العنوان مذكرات مناحم بيجن -فلسفة القوة أو جذور الصهيونية «5 من 6»
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 10-فبراير-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1738
نشر في الصفحة 42
السبت 10-فبراير-2007
كانت لديه قدرة كبيرة على التضليل والخداع جعلته يلتمس وجها إنسانيًا لأعماله وأعمال عصاباته الوحشية
صنع بيجن بأسلوبه الملتوي من عصابات اليهود شعبًا مضطهدًا معتدى عليه واستخدم مصطلح «أرض إسرائيل» أو «بلدنا»، متجاهلا أصحاب الأرض الحقيقيين
بالغ في وصف عبقرية اليهود في الخداع والتمويه وقدرتهم على الأسر والسرقة.. وسوغ السطو على مخازن الأسلحة البريطانية بأن العدالة تتطلب قسمة أفضل
وفقًا لمنهج الانتقام، فقد نفذ بيجن ومن معه «الأرجون» مبدأ المعاملة بالمثل مع البريطانيين ويخصص لذلك صفحات طوالًا، ليتحدث عن جلد البريطانيين والإعلان عن شنقهم، كما فعلوا باليهود وهو حين يحكي عن مسوغات هذه المعاملة، يقدم تحليلات فلسفية وخلقية مسهبة، يشير فيها إلى طبيعة الطرف الآخر، والفروق التي تميز اليهود عنه، إذ يسبغ عليهم في كل الأحوال معالم أو خصائص السلوك الإنساني، أما الآخر فهو المعتدي الذي لا خلاق له أو لا يعرف التحضر.
فهو يرى مثلًا أن بعض عناصر معينة في الجهاز الحكومي البريطاني يميل إلى استعمال السوط، وفي تطوير بعض المستعمرات البريطانية كان السوط وسيلة لخدمة الأغراض التعليمية. وهو لا يستخدم مع الأولاد المعارضين وحسب. ولكنه يستخدم أيضًا للمراهقين الذين يعاملون معاملة الأطفال المتمردين المخلين بالنظام، ويرى أن ذلك كان عنوان الحكم البريطاني عندما كان مسافرًا هاربًا عبر إيران في طريقه من روسيا إلى فلسطين «يسميها أرض إسرائيل». ومع أن إيران لم تكن مستعمرة بريطانية بصفة رسمية فقد كان كل ضابط بريطاني يحمل عصًا أو سوطًا صغيرًا، وكان يؤكد أوامره الأبناء البلد بصفة دائمة عن طريق لمسة تربوية خفيفة من واحد من هذه الصولجانات؛ صولجانات السلام الرقيق.
إذا كانت أرض إسرائيل. كما يسميها. تحكم بوصفها مستعمرة بريطانية، فلم يكن منطقيًّا أن تحرم من ميزة السوط التعليمي.
وكان من سوء الطالع الباكر. يحكي بيجن. لجنديين شابين من أرجون زفاي ليومي أن يكونا ضحية فلسفة السوط فقد حكمت محكمة عسكرية على «كاتس» و«كيمشي» وهما فتيان في السابعة عشرة من العمر بالسجن خمسة عشر عامًا لانتهاكهما تعليمات الطوارئ، فيما يتعلق بحمل السلاح، إلا أن الحكم لم يخفف بل أضيفت إليه. يسخر بيجن. «تعليمية» مقدارها ثماني عشرة جلدة لكل واحد منهما.
ويفلسف المسألة بأن الحكم الصارم بالغ الخطر، لأنه ينطوي على تضمينات سياسية وأخلاقية بعيدة الأثر، ويقول: إن هذه الجلدات خليقة بأن تؤذي جوهر أرض إسرائيل. فعلى امتداد سبعين جيلًا، وعلى سبعين أرضًا، عانينا من جلد الطغاة. كان البارونات البولنديون يجلدون اليهود تحت حمايتهم. وكان البارونات الألمان يجلدون اليهود تحت حمايتهم، كذلك هل كان للباغي أن يجلدنا الآن في بلدنا؟ وهل يرضى متمردو جيلنا الذين أبدوا الاستعداد والرغبة لكي يضحوا بأرواحهم في سبيل تحرير شعبهم بهذه الإهانة الجديدة؟
إن بيجن يستخدم بلاغته التعبيرية ليصنع من نفسه ومن عصابات اليهود شعبًا مضطهدًا معتدى عليه، ويستخدم مصطلح أرض إسرائيل أو بلدنا، متجاهلًا أصحاب الأرض الحقيقيين، ويشير إلى الأجيال السبعين والأراضي السبعين والجلد الذي تعرض له اليهود، ويقلب المسألة إلى تحرير شعب اليهود، وليس طرد الشعب الفلسطيني ... أي قدرة على التضليل والخداع جعلته يلتمس لأعماله وأعمال عصاباته الوحشية وجهًا إنسانيًّا. حين يصف الجلدات التي حكم بها على الإرهابيين اليهوديين بأنها ستشعر بها كل الشعوب المضطهدة تحت الحكم الأجنبي ويرتب على ذلك ضرورة أن يواجه قانون السوط تحديه النهائي.
لا يكتفي بيجن بهذه المسوغات التي تسوغ له الإرهاب ولكنه يشير إلى جلد اليهود في بولندا عام ١٩٢٠م بسبب تعاطفهم مع البلاشفة الروس، كما يشير إلى أن منظر الجلد المشين لم ينقشع من مخيلته أبدًا وكان آنئذ في السابعة من عمره. من ثم كان قراره وقرار من معه بالانتقام فقد كنا جميعًا مستمسكين بصورة غريزية، بفكرة واحدة الجيش البريطاني يجلد فتياننا، فإنه ينبغي أن نقابل ذلك بجلد الضباط البريطانيين. تناقشنا إذا كان هناك ضرورة لتقديم إنذار، رأى البعض أن نقوم بالجلد أولًا، ثم تقدم تفسيرًا فيما بعد، لا أنهم اقتنعوا أخيرًا بضرورة تقديم إنذار في بادئ الأمر .....
قبض أفراد عصابة الأرجون على ضباط إنجليز في ناتانيا وتل أبيب وريشيون ليزيون، ونال كل واحد منهم ثماني عشرة جلدة، وفقًا لقانون القصاص العادل كما يسميه بيجن، مثل التي نالها كيمش تمامًا، وبعد ذلك تم توجيه إنذار إلى القيادة البريطانية بأنها إذا جلدت الفتى كاتس أو الشباب اليهودي، فإنها. أي الأرجون -لن تجيب بالسوط، ولكنها ستجيب بإطلاق النار ...
وإذ تجلد السلطات «كاتس»، وهكذا. كما يقول بيجن -فإن السلطات كانت تظن أن السوط سوف يعطينًا درسًا، تعلمت هي درسًا مفيدًا. ووفقًا لعادته في التفاخر بالإنسانية والتباهي بالتحضر يتحدث عن شجاعة كاتس، وتحديه للإرادة البريطانية، وعدم استجابته لرغبتها في الإعلان عن عدم تحمله للجلد كي تعفو عنه مما اضطرها إلى إلغاء حكم الجلد المحكوم به على «كاتس»، وقد شمل هذا العفو فتى عربيًا صغيرًا في السادسة عشرة من عمره كان قد حكم عليه هو الآخر بالجلد، ولما كنا. يزعم بيجن. نحترم شرف الآخرين كما نحترم شرفنا فقد ابتهجنا لهذا الفتى العربي أيضًا.
ويفاخر بيجن بأثر هذه العملية. الجلد -في اضطرار الإنجليز للانسحاب من المدن والتجمع في المعسكرات، ثم تلقي اليهود للتهاني من إيرلنديين وأمريكيين وكنديين وفرنسيين، ورفعوا رؤوسهم في جميع أنحاء العالم، فقد استعادوا بعد أجيال من الإذلال والجلد كرامتهم واحترامهم الذاتي.
وليبرئ نفسه من الجريمة وإظهار الوجه الإنساني المتحضر، يقول بيجن كانت فكرة الجلد فكرة بريطانية ولم تكن فكرتنا، ويشير إلى أنه لم تكن لديهم رغبة في إهانة الضباط البريطانيين أو جلدهم أو محاربتهم إطلاقًا! وأن ما «فعلناه» قد فرض علينا فرضًا.
وتطبيقًا لفكرة الانتقام، فإن «الأرجون» بقيادة «بيجن» أعلنت عن شنق ضباط بريطانيين مقابل حكم بشنق اثنين من مقاتليها، ونتيجة لهذا الإعلان، فقد تراجعت الحكومة البريطانية عن إعدامها نظير الإفراج عن الضباط الإنجليز.
ويستثمر بيجن هذه العملية الصغيرة. كما يسميها. في الفخر بقواته أو عصابته. في مجال التخطيط والتنفيذ، فضلًا عما يسميه الإخلاص والوفاء، أضف إلى ذلك عادته في فلسفة الأحداث بما يبيض الوجه الإرهابي الكثيب لليهود. ويمنحهم طابعًا إنسانيًا، وإن كان كلامه في حقيقة الأمر يفيض عنصرية ورغبة دموية في القتل والتدمير.
لقد قام رجل الأرجون في ربيع ١٩٤٦ م بمهاجمة المعسكر المركزي للجيش البريطاني في صرفند للسطو على مخزن السلاح، وكان هذا المركز مقر القيادة العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط. لا في أرض إسرائيل. حسب تعبير بيجن. الذي يبالغ في وصف المعسكر وضخامته وتحصيناته وآلاف الجنود الذين يوجدون فيه أو يترددون عليه، كما يبالغ في عبقرية اليهود في الخداع والتمويه، وقدرتهم على الأسر والسرقة، ويسوغ السطو على مخازن الأسلحة البريطانية بأن العدالة تتطلب قسمة أفضل. فمن غير الملائم أن يكون لدى القوات البريطانية مثل هذه الأسلحة الكثيرة بينما يفتقد «جيشنا الصغير»، جيش التمرد إلى القليل من قطع الرصاص.
بعد الإغارة على المخازن والخروج من المعسكر جرت اشتباكات جرح على أثرها اثنان من الأرجون قبض عليهما بعد نجاحهما مع زملائهم في القرار بالسلاح وإخفائه حتى سطت عليه «الهاجاناه» فيما بعد، وقد نالت الجزاء الأوفى من وجهة النظر السياسية والسيكولوجية والمعنوية مع أنها من وجهة نظر بيجن لم تتبوأ مكانة السلطات التي تتطلع إليها.