العنوان مرحلة «ما بعد الاستقلال».. الطريق والهدف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1976
مشاهدات 49
نشر في العدد 288
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-فبراير-1976
بجهود مشتركة - ساهم فيها كل أبنائه - شيد الكويت وتماسكت لبناته واتصلت مسيرته، بجهود الغواص والقاضي والمعلم والتاجر والجد والابن والحفيد والأمهات اللاتي عكفن على تربية الأولاد، وصرفن جهودهن إلى هذه المهمة الجليلة في ظروف نسجت من الصبر والدأب والكفاح.
وبقيم التواصي بالحق، وحسن الجوار، والتعارف والإخاء، وصحبة المسجد والعمل والطريق والحي.
بهذه الجهود المشتركة والالتزام التلقائي بالقيم الجامعة بُني كويت اليوم، الذي نتنفس هواءه ونشرب ماءه ونأكل خيراته ونمشي فوق أرضه.
ولئن اقتضت دواعي الوفاء.. الاعتبار بهذه المعاني فإن أول معنى أحق بالوفاء هو: مواصلة المسيرة الراهنة والقادمة بنفس الجهود المشتركة.
في مناسبة الاستقلال التي تكتنف أيامنا هذه ينبغي لأبناء هذا الجيل أن يتذكروا الحقب الخوالي وأن يعيشوها كأنهم يرونها رأي العين، ففى لحظات تاريخية ذات طابع خاص يتعين على جيل ما أن ينتقل بروحه ووعيه وبصيرته إلى جو تاريخي عاشه الآباء والأجداد ثم يعود من هذه الرحلة بحصيلة موفورة من الدروس والذكريات، تنفعه في حاضره ومستقبله.
ولا يكفي الانتفاع الذاتي في هذا المجال، حيث إن مسئولية هذا الجيل هي: أن يكون موصلاً جيداً يربط الأجيال التالية بتاريخها، ويعرفها: كيف تبنى الأمم بروح الفريق الواحد؟
إن الوفاء من أعظم الأخلاق، والأمم- كالأفراد- مطالبة بهذا الوفاء.
على أن الوفاء الأعظم ينبغي أن يكون لله- سبحانه- ففي هذا اليوم بالذات ينبغي أن تتوجه الأمة بالشكر المفرد لله تعالى.
الشكر على نعمة الاستقلال.
والشكر على نعمة الرخاء والرغد.
والشكر على نعمة الحرية.
فالاستقلال نعمة؛ لأن شخصية الأمة لا تكتمل وسيادتها لا تتم إلا به، وما لا تتم النعمة إلا به فهو نعمة.
قبل خمسة عشر عامًا ظفرت الكويت باستقلالها، وتمكنت من ممارسة سيادتها.
والشكر على هذا اليوم يتجلى في دعم الاستقلال السياسي والإداري. باستقلالات أخرى هي:
1- الاستقلال التشريعي: فنحن أمة غنية بشريعتها الإسلامية وقرآنها الكريم الذي لا تبلى جدته ولا تنقضي عجائبه، والأمة الغنية شأنها أن تعطى ولا تأخذ.
ورد أمورنا إلى الله ورسوله استقلال تشريعي يدعم استقلالنا السياسي من جانب، ويمكن الأمة من شكر الله على نعمة الاستقلال من جانب آخر.
إن مصانع العالم وسياراته ومدافئه تحتاج إلى رصيدنا النفطي.. كذلك فإن قلوب هذا العالم وأرواحه وقوانينه تحتاج إلى رصيدنا العقائدي والروحي والتشريعي.
واستقلالنا التشريعي أول خطوة في إمكانية انتفاع العالم بهذا التشريع الإسلامي العظيم.
٢- الاستقلال الاجتماعي: ومن دعائم استقلالنا السياسي أن نحقق استقلالاً اجتماعياً في القيم والسلوك والعادات والأذواق، ونمط الحياة الاجتماعي بشكل عام.
وبهذا يكتمل الاستقلال، وتتمكن الأمة من شكر الله على هذه النعمة.
وفي هذه الأيام ينبغي أن نتذكر أياماً مضت فنشكر الله على نعمة التكاثر والرخاء والرغد.
فقد بلغ عدد سكان الكويت- وفق آخر إحصاء- مليون نسمة «ناقص ٩ آلاف نسمة».
وتمتع الناس بالرخاء والرغد.
وهذه نعم من الوفاء أن نشكر الله عليها.
• ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾
•﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾
•﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
•﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
فبالشكر تدوم النعم. وبالشكر تزداد ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
وفي ذكرى الاستقلال نتذكر نعمة الحرية، فإذا كانت شخصية الأمة لا تكتمل ولا تكون لها سيادة بين الأمم إلا بالاستقلال، فإن المواطن لا تكتمل شخصيته ولا يكون سيدًا في وطنه إلا بالحرية.
إن المواطن الحر في الوطن الحر نعمة كبرى، خاصة في عالم يخضع في معظمه للكبت والقهر والإذلال.
في عالمنا المقهور هذا دول ضخمة لم تستطع أكتافها تحمل تبعات الحرية، ولا مسئولية ممارستها.. فألغتها، وإلغاء الحرية موقف سهل من حيث الإجراءات لكن عواقبه قاتلة؛ لأنه يدفن شعوبًا بكاملها وهي حية تسعى.
الكويت بحجمه المتواضع استطاع أن يتحمل تبعات الحرية ومسئولية ممارستها وهي مسئولية ليست سهلة بيد أن ثمراتها وفيرة طيبة.
مواطنون أحرار.. في وطن حر..
أليست هذه نعمة.. أليست مفخرة في نفس الوقت؟
بلى.. إنها لكذلك.
نعمة تقتضي شكر الله تعالى، ومفخرة تزود المواطنين بثقة لا حدود لها في معاني الحرية وقيمها ومنافعها وضرورة اطرادها في حياة المجتمع الكويتي، ومن مظاهر تقدير نعمة الحرية:
•تعميق معانيها وقيمها في حياتنا كلها، فهي ليست نظامًا سياسيًا فقط، وإنما هي أيضًا طريقة حياة وسلوك وخلق، تعميقها في حياة الفرد وحـياة الأسرة ومناهج التربية وكافة المؤسسات في البلد.
•ممارسة الحرية بمسئولية كاملة، فالحرية حق وكل حق يقابله واجب وفي لحظة ولادة الحرية تولد معها مسئولية ممارستها.
مسئولية التقويم الأمين.
مسئولية النقد الموضوعي.
مسئولية الإقرار بحق الآخرين في ممارسة الحرية.
•ربط الحرية بعقيدة التوحيد، تعليمًا وتربية وتوجيهًا، لكي تظفر الحرية من هذا الربط بنصيب موفور من عزة العقيدة ورسوخها ووقارها ودوامها، وحتى يصبح التفريط في الحرية قرين الخضوع لغير الله سبحانه.
لقد ربط القرآن الكريم الشورى، وهي التطبيق الحي للحرية، ربطها بالدين وجعلها «خلقًا» عامًا وصفات أساسية وشعائر واجبة التنفيذ في مجتمع المسلمين، كاجتناب كبائر الإثم والفواحش والاستجابة لأمر الله، وإقام الصلاة والإنفاق ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ*وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾
إن مرحلة الاستقلال زاخرة بالمسؤوليات والواجبات؛ لأن المحافظة على الاستقلال وحماية الاستقلال أصعب- استمرارًا- من الحصول عليه ابتداء.
الاستقلال نقطة زمنية يتحدد عندها الطريق، ويتحدد الهدف.
فما هو الطريق؟وما هو الهدف؟
أما الطريق، فإن ملامحه تتشكل من المقومات والخصائص التي ذكرت منذ لحظات وهي- في إجمال وتركيز-:
1- إحياء روح الجهود المشتركة التي بنت الكويت من قبل.. إحياؤها في صيغ تتناسب مع المرحلة الزمنية المعاصرة، فإن تعقد الحياة الحديثة يتطلب أشكالاً جديدة في التعاون والتنسيق.
2- دعم الاستقلال السياسي باستقلال تشريعي واجتماعي.
3- تعمیق مفهومات الحرية، وتأصيل قيمتها في حياة المجتمع وبنيان الأمة.
4- الاهتداء بهدى الله تعالى في هذا الطريق.. في التعاون على البناء والإعمار وفي الاستقلال الاجتماعي والتشريعي، وفي ممارسة الحريات، وفي الوفاء بحق الله تجاه نعمة الرخاء والرغد.
• ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
•﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
أما الهدف فهو: تكوين مجتمع فاضل قوي في عقيدته.. قوي في علمه وعقله، قوي في خلقه.. عالي الهمة.. عابد لله ناشر للحق والخير في الأرض.
هذا هو الهدف الجامع، الذي ينبغي أن ينعقد عليه إجماع الأمة، وتتحد إرادتها نحو الوصول إليه.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال تطابق الوسيلة والأسلوب، بل إن الوصول إلى ذلك الهدف يلزم الساعين إليه بتنويع أساليبهم ووسائلهم وبرامجهم.
وفي ذكرى الاستقلال ندعو إلى تجديد هذه المعاني في النفس والحس والنية والتفكير.