلت له: إنني أعلم يقينًا أنك لن تستطيع أن تدخل المغرب ما دام «أوفقير» في موقعه، ففكر قليلًا، ثم قال: سنرى ما سيحدث، إنني لست حريصًا على العودة للمغرب، لأنني الآن مسافر إلى «فرنسا» ومنها إلى «كوبا» لإنشاء «نقابة المظلومين» التي تتحدث عنها، وهي تضم الحركات «التقدمية» التي ستُدعى لحضور مؤتمر القارات الثلاث لشعوب العالم الثالث أو الشعوب المضطهدة المظلومة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، قلت له: أعتقد أنه لن يكون لنا مكان في هذا المؤتمر، لأنكم تعتبرون التقدميين هم اليساريون والاشتراكيون الموالون للشيوعية، ولسنا منهم، وإذا كان الأمر كذلك وستذهب إلى كوبا فلا بد أن تحسب حساب الأمريكان والمخابرات الأمريكية التي تعرف قوتها. فتنهد ثم قال: أنت على حق، والآن أودعك.. وودعني وانصرف، ولم يتم شهر حتى اختفى المهدي بن بركة، وكان اختفاؤه درسًا لكل من يغتر بنفسه أو بذكائه وحساباته التي يظن ألا دخل فيها للأقدار الإلهية.
لقد كان المهدي بن بركة مشهورًا بذكائه المفرط وحذره الشديد، وكان يحيط نفسه بجميع الاحتياطات، إنه كان يحب المرور بباريس وكان له فيها أصدقاء كثيرون من الاشتراكيين واليساريين، بل كانت له صداقة ومعرفة شخصية مع رئيس الجمهورية الفرنسية إذ ذاك الجنرال ديجول الذي كان يحبه ويعتز بصداقته، وكانت جميع أجهزة الأمن في فرنسا ترعاه بأمر من رئيس الجمهورية ديجول، وكانت مسخَّرة لحمايته وحراسته أثناء إقامته في فرنسا وفي باريس بالذات، ولذلك كان يسير هناك وهو يشعر كأنه في بيته آمنًا مطمئنًّا، وكانت النتيجة أن حارسًا واحدًا من المكلفين بحراسته هو الذي سلمه لأعدائه واختفى في ساعات ولم يعثر على أثره إلى اليوم، إن اطمئنانه إلى حراسة أصدقائه الفرنسيين هي التي سهلت اصطياده واغتياله دون أن يُعرف له أثر.
لقد استشاط «ديجول» غضبًا عندما علم أن بعض رجال الاستخبارات الفرنسية شاركوا في تسليم بن بركة إلى أوفقير ورجاله ليقتلوه، واتهم الجنرال أوفقير بتدبير المؤامرة وقدمه للمحاكمة، وأعلن غضبه على الملك الحسن لأنه رفض تسليم أوفقير للمحاكمة في فرنسا، كما غضب على المخابرات الفرنسية لمشاركة بعض أعوانها في المؤامرة.
نعم.. لقد اغتيل صديقي «بن بركة» واختفى أثره، وعلمت بذلك وفكرت فيه عندما سمعت قضيته، خصوصًا عندما علمت من بعض أصدقاء «بن بركة» وزملائه بأن شكوكًا دلت على أن عناصر من المخابرات المصرية كانت متواطئة مع عناصر في المخابرات المغربية، وأنه كانت هناك اتصالات سابقة بين عناصر من الجهتين من أجل ترتيب الطريقة التي يتم بها اعتقال «بن بركة» بواسطة عملاء فرنسيين، لكي يتم ذلك خارج مصر وخارج المغرب.
إن بعض أصدقاء «بن بركة» قالوا إنهم يشكون في أن وفدًا من الاستخبارات المغربية قد أقام في مصر مدة قبل خروجه منها للمرة الأخيرة، ورتبوا هذه العملية، وصرح لي بعضهم أنها لم تتم بدون علم بعض رجال المخابرات الناصرية، وكل ذلك لا يعلم به الناس، وربما لا يذكره التاريخ، وقال لي أحدهم إنهم لم يحاولوا أن يتكلموا في هذا الأمر لأن أسرة «بن بركة» كانت ما زالت تعيش في مصر في كنف الحكومة المصرية، ولا يريدون أن يكلفوها عبء التشرد مرة أخرى.
لقد تأثرت كثيرًا بحادث بن بركة، لأنني فهمت أن كل هذا تم تنفيذًا لما يسمونه ميثاق التضامن العربي، وهو في نظرهم تضامن بعض الحكومات ضد الشعوب وضد المعارضين، وشعرت بأنه إذا كان هذا القول صحيحًا فإن الصفقة لا بد أن يكون لها مقابل، وما دام «أوفقير» قد أخذ نصيبه في الصفقة بتمكينه من القبض على المهدي بن بركة، فلا بد أن عملاء عبد الناصر في مصر سوف يطالبون بنصيبهم، ولذلك قررت الخروج من المغرب، وإن كنت أعلم أن قدر الله تعالى موجود في كل مكان وأن رحمة الله تعالى تكفي مهما يكن حجم الأخطار، ولذلك سلمت أمري إلى الله تعالى.
وكنت بطبعي أكثر الناس إهمالًا لدرجة أنني مررت على مطار بيروت وغيره من المطارات عشرات المرات قبل ذلك وبعده، ولم يحدث في يوم من الأيام أن ودعني أحد أو استقبلني أحد، أو توفر لي حراسة من أية جهة من الجهات، بل كنت أذهب وحيدًا وآخذ «تاكسي» وأذهب إلى أحد الفنادق، ثم أغادره في «تاكسي» إلى أية جهة وحدي، ولم يحدث خلاف ذلك إلا مرة واحدة في بيروت بمحض الصدفة، وهي المرة التي أراد الله تعالى أن يصحبني فيها الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري وابنه وصديقه، لأن إرادة الله تعالى شاءت أن تفشل هذه المؤامرة وهذا يقيني .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل