العنوان مسؤولية القلم
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 19-مايو-1998
إن استقراء متأنيًا أو سريعًا لما تكتبه الأقلام ولما يقال ويذاع ويبث ليجعل الإنسان في حيرة من أمره متسائلًا. أين نحن وماذا حل بنا وأي دواه هي التي داهمتنا وتداهمنا؟ وما هذا الذي أفقد كثيرًا من أصواتنا نبراتها، وشلت حروفها، وشوهت كلماتها، وجعلت الكثير منها خوارًا ونهيقًا وعواء وفحيحًا وقلت الأصوات التي سلمت فحافظت على عافيتها وتمكنت، بعناء شديد، من بعض أدواتها للتعبير الإنساني السوي فبدت في عالم الضجيجوالبكاء والتهريج نشازًا وغرابة.
بالأمس القريب كانت الأقلام قليلة، وأعداد المطابع والمنتديات هزيلة ضعيفة، والألقاب الجامعية ضئيلة، ومع ذلك فقد شاهد قرننا الماضي عمالقة الشعر والنثر والفكر والقيادة والتغيير والإصلاح، ولم يبق فينا من ذلك الرعيل سوى بقية لا تكاد تذكر شاهدة بصدق لما مضى وعلى ما نحن فيه من تقهقر واعوجاج وسوء، ولم تستطع جامعاتنا ولا منتدياتنا ولا اتحاداتنا الأدبية شعرًا وكتابة أن تتحفنا بنزر ولو يسير من صنف تلك الفحولة، أو أثر ملموس من تلك الرجولة والبطولة!! فقد كلت الأفكاروعميت الأبصار، وعمهت البصائر، وانقلبت المعايير، واختلت المكاييل. وكل يوم ترذلون.
كان أمسنا القريب رغم تباعد الأقطار، وانتصاب الحدود، وشدة القيود
وتنوع الاستعمار، غنيًا بالكتابة والكتاب والشعر والشعراء، لا يخلو يوم من قصائد رائعة، ومقالات رائدة، وكتب مهمة، ومحاضرات علمية رصينة، وندوات متعددة ومتنوعة، ومواجهة صريحة وشجاعة، وتواصل وتلاقح وتكاتف وتناصر وتناصح، ورغم قلة ذات اليد فإن عناوين الجرائد والمجلات والكتب والرسائلتفوق الحصر، ولم يكن الكاتب أو الباحث يتقاضى أجرة على عمله، بل كان الدافع حب الإسهام في المعركة والصراع، كل حسب قدرته وطاقته.
وبين عشية وضحاها يكاد يسود صمت رهيب إلا من أصوات مأجورة. وأقلام مجذومة مأزورة، وأفكار نزقة معهورة، وحناجر مشؤومة مصدورة كالبوم، لا تنطق إلا في الظلام، ولا تثير في النفس إلا الحسرة، وتوقع الشر. وأحسن تلك الأقلام مغلولة أسنانها في الحق، وأجمل هذه الأصوات مترهلة أصواتها في الصواب.
وقد حاصرت تلك الأقلام والأصوات بصنفيها عبر صحافتها المتنوعة.
ونشراتها المتعددة العقول والأفكار والعواطف والأذواق، وهجمت عليها وحاصرتها ولاحقتها حتى في عقر دارها، وقل من يستطيع أن يتخلص من أسرها وإصرها وهدرها ولغوها. وهي وإن كانت تتكلم لغتنا، وتنقل إلينا مضمونًا لقيطًا ودخيلًا علينا، فهي عربية القناع، عجمية ما وراءه، وبعبارةأخرى هي ذات وجهين ظاهر وباطن، فالظاهر بين إعرابه، والباطن صارخ لحنه وتحريفه، ومفضوح إلحاده (أي ميله عن الحق نحو الباطل).
والعجب أن هذا النوع من الأقلام والأصوات لا يلقى من كثير من ذوي النفوذ والمال إلا دعمًا وإكبارًا، يغدقون عليه بغير حساب سرًا وجهارًا، ولذلك أصبحت تتوالد في آفاقنا توالدًا متفاحشًا وكأنها تتسافد فيما بينها تسافد القوارض والأرضة، فتفرخ بأعداد مهولة.
بغاث«الشر»، أكثرها فراخًا وأم «الخير» مقلاة نزور
لذلك فهي لا تزداد إلا توسعًا وانتشارًا وطغيانًا واستنسارًا، وقد راجت وتروج أسواق بورصاتها، ولاسيما في أجواء الفراعنة والقوارين، ممن أبطرتهم النعم وتعاموا عما نال أمثالهم من النقم.
وهذا اللفيف، المصنوع محليًا هو أشد وأنكى وأفظع من «اللفيف» الأجنبي، وهو -أي اللفيف المحلي- أشد بغضًا للحق وحقدًا على الإسلام وغيظًا على ذويه وحماسًا لهولاكو، وتشيعًا لجانكيزخان، وتحزبًا لغورو. وتعصبًا لألنبي، ومظاهرة للصليبية، وحبًا للهاجاناه، وتشجيعًا للموساد. وتصفيقًا للنتن ياهو ومساندة لجرنق، إذ غاية شهواته، وأسمى نزواته أن يرى راية الإسلام ممزقة مهينة ودعوة الحق منهزمة حزينة وديار المسلمين مستباحة، وأعراضها منتهكة.
لذلك كانت مسؤولية «القلم» المقسم به في القرآن الكريم جسيمة، بل أشد جسامة وثقلًا لأنها تواجه العدوان الغاشم ليس فقط في الخارج، ولكن داخل حدودها وخلال تروبها وبيوتها وبأيد من لحمها وعظمها ودمها.
إن على أقلام الحق التي تعاني «الغربة» ألا يظل بعضها منزويا يجتر مرارة الواقع، وألم التنازع، وفوضى الاختلاف هذا البعض، ولا أسمي، من أكفًا الأقلام وأكثرها نفوذًا وأشدها تأثيرًا أنها تمتاز بالإبداع في الفكرة، والإتقان في العرض والجمال في الأسلوب، والإقناع في المنطق، ولكنها قليلة الإنتاج، وربما تطرق الملل إليها أحيانًا.
أما أقلام الحق التي في الساحة فعليها دائمًا المراجعة والمحاسبة حتى لا تحجب عجاجات المعارك عن أبصارها حقائق الواقع ومقتضيات العصر والمصر، وحتى لا تظل منساقة مع الحماسة التي كثيرًا تقضي إلى الهزيمةإن عليها الاهتمام بتوفير أسباب النصر، وشروط الفوز، وتهيئ الأجواء والبيئات والمناخ لاستنبات شتائل الحق والعناية ببراعم الخير، والتركيز على ما يجب عليه التركيز حسب مقتضيات المرحلة والظروف، ومن أجل المجالات التى يجب إيلاؤها أكبر اهتمام «الطفولة» و«العنصر النسائي » المحضن الأول للتنشئة والتربية والاستمرارية، إذ من هنا بدأ تغلغل الخراب والتقويض.
وهذه الأقلام يجب أن تنطلق من مبادئ مقررة وقواعد مسلمة، هي:
1. العلم، إذ كل أمر لا يبني عمله وبرامجه ومخططاته على العلم، فإن مآله إلى البوار والإخفاق لذلك نرى القرآن الكريم يضع مبدأً أساسيًا ضابطًا بقوله تعالى ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:36)، فالتزام هذا المبدأ يقتضي التخصص والاقتصار على ما يحسن المرء دون تجاوز ذلك إلى ما لا يعلم ويعرف، وفي المثل:«لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف» والملاحظ في هـذا الموضوع أن خصوم الإسلام ينتقون من لا يدري للحديث عن الإسلام والدفاع عن بعض أفكاره، والإسهام في بعض الندوات والحوارات والمناظرات باسمه وذلك لتشويه الإسلام والتنفير منه، وإقناع الجاهلين بعدم صلاحيته وصوابه، وقد استطاعت بعض المنظمات والجهات والفضائيات أن تظفر بنجاح في هذا الميدان، وقد كثر المورطون للإسلام باسم الإسلام.
كما أن بعض الأقلام ما زالت جامدة لم تتطور ولم تبدل الخطاب حسب مقتضيات الأحوال الجديدة، والعلم لا يعنى العلم بالفكرة والموضوع، بل بالمنهج وطبيعة المخاطب ومستواه، وبكل ما يضمن للفكرة تحقيق الغاية من الإدلاء بها.
2-الحكمة المرتبطة بالعلم وهي هنا تتصل بالجانب العملي التطبيقي والتنفيذي، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ولذلك قال تعالي لمن يتعاطى الدعوة إلى هذا الدين ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125)
٣- التفاؤل المعزز بالإعداد، انطلاقًا من قول الله تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الانفال:59)
٤- الحرص على وحدة القلوب ووحدة الصف والنأي عن التنازع والاختلاف انطلاقًا من قول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ﴾ (الفتح:29)، وغيرها من الآيات والأحاديث.
إن مسؤولية «القلم» مسؤولية عظيمة، ولذلك لا مجال فيها لما يشبه العبث واللغو، وعدم الاكتراث والتسرع، وتكديس الكلام، والرمي بدون هدف، والحركة دون قصد إنها عبادة والعبادة نظام ومسؤولية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل