; مزايا قانون الشريعة «2» | مجلة المجتمع

العنوان مزايا قانون الشريعة «2»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد 492

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

تكلمنا في العدد السابق عن اثنتين من مزايا الشريعة وهما: الأولى الإلزام الناتج عن طواعية وإيمان وقناعة. والثانية أنه لا مجال للهوى بها. تنزيل من حكيم عليم فالنزاهة والعدالة والمساواة سمة هذه الشريعة العظيمة وفي هذا العدد نناقش باقي المزايا الأخرى.

ثالثًا: عدم التناقض:

فلا نجد في الشريعة الإسلامية تناقض الأحكام تبعًا لوجهات نظر متضاربة أو وقتية، ولا نجد ما أقره القانون المدني ينقضه القانون التجاري. ولا نجد النظرة المادية الاقتصادية مثلًا تطغى على حقوق العائلة أو كرامة المواطنين، وما إلى ذلك مما نجده شائعًا في القوانين الوضعية ولا سيما الاستبدادية منها، فباعتبار أن الشريعة الإسلامية إنما هي حكم الله تعالى فلذلك لا يمكن أن نجد فيها تناقضات لأن مصدرها واحد منزه عن الغرض- كما رأينا- وليس مصدرها متعددًا تابعًا للأهواء كما هو الأمر في القوانين الوضعية، وأي دارس للحقوق يجد كثيرًا من التناقضات بين القوانين المدنية والتجارية وغيرها، وإليك بعض الأمثلة:

1- نصت جميع قوانين الدول العربية على تحريم الربا ولكن بعضها لم يذكر الربا كجريمة مستقلة بل نص على جريمة الاعتياد على الربا، وجعل لها صورة واحدة هي استيفاء أكثر من الدين المستحق بدون حق، ولكن الرابين كانوا أشطر من القانون، فكلهم يستوفي أكثر مما يستحق ويدون الاتفاق على شكل مقبول قانونًا في مستندات معمول بها ويستوفي الربا سلفًا، ولا تطاله يد القانون، وكذلك ساهم القانون نفسه في ذلك فسمح للمصارف والأفراد بنسبة معينة من الربا وأسماها «فائدة قانونية».. 

2- نلاحظ في تشاريع الضرائب المعمول بها أن الدافع الحقيقي هو المستهلك أي أنه عندما تفرض الدولة ضريبة على بضاعة معينة يزيد التاجر من سعرها فيكون الدافع الحقيقي هو المشتري في النهاية المستهلك، ولا يخفى ما في ذلك من ظلم خاصة في المواد الضرورية والغذائية وهذا ما يسمى بـ «انعكاس الضريبة»، وأكثر الضرائب الحاضرة منعكسة، يقع عبؤها في النهاية على المستهلك، بينما «الزكاة» مثلًا- لا تنعكس، أي أن التاجر المسلم لا يرفع من سعر بضاعته بحجة أنه يدفع الزكاة، أي أن الزكاة لا تضاف إلى الأسعار، كما تضاف إليها الرسوم الجمركية مثلًا.

 3- نرى أكثر قوانين الدول الأوروبية وخاصة المتأثر منها بالمسيحية تنادي بحقوق المرأة وتتبجح بتحرير المرأة، ولكنها- كالقانون الفرنسي- تعتبر الزواج من عوارض الأهلية عند المرأة، وبذلك تصبح المرأة قاصرة عن التصرف في أموالها إلا بإذن الزوج ومعرفته، ولذلك نص القانون التجاري الفرنسي على أن على التاجر أن يسجل عقد زواجه في سجل التجارة، وإذا كان على شرف الإفلاس تضاف أموال زوجته إلى التفليسة لتقضى منها حقوق الدائنين. ولا يخفى ما في ذلك من التناقض وكبت حقوق المرأة وافتراض قصورها وإذابتها في كيان الزوج، لا سيما إذا عرفنا أنها تفقد اسم عائلتها ويصبح اسمها اسم زوجها وكذلك لا يجوز افتراقها عن زوجها ولا يجوز أن تتزوج من غيره بعد موته، وكذلك ينص القانون الفرنسي- وقد تأثرت به بعض القوانين العربية- على أن الرجل يستطيع المطالبة بالتفريق بينه وبين زوجته إذا أثبت زناها ولو خارج بيت الزوجية مرة واحدة، بينما لا تستطيع المرأة مثل هذه المطالبة إلا إذا أثبتت زنا الزوج في بيت الزوجية أكثر من مرة. 

4- نلاحظ كثيرًا من القوانين تحرم بعض الأعمال على الأفراد وتسمح بها لنفسها، فأكثر الدول العربية- كما رأينا- تحرم الربا، ولكنها تحكم به وتسمح به في تعاملها وتسميه «فائدة قانونية» وكذلك تحرم الزنا، وتسمح بعض الدول العربية بفتح محلات عمومية يمارس فيها البغاء بشكل مراقب، وتسمح باستثمار المواخير والملاهي والمراقص وكلها مقدمات للزنا وعوامل له، وكذلك تحرم القمار وتعتبره جريمة، ثم تسمح لنفسها ببناء الكازينوهات وإصدار اليانصيب وتجعل لها دعايات وميزانيات ضخمة، وكل ذلك أمثلة واضحة للتناقض.

وهناك أمثلة كثيرة لذلك يعرفها متتبعو الشؤون القانونية، ولكن الشريعة الإسلامية مبرأة من ذلك، ففروع القوانين فيها متكاملة منسجمة يؤيد بعضها بعضًا وتصدر عن مبادئ واحدة لا تناقض بينها، فليس في الإسلام يا نصيب خيري أو فائدة قانونية، أو نسبة مسموح بها من الشر في سبيل خير أكبر، ولذلك نجد المجتمع في ظل التطبيق الإسلامي ينعم بالرخاء والازدهار والأمن الحقيقي، ولا تنمو فيه العقد التي نجدها في المجتمعات الحديثة نتيجة تضخم ناحية على حساب أخرى، وعندما رأى عامل مصر على عهد عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه، تناقص وارداته نتيجة وضع الجزية عمن أسلم، كتب إلى الخليفة يشير عليه بإبقاء الجزية على من أسلم حفاظًا على هذا المورد- وهذا تفكير اقتصادي بحت، لكنه مخالف للشريعة- فكتب إليه الخليفة العادل يقول: «قبح الله رأيك، ضع الجزية عمن أسلم، إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا»..

رابعًا:- الشريعة لا تهمل الأخلاق ولا تتناقض معها: بينما نجد القوانين كلها لا تعنى بالأخلاق وتقيم فواصل بين التطبيق القانوني والأخلاق، فلا نجد قانونًا- مثلًا- يعاقب على الكذب أو الحسد ما لم يظهر في عمل مادي إجرامي، بينما تهتم الشريعة بالضمير والأخلاق الشخصية، وتجعل الإنسان رقيبًا على نفسه، فلا يمد يده إلى ما لا حق له فيه ولو أباحه له القانون، ومن هنا نجد في التطبيق الإسلامي، وظيفة المفتي ووظيفة القاضي ونجد الاعتبار الدياني والاعتبار القضائي، فإذا كان القاضي لا يحكم إلا وفق الأدلة الظاهرة فإن المفتي يحيلك إلى نفسك. وبذلك يجعل الدين الإسلامي لضمير الإنسان حضورًا دائمًا قويًا وهو ما يسمى بالتقوى والورع والمحاسبة، وهي أمور لا يعرفها القانون الوضعي، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فإن شاء فليأخذها وإن شاء فليدعها» أو كما قال- صلى الله عليه وسلم- وهكذا يضع الشارع- صلى عليه وسلم- الأسس الأخلاقية للقضاء والحكم، وأصول المحاسبة الذاتية..

وكذلك نرى كثيرًا من القوانين الوضعية تتوسل لغاياتها بكثير من الوسائل غير الأخلاقية ولا سيما في الحروب وفي أوقات الأزمات وفي النظم الاستبدادية وفي تثبيت دعائم الحكم وفي الانتخابات والتحقيق مع الخصوم وفي نواح كثيرة، معتبرة أن الغاية تبرر الوسيلة وأن الأخلاق أمور شخصية غير ملزمة ولا علاقة لها بالإدارة والتخطيط ولذلك تزداد مشاكل المجتمعات الحديثة، ونرى كثرة «الفضائح» والمؤامرات، بينما نجد الشريعة تحاسب الأفراد جميعًا سواء في مركز الحكم والوظيفة أو غيره على التمسك بالآداب الشرعية وتحرص على كرامة الإنسان، فلا إكراه في الدين وحرية العقيدة والرأي مصونة في حدود الحق. ولا تجوز مصادرة أملاك إنسان ولا تقييد حريته أو قتله دون سبب أو تحقيق عادل أو دون منحه حق الدفاع الشرعي كما نجد في كثير من البلدان التي ابتليت بالنظم المستبدة والتمييز العنصري.

خامسًا:- وكذلك نلاحظ في الشريعة الإسلامية أن أحكامها معتدلة سوية أي أنها بعيدة عن الإفراط والتفريط وهما بلية الفلسفات والنظم والقوانين على مدى التاريخ الإنساني وحتى يومنا الحاضر، ولا سيما في البلدان كثيرة الانقلابات والاضطرابات فتأتي الحكومة الجديدة أو الحزب الجديد أو «القائد الملهم» الجديد، فيبطل بجرة قلم كل ما كان قبله ويعتبر ما جاء به الصواب ومن لم يكن معه فهو عدوه ويجب أن يكتم صوته ورأيه بلا مناقشة، وهكذا يقع الناس بين الإفراط والتفريط. بينما ينص الدين الإسلامي على البراءة من الغلو والمبالغة والتشدد والتزمت، ويأمر بالتيسير والرفق ويبين حدود السلوك السوي وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (البقرة:143) ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (الإسراء:29)، وقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (الفرقان:67)، وقال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء:9)، أي أصح وأعدل.. ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»، ونرى هذا الاعتدال والرفق السوي في توجيه النبي- صلى الله عليه وسلم- للثلاثة الذين ألزموا أنفسهم بالصوم الدائم والصلاة طوال الليل وعدم الزواج، فقال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»..

سادسًا:- ومن المزايا الهامة للشريعة الإسلامية أنها تشريع مطلق دائم غير محدود النظرة ولا قاصر على أرض أو قوم أو غاية وقتية، وهذا ما يعطي الشريعة الإسلامية صفة الخلود والبقاء والصلاحية لكل زمان ومكان، وهذا ما تفتقده جميع التشريعات الوضعية، وبذلك تفقد الأصالة والبقاء والصلاحية لتكون رسالة أو إنسانية تنتظم أمور الناس جميعًا، والشريعة الإسلامية باعتبارها عامة غير مقيدة وللناس جميعًا وليست من وضع إنسان ذي نظر محدود واتجاه خاص، فإنها تحمل عوامل البقاء والديمومة. ولذلك كانت مبادئها ورسالتها دائمة خالدة، فقيم العدل والإحسان والمساواة والبر والخير والمعروف بتفصيلاتها وجزيئاتها التطبيقية، قيم خالدة لا يمكن أن يأتي وقت تصبح فيه غير لازمة، أو نجدها قد أصبحت غير مجدية وهكذا فالشريعة خالدة متجددة دائمة اللزوم لحل مشاكل الناس وقضاياهم، ولا سيما بما تحمل من عوامل بنائية في التطبيق كالاجتهاد والاستصلاح والقياس والاستحسان وما إلى ذلك. 

ولو أننا نظرنا في بعض القوانين والفلسفات الحاضرة نجد أنها وقتية تحمل عوامل فنائها بمرور الزمن، فالدول التي تتبنى الاشتراكية والوحدة هدفًا مثلًا- ماذا يبقى لها بعد تحقيقهما؟، قد تكون الوحدة ضرورة قومية في وقت ما، فإذا تحققت، فماذا يكون الهدف بعدها؟، لا شك أن مثل هذه النظم تفتقد «الغاية الحقيقية» من وجودها، ولذلك تقع أسيرة الشعارات والدعايات والمعسكرات الدولية وتخبط خبط عشواء دون «غاية» ثم قد تكون «الاشتراكية» ممكنة أو مناسبة لزمن معين أو قوم معينين وتحت ظروف معينة، ولكنها لا تصلح بالتأكيد لكافة البشر في كل الأوقات. ومثل ذلك قل في باقي الدعايات والشعارات والقوانين التابعة لها؛ فكلها وقتية محدودة بأطر الزمان والمكان والأشخاص، بينما نجد الشريعة الإسلامية تثبت أنها صالحة لكل البشر ولجميع الأزمنة والأمكنة بما تحمل من عوامل البقاء والحياة والشمول..

هذه بعض مزايا الشريعة الإسلامية وهي كافية لتبين مدى الحاجة للشريعة أولًا وقبل كل شيء.. والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1012

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لست أدري؟! صبيان الحــمراء

نشر في العدد 71

129

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 71)